للدكتور محمد عبد الشفيع عيسى ـ أستاذ العلاقات الدولية بمعهد التخطيط القومي المصري ـ اهتمام أصيل بالقضايا العربية القومية، والصراع العربي الصهيوني، قد صدرت له العديد من المؤلفات حول النظام العالمي، والاقتصاد السياسي الدولي، والتصنيع والتكنولوجيا، والفكر السياسي العربي.

ويتضمن أحدث كتبه دراستين بينهما وشيجة قوية . تحمل الدراسة الأولى عنوان «مستقبل مصر والعرب في إطار عالم الجنوب»، أما الدراسة الثانية فتحمل عنوان «التفكير التكنولوجي العربي:

قضايا الماضي والحاضر ودروس المستقبل». والهدف ـ حسبما أكد المؤلف في مقدمة الكتاب ـ هو إضاءة من بعيد للطريق المرتجى، طريق الوطن العربي بما فيه مصر، نحو مستقبل يليق بأمتنا العربية، أي مستقبل لمصر العربية، والعرب ككل، في إطار النظام الدولي كجزء مما يسمى (عالم الجنوب) أو ما كان يسمى بالعالم الثالث..؟

سؤال كالجمرة انطلق المؤلف يبحث عن إجابات علمية له. كمدخل تمهيدي أكد الدكتور شفيع أن مصطلح «الجنوب» -الذي انحاز إليه في دراسته- هو أحد المصطلحات التي تتداخل مع بعضها البعض، في حقل الدلالة على مجموعة معينة من الدول في إطار النظام العالمي .

ونشير هنا - بالإضافة إلى الجنوب- إلى المصطلحات السبعة التالية: العالم الثالث، الدول النامية أو العالم النامي، البلاد الأقل نمواً، والبلاد المتخلفة اقتصادياً، مجموعة الدول غير المنحازة، والقارات الثلاث، ومجموعة السبعة والسبعين في القرن الماضي. موضحا أن الجنوب هو المقابل للشمال،

وقد برز الحدان المتقابلان (شمال وجنوب) في إطار المطالبة الكبرى بإقامة نظام اقتصادي عالمي جديد منذ مطلع السبعينات، حيث اعتبر الشمال ممثلا للعالم الصناعي أو المتقدم اقتصادياً بشقيه الاشتراكي والرأسمالي. بينما اعتبر الجنوب ممثلاً للعالم غير الصناعي أو الأدنى تطوراً بالمقارنة مع الدول الأعلى تطوراً..

هذا مع ملاحظة انشقاق عدد من بلدان الدول النامية من السلك العام للعالم الثالث السابق، (خاصة كوريا الجنوبية وتايوان والمكسيك)، وأن جمهورية الصين الشعبية التي كانت تدخل في عداد التعريف الواسع للعالم النامي فيما سبق، قد استمدت قوة دفع إضافية بتحقيق أعلى معدل تنمية في العالم. بجانب إعادة دمج البلدان البترولية في الكتلة العامة للبلاد النامية والمتخلفة اقتصادياً.

أما عن مسيرة تطور آسيا ودلالتها إزاء المستقبل العربي فيقول الدكتور عبد الشفيع:

التنمية في آسيا ليست كلها مما يعضد تنمية مصر، بل ربما كان العكس هو الصحيح . فتحقيق التنمية المصرية يبدأ من الداخل، لإقامة نموذج تنموي قادر على التعامل بندية مع الدول الآسيوية حديثة التصنيع، والتي قد لا تتفق مصالحها حاليا مع تنمية مصر، سواء على الطريق الاشتراكي (في الأجل الطويل) أو على الطريق الرأسمالي الجديد(في الأجل المتوسط) .

يوضح المؤلف أن الشرط الأولي لتحقيق التنمية المستقبلية في مصر، هو توفر«الإرادة السياسية» القائمة على التزام بالتنمية كرسالة مقدسة، وهو درس آسيوي رئيسي.

ولكن إذا كانت تنمية شرق آسيا قد تمت في إطار نظام دولي موافق لها (نظام القطبية الثنائية والحرب الباردة) فإن التنمية المصرية وحتى 2020 ستواجه نظاماً دولياً غير موافق لها إلى حد كبير.. ولهذا يمكننا استخلاص أنه بينما بدأت تنمية شرق آسيا بإشعاع من الخارج إلى الداخل، فإن تنمية مصر ستبدأ بإشعاع من الداخل ـ المصري العربي ـ إلى الخارج الدولي.

وتقدم تنمية شرق آسيا ـ بما فيها الصين ـ درساً مستفاداً لمصر يتمثل في ضرورة ارتكاز التنمية على هيكل إنتاجي قائم على التطوير الصناعي - التكنولوجي المطرد.

