سيلفان سيبيل هو أحد رؤساء تحرير صحيفة «لوموند» الباريسية، كان قد أنجز العديد من التحقيقات في منطقة الشرق الأوسط، كما عاش لمدة «اثنتي عشرة سنة في إسرائيل» القابعون خلف الجدار «كتاب عن المجتمع الإسرائيلي الذي يصفه المؤلف بأنه «يعيش في أزمة ومنقسم في العمق وانه قد دخل في طريق مسدود خلف الجدار الذي قرر أرييل شارون بناءه وأطلق عليه تسمية «جدار الحماية».

والذي لا يرى فيه الفلسطينيون سوى «جدار العار»، والمؤلف، اليهودي، يدعو قارئه للغوص في أعماق هذا المجتمع حيث يدرس مؤسساته مثل الجيش والمنظومة المدرسية ويحلل الخطاب السياسي الاسرائيلي والتناقضات الإيديولوجية التي يزخر بها» ويجمع المؤلف بين التحليلات والمقابلات والشهادات الشخصية ويحاول رصد التحولات التي عرفها المجتمع الإسرائيلي من الماضي حتى الحاضر.

ويؤكد بأنه لا يمكن الحديث جدياً عن الإسرائيليين دون الحديث عن «الآخر» في نظرهم أي «الفلسطينيين» حيث يشرح كيف يتم «التجاهل» المتبادل رغم التداخل الكبير، بل ورغم «ارتباط المصير» في الواقع، وقد اختار المؤلف كتصدير لكتابه مفهومين متناقضين عن الآخر ..

المفهوم الأول تمثله الجملة التالية والمأخوذة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقائلة: «جميع الناس يولدون احراراً ومتساوين بالكرامة والحقوق، أنهم يمتلكون عقلاً وضميراً وعليهم ان يتصرفوا حيال الآخرين بروح الإخاء».

المفهوم الثاني مأخوذ من كاتب إسرائيلي ويقول: «انه هو الآخر، دائماً الآخر الذي يضعنا في الموقع الذي نستخدم فيه القوة. عفواً حيث، نحن مرغمون كي نستخدم القوة، ربما ذات مرة أخرى عندما سيفهمون ـ بالقوة، لأنهم لا يفهمون إلا بالقوة ـ سنستطيع الحديث معهم .. إذا كان هناك من نتحدث معه .. هذا ما نقوله .. وهذا بالتحديد ما يقولونه هم أيضاً».

على قاعدة هذين المفهومين المتناقضين يرى المؤلف بأنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، ولوج درب السلام إذ ان الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تقول بـ «ضرورة الانتصار على الإرهاب» بينما ترى الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين تؤكد بأن لا سبيل سوى «المقاومة».

النتيجة هي هنا أيضا الوصول الى الطريق المسدود، ويشير المؤلف في هذا السياق الى ان الفلسطينيين، رغم أنهم يدافعون عن أنفسهم إلا أنه لديهم القناعة بأنهم «لن يستطيعوا بقوة السلاح الحصول على انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من أراضيهم».

ان المؤلف يعود في التمهيد لشروحاته إلى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد إصرار ارييل شارون الذين كان آنذاك في 28 سبتمبر 2000 وزيراً للخارجية على الدخول الى حرم المسجد الأقصى لتنطلق في اليوم التالي بعد صلاة الجمعة مظاهرات احتجاج صاخبة للفلسطينيين ألقى فيها الشباب الحجارة على رجال الشرطة الإسرائيليين الذين أطلقوا النار ليسقط عدد من الضحايا بين قتيل وجريح ..

مايؤكده المؤلف الذي كان آنذاك مراسلاً لصحيفة «لوموند» في القدس بأن اصواتاً إسرائيلية قليلة طرحت بعض الأسئلة مثل «هل كانت الشرطة الإسرائيلية سوف تطلق النار على متظاهرين لا سلاح معهم لو كانوا من اليهود؟

و«كيف كان يمكن للإسرائيليين ان يتصرفوا لو كان الفلسطينيون قد أطلقوا النار على حائط المبكى؟» ..هذه الأسئلة جاءت على لسان وزيرة التربية السابقة من حزب العمال والتي يعلق عليها المؤلف بالقول: «كانت تقريباً هي الوحيدة التي تطرح مثل هذه الأسئلة في إسرائيل» أنها «شولاميت الوني».

وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي يعالجها مؤلف هذا الكتاب في «الإنكار» حيث يقول: «في السياق الاسرائيلي ـ الفلسطيني يترافق الإنكار مع صناعة ـ فبركة ـ صورة شيطانية للآخر» وهذا بقصد تقديم النفس بصورة «العادل» .

و «الضحية» في كل الظروف. لكن المؤلف يكرس اثني عشر فصلاً من فصول الكتاب للحديث عن الإسرائيليين وفصلين فقط للفلسطينيين، هذا بالإضافة الى فصل نهائي «مشترك» .. انه «كتاب حول المجتمع الإسرائيلي في واقع الأمر» كما يقدمه المؤلف نفسه.

