قبل أن تكمل الأربعين، أضافت لوثيا اتشباريا (بيميو 1966) جائزة بلانيتا إلى جعبتها، التي كانت تحتوي أصلاً على جائزتي نادال وبريمافيرا ثلاث جوائز كبيرة في ست سنوات «أريد كسب الجوائز من أجل كسب القراء»، على حد تعبير هذه المرأة القوية، التي تسلمت الجائزة الأخيرة وقد بدت متأثرة للغاية ومع بعض الدمع في عينيها.

لا تريد أن تلصق بها بطاقة حاملة راية الحركة النسائية الاسبانية «ولا راية أي شيء آخر». لجنة التحكيم تؤكد أن روايتها الفائزة «معجزة متزنة» هي رواية «شغوفة وجياشة ومعقدة في آن».

صحيفة «دياربو دي ليون» الأسبانية التقت لوثيا اتشباريا في مدريد أخيراً وأجرت معها حواراً نقتطف منه هذه الفقرات:

ـ هل هي يوميات أمومة؟

ـ إنها قصة امرأة تكتب رسالة إلى ابنتها لتشرح لها الأسباب التي دعتها إلى إنجابها ولماذا قررت اختيار والدها. وفي تلك اللحظة بالذات تقع والدة هذه المرأة صريعة المرض ويبدو أنها ستموت.

وتبدأ قصص الماضي بالتداعي، القصص التي ظلت مدفونة منذ الحرب الأهلية الاسبانية، ويتعقد كل شيء ويتشابك، بحيث ستدرك مع مرور الوقت الأسباب التي دعت والدتها لإنجابها أو لماذا اختارت والدتها والدها دون غيره من الرجال. كما أنها قصة إصلاح ذات البين أيضاً.

ـ إلى أي حد يمكن القول إنها خاصة بسيرة ذاتية؟

ـ في جانب منها فقط. إذ أنها تتناول تاريخ أربعة أجيال من النساء وهي روايتي الرابعة ولم يتبق لي وسيلة أخرى سوى استغلال حياة الآخرين أما فيما يتعلق بالأمومة، فإنها تقوم على مشاعري، لكنها لا تتطرق لأحداث بعينها، فأنا أحاول خلق أصوات نسائية دون الوقوع في كليشيهات وفي هذه الحالة فإن الصوت هو صوت شخص يمسك بزمام حياتها دون إتباع الخطوط النمطية.

ـ هل رفعت سقف المستلزمات إلى أقصى حد؟

ـ نعم. فكل رواية تكتبها، تمتلك المزيد من التقنية والمزيد من الخبرة، بحيث تستطيع طرح تحديات أخرى والتحدي هنا يتمثل في تغيير الأصوات وأعتقد أني حققت ذلك. إنها حكاية طويلة مع قفزات كبيرة في الزمن وكانت صعبة جداً على الكتابة وأنا كنت على وشك التخلي عنها عدة مرات. لكني أعتقد أنها تحقق أسلوبي التهكمي جداً.

ـ قبل أن تكملي الأربعين فزت بثلاث جوائز أدبية كبيرة. هل هذا يعني أن الحلم قد تحقق؟

ـ في أفضل لحظات حياتي حلمت بكل شيء، حتى أني حلمت أكثر مما عشت في الواقع. هناك طرق كثيرة للدخول إلى الأدب، لكني لا أكتب كي أصبح مشهورة.

وما أرمي إليه مع الرواية هو الوصول إلى أكبر عدد من الناس، بينما الشعر هو أمر أكثر غموضاً وأكثر حميمية وخصوصية. مع الرواية أردت تغيير ما لا يعجبني في العالم والجوائز تشكل طريقاً، إذ أن كسب الجوائز يعني كسب قراء وامتلاك إمكانية استمالتهم بالكلمة.

ـ لو أنك لم تكوني أمّاً، أكانت هذه الرواية سترى النور؟

ـ كانت سترى النور من دون الجزء المتعلق بالابنة. فهناك جزء من القصة كان موجوداً قبل أمومتي.

ـ قبل أن تكوني أمّاً، كنت تشعرين بأنك «مكدرة وواهنة الأعصاب ومثبطة العزيمة». هل تبدلت الأمور؟

ـ بلا شك. عندما تكون مسؤولاً عن كائن آخر لا تستطيع أن تسمح لنفسك بأن تكون مثبط العزيمة.

فأنت تستطيع قضاء اليوم في الفراش باكياً، لكن إذا كان لديك واجب، ابن أو حيوان برفقتك، فإن الأمر مختلف. ومع وجود ابن أنت مسؤول عنه فإنك لا تستطيع السماح بأن تنهار معنوياتك ولا أن تتكدر، باختصار تتغير عقليتك.

ـ طرحت شعار «زوجان من المبايض والكثير من المقاومة»، هل لا يزال هذا الشعار نافعاً؟

ـ ثمة شعار آخر أمارسه وأنا أستشهد به في الرواية وهو: الذي لا يقتلك، يجعلك أقوى.

