عاد إبراهيم الكوني الليبي الذي ولد عام 1948 إلى عالمه الصحراوي، بعد أن عاش ودرس في شمال أوروبا حيث نهل من الآداب العالمية والأدب الروسي خاصة، غادر جبال الألب والثلوج والطبيعة الخضراء والبرودة الشديدة ليستقر في رحم صحرائه الأم ، في محراب العزلة، ولم يكن معه سوى مثلث الصحراء والأسطورة والكتابة.

وفي رحاب الخلاء بدأ رحلته الداخلية الجديدة، لسبر أغوار النفس. وفي هذا المنفى الاختياري المتمثل في الصحراء، مارس صوفية التأمل، وفي عالم التأمل يصف غايته كما ورد في كتابه التبر، «الصحراء وحدها تغسل الروح .. تتطهر .. تخلو .. تتفرغ .. تتقضى. فيسهل أن تنطلق لتتحد بالخلاء الأبدي .. بالأفق .. بالفضاء المؤدي إلى مكان خارج الأفق وخارج الفضاء..»، ويتابع وصفه، بأنه في العراء يكرس الإنسان اهتمامه للطبيعة من حوله حيث تأخذ التفاصيل مداها، فكل عشبة وحبة رمل ودابة وحشرة وحجر وصخرة وقطرة ماء ونسمة هواء تستعيد كينونتها. والإحساس بالعزلة أو الغربة عن العالم الخارجي يوقظ في الإنسان الحنين، ويقول في ذلك «إن الحنين إلى الحقيقة هو حنين إلى الزمن الأسطوري دائما، حنين إلى مبدأ التكوين، والصحراء مسكونة بمبدأ التكوين».

ومن هنا يستعيد الكوني صلته بالتاريخ والأجداد والطبيعة، ليوغل فكره بحثاً عن الحقيقة والحكمة. وفي ذلك يقول، «كل إنسان في هذا الوجود يحن لأن يعتزل، يحن لأن يقابل نفسه. كل إنسان يحاول أن يعرف نفسه. تجربة معرفة النفس هي الخطوة الأولى نحو الحقيقة. ولكونه إنسان يحتاج أيضاً في عزلته هذه لأن يلهو كما يلهو الكل».

وتتمحور كتابات الكوني وتبلغ ما يقارب من ستين مؤلفاً روائياً وفكرياً، حول التآخي بين الإنسان وعناصر الكون بما فيها الحيوان والطبيعة، التي يجمعها الإحساس الحميم بالوجود.

ويعتبر الكوني علامة بارزة من علامات الأدب العالمي، ليس لأنه الأول الذي خاض غمار الرواية من بيئة الصحراء بل لأنه قدمها للمرة الأولى كفكرة فلسفية، وكمنبع حكمة، أكثر منها كبيئة اجتماعية أو كظاهرة جغرافية.

ومن أشهر أعماله الروائية ، «الخسوف» رباعية نشرت عام 1989، «التبر» و«نزيف الحجر» ونشرتا عام 1990، و«المجوس» جزأين نشرتا عام 1991، و«السحرة» جزأين نشرتا عام 1994، و«عشب الليل» و«واو الصغرى» ونشرتا عام 1998 وغيرها الكثير.

وروايته «عشب الليل» يمكن أن تلخص جميع ما ذكرناه بصورة مبسطة وبشخصيات محدودة، حيث يسهل على القارئ من خلال قراءته لتلك الرواية، ولوج عالم الكوني وفهم دلالاته ورموزه وإشاراته في ناموس الأسطورة واللغة، وكذلك الأمر فيما يتعلق بتاريخ الصحراء وقبائلها.

وتتحدث هذه الرواية عن الناموس، والناموس بصورة عامة هو منظومة الكون البدائية التي فطر عليها الإنسان، ويبين الكوني بأن عبث الإنسان بالناموس والتآمر عليه إنما فيه نهايته الحتمية مهما طال الزمن.

تبدأ روايته بحدث جليل، حيث تهدد فتاة شابة ناموس الأعراف السائدة بإصرارها على كشف المستور، وتحاول العرافة أو الكاهنة امتصاص غضبها وإقناعها بالتزام الصمت بقولها، «إذا خرج من فم الإنسان القول المعيب، فذلك عار يلحق بقائل القول». وبالطبع هذا الكلام جزء من أعراف مجتمعاتنا.