وما يؤكده المؤلف أيضاً هو ان عملية بناء «جدار الفصل» في الضفة الغربية لم تتوقف ابداً. «لكن القابعين خلف الجدار ليسوا فقط الذين نعتقدهم ونراهم.

ذلك إن الإسرائيليين باحتجازهم الفلسطينيين وراء جدار وحفرة محاطة بالأسلاك الشائكة انما يحتجزون أنفسهم في طريق مسدود مأساوي ويغوصون في أزمة قاتلة»، يقول سيلفان سيبيل قبل ان ينقل عن «افراهام بورغ» الرئيس السابق للوكالة اليهودية، أي أعلى هيئة صهيونية، قوله عام 2003: «كل صرح يشاد على عدم الإحساس بآلام الآخرين إنما مصيره السقوط. فانتبهوا الى أنفسكم ـ يقصد الإسرائيليين ـ فإنكم ترقصون على سقف تترنح أعمدته».

وإذا كان المؤلف يؤكد على وجود «الإنكار» لدى الفلسطينيين فإنه يؤكد بالمقاله انه «أكثر بناء» وتنظيماً على الجانب الإسرائيلي ذلك «ان الفلسطينيين يخضعون للسيطرة واقعياً وسياسياً. انهم يعانون من الاحتلال منذ 38 سنة في الأراضي المحتلة أو مواطنون من الدرجة الثانية في إسرائيل نفسها منذ 57 سنة، هذا بالإضافة الى اللاجئين في البلدان العربية».

هذا يعني ان الإسرائيليين هم الذين يحددون الإطار السياسي والقانوني لإحكام سيطرتهم على الفلسطينيين في أدق مسائل حياتهم اليومية والنتيجة هي «إن إنكار هذه الحقيقة هو أحد أشكال الإنكار الأكثر ظهوراً على الجانب الإسرائيلي الذي يبحث باستمرار على تقديم النزاع وكأنه بين خصمين متكافئين». ومن هنا بالمقابل يغدو «الطريق أكثر وعورة بالنسبة للإسرائيليين» فيما يتعلق بمسألة الاعتراف بالآخر ..

ذلك لأن «إنكارهم» لحقوق ا لفلسطينيين أكبر، هنا يفتح المؤلف قوسين للإشارة الى ان الفلسطينيين لم يتفاجأوا كثيراً في توقيع اتفاقيات أوسلو بعد ان كان الرئيس الراحل ياسر عرفات قد عمل لسنوات من خلال تصريحاته المتكررة على تحضير الرأي العام لديه لقبول «منعطف» الاعتراف بإسرائيل. بينما «لا شيء من هذا القبيل على الجانب الإسرائيلي»، حيث سادت باستمرار تسمية الرئيس عرفات بـ «قائد الإرهابيين».

وتتمثل إحدى الأفكار الرئيسية التي تتردد في مختلف شروحات هذا الكتاب في التأكيد على واقع الاحتلال وما نجم عنه من واقع لابد وأن يولّد العنف بإجابة على أسئلة يطرحها المؤلف كالتالي: «ماذا يمكن ان يفعل الفلسطينيون أمام قوة نيران الدبابات والطائرات الإسرائيلية؟ ماذا يستطيعون فعله وهم محاصرون في بيوتهم والجيش الإسرائيلي يدمر بيوتهم وحقولهم كي يرى أفضل؟».

انهم بالضرورة يصلون إلى نتيجة مؤداها هو ان «البربرية» هي صفة أصيلة للإسرائيليين، وفيما هو أبعد منهم لليهود كلهم، وبالمقابل يطرح المؤلف اسئلة أخرى من المنظور الإسرائيلي مثل: وماذا يستطيع الإسرائيليون أمام واقع ان تهديم أي منزل ـ فلسطيني ـ يؤدي إلى مضاعفة عدد المرشحين للشهادة وكل ضحية مدنية جديدة يقابلها أربعة أضعاف؟

الإجابة الشائعة في إسرائيل على مثل هذه الاسئلة هي انه «ينبغي استئصال البنى الأساسية للإرهاب، كما يتردد على لسان الحاكمين والجنرالات الإسرائيليين، لكن هناك أصوات من أمثال «يوري افنيري» من «كتلة السلام» تقول بأن «البنى الأساسية للإرهاب تتمثل في الاحتلال نفسه».

ان الاخفاء «الذهني» للواقع الذي يشكله الاحتلال لشعب يدفع بالكاتب إلى «الانشغال» على مدى تحليلاته، بين الحاضر والماضي، هذا ما يبرره بالقول: «ان أحداث الحاضر ليست مفهومة إلا عبر أخذ مسارات تشكل هوية الشعبين بالحسبان وان ذاكرة الماضي التي يقول بها الطرفان قد برزت من جديد بصورة قوية جداً في الحاضر». هنا يتم التذكير بما قاله ارييل شارون عندما وصل إلى السلطة بأن طموحه يتمثل في متابعة حرب 1948، وذلك باعتبار انها «لم تنته».