ـ هل يشكل عبئاً أن يحولك البعض إلى رافعة لراية الحركة النسائية في اسبانيا؟

ـ لا. بل إن ذلك موضع فخر واعتزاز. لكن لكلمة الحركة النسائية سلسلة من التلوينات الواسعة جداً وأنا لا أجد نفسي فيها كلها. فأنا أقف إلى جانب مسألة الرعاية المشتركة بصورة مطلقة، على سبيل المثال. إنها فتح حقيقي.

لكن دور الأم في حماية البيت ورعايته ليس بالضرورة أن يكون أنثوياً ثمة قطاعات نسائية تقدر أن الرعاية المشتركة تصرف همجي. وفيما يتعلق بالباقي، فأنا لا أعتبر نفسي رافعة راية أي شيء. ورافعة راية الحركة النسائية التاريخية في اسبانيا هي ليديا فالكون.

ـ هل حان الوقت كي يصل التكافؤ إلى مؤسسات مثل الأكاديمية الملكية الاسبانية؟

ـ بالإضافة إلى أن الأكاديمية الملكية الاسبانية ترفع راية الذكور، 55 رجلاً مقابل ثلاث نساء، فإن لديها قوانين وأنظمة أساسية، لا أعرف إذا كانت نافذة حتى الآن، تجبرها على إدراج كاردينال وعسكري. وكلنا نعلم أن النقد في اسبانيا محافظ جداً ومركزي للغاية وهو متخلف كثيراً عن ميادين أخرى مثل الفنون التشكيلية أو السينما أو الموسيقى.

ولعل الأمر على هذا النحو بسبب تركة الهياكل والبنى الفرانكية. أسبانيا هي أحد الأمكنة القليلة في العالم حيث يبقى كرسي الأستاذية لمدى الحياة مع أنه في معظم البلدان يتجدد كل أربع سنوات. ومن الممكن هنا اختيار «الخليفة» بالإضافة إلى البقاء في هذا المنصب مدى الحياة ومن الصعب إحداث تغيير وأنا على يقين من أن النقد في قطاعات محافظة محددة هو أمر محتوم.

ـ هل ستتحول روايتك «معجزة متزنة» إلى فيلم سينمائي؟

ـ كل شيء قابل لأن يترجم إلى صور. من يدري، لكن في هذه الحالة فإن الأمر سيكون معقداً وكاريزمياً للغاية. هناك تغييرات زمنية من عام 1927 إلى عام 2004 وهناك ثلاثة مسارح للأحداث، مدريد ونيويورك وبلباو، وربما تكون هذه الرواية صالحة لمسلسل تلفزيوني بعدة فصول.

ـ صحيح أنك كتبت عن الولادة، لكن لماذا كتبت كثيراً عن الموت أيضاً؟

ـ بالكاد هناك معالجة أدبية للأمومة. وقد تصل نسبة هذا إلى ذاك إلى تسعة مقابل واحد، حيث عولج موضوع الموت إلى حد كبير وهو موثق أدبياً إلى حد كبير أيضاً، لكن المخاض والولادة لا.

ـ من الممكن إذن أن تكون المرأة فنانة وأمّاً في آن؟

ـ من الممكن ذلك، حيث تستطيع تنظيم حياتها واكتشاف أن لديها المزيد من القوة كي تنكب على أمور تفكر بها. في السابق كان يهدر الكثير من الوقت والآن لا، كما هو حال الكثير من الأمهات اللواتي يعملن ولديهن أبناء وهن قادرات على التوفيق بين حياتهن العملية وأمومتهن.

*** الكاتبة في سطور

ولدت الروائية لوثيا إتشباريا في اسبانيا عام 1966 ونشرت في عام 1997 روايتها الأولى «حب وفضول وشك»، التي أظهرتها كإحدى الروائيات الشابات الأكثر حضوراً في أسبانيا، وفي عام 1998 نالت جائزة نادال عن روايتها «بياتريث والأجساد السماوية»، ثم فازت بجائزة «بريمافيرا» عن رواية «كل شيء مرئي وغير مرئي».

كما نشرت أبحاث «إيفا المستقبلية» و«الأدب المستقبلي» عام 2000 و«بين ذراعي المرأة الساحرة»، التي كتبتها بالتعاون مع سونيا نونييز عام 2002 و«كورتني وأنا» عام 2004 وديوان الشعر «محطة الجحيم» عام 2001 ومجموعة قصصية تحت عنوان «قصة حب كأي قصة أخرى» عام 2003.

وفازت عام 1999 بجائزة قراء مهرجان الكتاب في بلباو وفي عام 2004 حصلت على جائزة برشلونة للشعر عن ديوان «طقوس حب وإعجاب»، غير المنشور حتى الآن. كما فازت أخيراً بجائزة «بلانيتا» عن روايتها «معجزة متزنة». ومن بين القصص السينمائية التي كتبتها، يبرز فيلم «سأنجو». وترجمت أعمالها إلى 14 لغة.

باسل حمدة