وهذا ما يفيد في تحديد التوجه الداخلي لمصر، على الصعيد المحلي. أما على الصعيد العربي فإن آسيا تقدم درساً آخر بالغ الأهمية، هو ضرورة تحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي، كما حدث في الآسيان وهو ما يشير إلى الأهمية القصوى لإقامة تجمع اقتصادي عربي منتج، هذا التجمع الذي يعزز المقدرة المصرية مستقبلاً في مواجهة الاحتكارات الدولية المهيمنة.

ثم ينتقل بنا المؤلف لاستعراض تطور أميركا اللاتينية ودلالاته إزاء سيناريوهات المستقبل العربي والمصري فيوضح بعد دراسة لواقع أميركا اللاتينية من مختلف الجوانب أن هناك تقارباً بين المزاج اللاتيني والمزاج المصري العربي ربما يحملنا على القول إن مسار التطور المتوقع لأميركا اللاتينية لا يصب في خدمة «سيناريو الأمر الواقع في مصر» (سنتعرض له تفصيلاً في موضع لاحق) .

وإنما هو أقرب إلى أن يثير دوافع التفكير والعمل في المجتمع المصري نحو التفتيش عن صورة للمستقبل أكثر ملائمة لمصالح القوى الاجتماعية الرئيسية.. وخاصة في الاتجاه الاشتراكي العروبي.

وبالنسبة لتنظيمات الجنوب والسيناريوهات المصرية العربية يشدد الدكتور عبد الشفيع على أنه يمكن تصور العلاقة المتبادلة بين حقائق تنظيمات الجنوب، التي كان نواتها الأولى دول الانحياز الإيجابي ثم عدم الانحياز ـ والمستقبل العربي المصري في النقطتين الآتيتين:

أولا ـ إن الواقع الراهن لتنظيمات الجنوب منذ مطلع التسعينات، يمكن أن يساعد على تكريس (الستاتوس كو) الوضع القائم في مصر أي النظام الاقتصادي - الاجتماعي السياسي المسيطر، وهو ما يسمى بالسيناريو المرجعي.

وفي حال حدوث تطور في طبيعة المنظمات الدولية ومنظمات الجنوب بما يعكس تزايداً معيناً في درجة استقلالية الجنوب عن الهيمنة الأميركية، فإن ذلك يمكن أن يساعد على تطوير نسق (رأسمالي) أكثر تفتحاً على ضرورات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يسمى بسيناريو الرأسمالية الجديدة.

ثانيا ـ إذا استطاعت القوى الاجتماعية الشعبية في مصر، أن تحقق تغييراً نوعيا في التوازن السياسي لمصلحتها، باتجاه السيناريو الاشتراكي والعروبي فإن ذلك يمكن أن يسهم في تغيير صورة تنظيمات الجنوب اعتمادا على المكانة التاريخية لمصر فيها. ويرتبط ذلك بإحداث تغيير إيجابي في الهيكل والتوجه الاستراتيجي للمنظمات ذات الارتباط الإقليمي الوثيق بمصر والعالم العربي.

ونقصد جامعة الدول العربية، ثم منظمة الوحدة الأفريقية (الاتحاد الإفريقي)، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ويعود ذلك فيعزز السيناريو الاشتراكي العربي. ويفتح المستقبل المصري من ثم على آفاق التنمية الاقتصادية الاجتماعية السياسية الشاملة، التنمية المجتمعية بعمقها العربي الضروري.

وفي إطار مواز استعرض المؤلف بشكل مسهب سيناريوهات المسارات المستقبلية المتصورة في مصر والعالم العربي في ضوء واقع ومستقبل الجنوب فذكر أولا السيناريو الاتجاهي ( استمرار الوضع على ما هو عليه عموما) حيث يقول عنه الدكتور عبد الشفيع : يبدو لنا أن هذا السيناريو يحمل إمكانية مرتفعة نسبيا للاستمرار في الأجلين القصير والمتوسط.

ولا نقصد بهذا السيناريو استمرار النظام السياسي، أو نظام الحكم، أو التركيبة أو النخبة السائدة -فذلك يمثل البناء الفوقي لبنية اقتصادية - اجتماعية في المرحلة التاريخية الراهنة. علما بأن هذا السيناريو لا يمثل مجرد الفساد والفقر والتبعية كما يرى البعض، وإنما هو يمثل أيضا محاولة كبرى في ثلاثة اتجاهات:

أ ـ الزراعة خاصة في جنوب الوادي وشرق العوينات وسيناء.

ب ـ الخدمات والبنية الأساسية ولا سيما في مجال استغلال الموقع المصري في التجارة العالمية (ميناء شرق التفريعة- المنطقة الحرة والميناء غرب خليج السويس).