وعلى أساس ذاكرة الماضي «يشجب الكثير من الفلسطينيين خيانة كل من يبحث عن حل لا ينص على العودة التامة للاجئين عام 1948 وعام 1967 إلى منازلهم». على هذا الأساس يتم التأكيد على ضرورة فهم التاريخ من أجل إمكانية الفعل في الحاضر.

وعلى ضوء الماضي يشير المؤلف إلى انه خلال فترة طويلة، وإلى حد كبير حتى الآن، هناك اتجاه عام نحو «عدم الاعتراف بالآخر» والذي ترافق مع سلسلة من اشكال «إنكار» الوقائع «الأكثر أساسية». وكمثال: «ان الحركة الصهيونية قالت انها اشترت أراضي إسرائيل بشكل قانوني ومشروع».

لكن هذا « خطأ بنسبة 87%» يؤكد المؤلف، بل وأكدت تلك الحركة الصهيونية بأن الفلسطينيين قد «هربوا طواعية» عام 1948، وبالتالي لا تتحمل إسرائيل بالنتيجة أي جزء من مشكلة اللاجئين التي «يعود حلها على عاتق البلدان العربية».. وضمن السياق نفسه كان يُطلق حتى عام 1993 وصف «منظمة إرهابية» عبر «انكار» أية صفة تنعتها بأنها «حركة وطنية».

وعبر تحليل الانتفاضة الأولى أو «ثورة الحجارة» لسنوات 1987 ـ 1993 واتفاق اوسلو خلال شهر أغسطس 1993 وفشل المفاوضات اللاحقة ووصول أرييل شارون إلى السلطة، يرى مؤلف الكتاب بأن «الطريقة» التي أدّت حسب المنطق المتبع لدى كل طرف إلى «راديكالية» الطرف الآخر أي تجد جذورها في «حركات أكثر عمقاً».

وفي تاريخين حاسمين بالنسبة للمعنيين مهما كان معسكرهما وهما 1948 و1967، حول هذين التاريخين يتباين منطقان إلى درجة التعارض الكامل، فالإسرائيليون يرددون، خاصة حيال 1948: «لقد قبلنا بالتقسيم لكن الفلسطينيين رفضوه»، أما بالنسبة للفلسطينيين فيتم التأكيد على القول: «لقد طردنا الإسرائيليون ويرفضون منذئذ الاعتراف بأخطائهم وان يتركوا لنا حريتنا».

وضمن هذا السياق تمت عملية «إعادة كتابة التاريخ بالاعتماد على حقائق مجزوءة ومتحيزة».. الأمر الذي دفع بعض الإسرائيليين الذين لا يشكلون سوى أقلية ضئيلة جداً إلى ان «يلوذوا بالصمت» بنوع من المنفى داخل الصمت.

وينقل في هذا الإطار عن «ميكائيل بن يايير» المستشار القانوني السابق في حكومة رابين قوله: «اكتب علانية بأننا قد أقمنا نظام تمييز عنصرياً في الضفة الغربية وبأنه ليس هناك أسوأ من الإذلال اليومي الذي نمارسه مع الفلسطينيين وبأن مجتمعنا فاسد من الداخل بإرادته ان يسيطر بالقوة على شعب آخر إنني أصمت الآن ولا فائدة في شيء قول ما لا يريد الناس سماعه».

كان ذلك القول عام 2003. لكن المشكلة هي ان السواد الأعظم من الإسرائيليين لا يرون أنفسهم «أجانب» في الأراضي المحتلة على اعتبار انها جزء من إسرائيل الكبرى» وفي محصلة تحليلات هذا الكتاب يصل المؤلف إلى القول انه بعد تجربة «عملية السلام» التي لم تحقق أي نجاح يذكر، أصبح العنف «من جديد هو وسيلة» الحوار مع الآخر.. وحيث ان «كل كتلة أسمنت يضيفها الإسرائيليون.

وكل متر مكعب يحفرونه كي يزيدوا من طول وعرض وعمق ـ جدار الأمن ـ وحفرته من الأسلاك الشائكة بقصد فصلهم عن خصمهم انما يزيدون عزلتهم ومن جعلهم غرباء في محيطهم ومن العداء الذي يثيرونه. وكل عمود إضافي يعزز من التوجه نحو صدام الحضارات» لكن إذا كان هناك «صدام» بين الفلسطينيين والإسرائيليين فان هذا ليس محصوراً بين المعسكرين» وانما هو موجود داخل كل معسكر بين دعاة الفكر القومي الاثني وبين أنصار النزعة الكونية وأخلاقية العدالة.

كتاب محاولة للفهم بعيون مراقب عن قرب وبعيداً عن الايديولوجيات.. وانما بلغة «غربية» وتعابير «عربية».

الكتاب: القابعون خلف الجدار

المجتمع الإسرائيلي في الطريق المسدود

تأليف: سيلفان سيبيل

الناشر: لاديكوفيرت ـ باريس 2005

الصفحات: 440 صفحة من القطع

المتوسط

LES EMMURE'S

LASOGI'ETE ISRAELIENNE

DANS L'IMPASSE

SYLVA AIN CYPEL

LA DE'COUVERTE -PARIS 2005

P.440

vOtuoyaLdraoby@?;0?