ويكشف الكوني تناقض الواقع بين الستر والكشف بقول الكاهنة للفتاة، «هناك شرف أبعد من شرف الجسد. هناك شرف أكبر من الشرف. وصيانة اللسان من قول الجهل مفتاح في طريق الشرف الأنبل». حيث تحضها على كتمان الحقيقة، لكن الشابة المجروحة تتمرد وتجول بالقرية وتخبر الجميع بمأساتها، حيث أتى الجد المنكر مع حفيدته واللعنة المتمثلة في العشبة.

وهذا الجد، هو بطل القصة «وان تيهاي» بلغة الطوارق، أي سليل الظلمة وهو شاعر تغنى بالسواد والخفاء. كان هذا البطل الذي ورث إماء وأقنانا وقطعان إبل، قد عرف بين القبائل باستهتاره في شبابه حيث اقترن ثلاث مرات. في المرة الأولى هربت القرينة ذات الحسن والنسب الجليل منه في اليوم الرابع بعد القران مع تكتمها على سر هروبها ، أما القرينة الثانية التي زعم أهل القرية بأنها سليلة الجان لثرائها وعدم معرفة أصلها، فقد استجارت بزعيم القبيلة لحمايتها منه.

وإلى ذلك العهد أرجع المؤرخون تبلور هوية «وان تيهاي» وافتضاح تعلقه بالظلمات. تم ذلك حينما استقر على حافة وادي، أطلق عليه العابرون اسم وادي الجن، إذ لم يكن يخرج هذا الشاعر للتسكع إلا في الليالي التي تتغيب فيها الأقمار، ويروق له أن يحاور الكائنات المجهولة بصوت عال، ويعاركهم بألفاظ حرمها الناموس على القوم.

وفي عالم الظلمات عرف سر العرافين العميان وسبب تفوقهم على قرناء البصر. وفي هذا الوادي اقترن للمرة الثالثة، إنما بأحدى الإماء وعاش معها على ما يرام. ومن خلال بصيرة الخفاء بدأ بتأمل زيف ومكائد حياة الإنسان.

أما العشبة التي يقال بأنها ترتوي بأنسام الشمال مثلها مثل الطلح والودّان والغزلان، فقد ارتبط بها حينما تذوق السائل بطرف اللسان، تنعم بهناء لم يعرفه ولم يذق له طعما ..... ولكن الشهوة المنكرة لم تستول عليه إلا في اليوم التالي تلك الشهوة التي دفعته لإتيان إحدى الإماء التي اقترن بها لاحقا.

أما الشخصية المحورية الثانية فهي «بوبو» العبد الحكيم المعمر الذي ربى البطل ووالده وجد جده، ويمثل الدهاء والخبث الذي يسعى إلى توريثه من خلال مساعدته في المكيدة ضد نبلاء القبائل الذين استنكروا عليه كسر ناموس أعرافهم بالزواج بأمة (التمييز العرقي والطبقي) وللشماتة فيه كانوا يرددون «إذا قبل النبيل اقتسام الفراش مع بنت الأدغال فسوف يرى النبيل يوما ابنته تتقاسم مخدع القران مع ابن الأدغال».

وهنا يفقد ابن الظلمات بصيرته ويهوي في مكيدة عالم الضياء بتشجيع من الحكيم، ويسعى بغروره إلى رد كيدهم بكيد أدهى وهو لا يدرك بأنه إنما ينسف ناموس الطبيعة بأكمله، وتمثل انتقامه بالتخطيط ليكون قرينا في السر لابنته بعد حياكة خديعة تزويجها لعبد مخصي قطع لسانه قبل الاقتران بها كي لا يبوح بالسر.

ويبين الكوني أن خرق ناموس الطبيعة يختلف عن خرق ناموس الأعراف، فتحدي الطبيعة يودي إلى التهلكة وهذا ما حدث حينما أنجبت ابنته منه ابنة حظي بها أيضا بسبب الشهوة الجامحة الناتجة عن أكله لتلك العشبة.

وتأتي النهاية التراجيدية حينما تقتله الحفيدة بذات السكين التي قتل بها سابقا عبده الحكيم حينما كشف له عن سر خلوده بكونه من صلب ابنة اقترنت بأبيها. لكن الاختلاف أن العبد لم يحرر النصل الآخر للسكين وذلك للحفاظ على حياة قاتله، أما الجد فكان في مقتله مقتل حفيدته أيضا.

رشا المالح