ت ـ محاولة علمية تعليمية ـ تكنولوجية، وإن كانت تفتقد التركيز اللازم (مشروع وادي التكنولوجيا شرق الإسماعيلية ـ مدينة مبارك للأبحاث العلمية بالإسكندرية ـ مفاعل إنشاص الجديد ـ الهيئة القومية للفضاء والاستشعار عن بعد ..) .

ث ـ ويعضد هذا السيناريو تزايد ذكاء الجماعة الحاكمة لمحاولة التلاؤم مع المستجدات وخاصة في ضوء ارتفاع معدل النمو الاقتصادي الكلي وتحسن المؤشرات الكمية.. وبالإضافة إلى ذلك أمران رئيسيان:

1 ـ أن القوى الاجتماعية الرئيسية في مصر ـ وفق الحالة القائمة ـ مهيأة لتكوين بديل تاريخي للتكوين الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي القائم. والدليل على ذلك أنه منذ إقرار التعددية السياسية في مصر، أي على مدى ربع قرن تقريبا لم تنجح القوى السياسية (باستثناء الحركة السياسية الإسلامية) في صنع هامش مستقل للحركة.

كما أن النظام الاجتماعي قد ابتدع آليات لديمومة سيطرته، وذلك بتمييع الصراع الطبقي، من خلال توسيع مجال فرص كسب الرزق من أي طريق : وخاصة عبر الاقتصاد الخفي،والاقتصاد الأسود، والقطاع غير الرسمي، لكن هذا لايعني استبعاد احتمال حدوث فوضى عارمة في ظرف استثنائي، أو حدوث ازمة اقتصادية حادة لفترة متطاولة نسبيا.

2 ـ البيئة الدولية والإقليمية: وتتمثل في ضعف الحركة الثورية العربية، والقوة النسبية للكيان الصهيوني مدعوما من أميركا، ودعم الاتحاد الأوروبي للتكوين الاقتصادي الاجتماعي القائم .

وخاصة أوروبا شمال المتوسط. فمصلحتها أكثر من غيرها فيوجد نظام ضعيف نسبيا ومعتمد عليها بدرجة عالية. وهو ما ينطبق أيضا على الولايات المتحدة، بل وآسيا مع مراعاة لا مبالاة اليابان وعلاقة مصر والعرب المحدودة بأميركا اللاتينية.

ثانيا السيناريو المسمى بالرأسمالية الجديدة :

ويقول الدكتور عبد الشفيع عن هذا السيناريو إنه يتطلب خوض مصر حرباً حقيقية (ليس بالمعنى العسكري) مع قوى الرأسمالية القديمة والجديدة، وقيام نموذج للتطور الرأسمالي، ربما يستدعى مواجهة مع إسرائيل ..قد تصل إلى حد الحرب المسلحة..لأن تنمية موارد مصر والدول العربية يضر بآفاق النمو الإسرائيلي.

ومع هذا ـ والكلام لا يزال للمؤلف ـ لن تستطيع مصر بسهولة تكرار التجربة الأولى لشرق آسيا في إقامة قاعدة للصناعات كثيفة العمال رخيصة الأجور، وسوف تضطر لرفع تكلفة المنتج. أي أن شروط تحقق هذا السيناريو ممكنة، لكن لا تبدو لنا بوادرها حتى الآن.

ثالثا السيناريو الاشتراكي: قال عنه المؤلف أنه يجب على النخبة العربية ذات التوجه الكفاحي أن تركز نشاطها على خلق الشروط الممكنة لقيام هذا الخيار عملا في المستقبل، أي بعد 10 -15 سنة وهي على كل حال تمثل الحد الزمني الأدنى لتحقيق هذا السيناريو.

رابعا سيناريو الدولة الإسلامية:

يعتقد الدكتور عبد الشفيع أنه من الصعب تحقيق هذا السيناريو حتى عام 2020 لتقوقع الحركة السياسية الإسلامية بعيدا عن الاشتراكية وعن العروبة، أي أن الاختيار الإسلامي قائم، ولكنه أشد الاختيارات غموضا..

ولذلك يستند كثير من القول فيه للحدس.

الكتاب تناول في النهاية بالبحث والتحليل قضايا اعتبرها غائبة في التفكير التكنولوجي العربي الراهن، وقدم تقييمه ورؤيته للتخطيط الاستراتيجي للعلم والتكنولوجيا في التجربة العربية عموما، والمصرية خصوصا.

أحمد فؤاد أنور

الكتاب: مسارات المستقبل العربي

والمصري

الناشر: مركز الحضارة العربية

القاهرة 2005

الصفحات: 150 صفحة من القطع المتوسط