مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور محمد السيد سعيد الكاتب السياسي والمحلل الاستراتيجي المصري، ونائب مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام. والمؤلف شارك بنشاط في الحركة السياسية والثقافية عبر الكتابة والممارسة منذ كان طالبا بالجامعة في أوائل السبعينات كواحد من أبناء ذلك الجيل الذي تفتح وعيه على كارثة يونيو 1967م.
ثم عاش متفاعلاً بمحطات سياسية تالية مرت على مصر. يتحدث المؤلف عن بغداد بلغة وجدانية صافية قائلا: «بغداد في القلب لأنها في التاريخ والحياة مدينة الموسيقى والرياضيات والتصوف والفلسفة والعمارة والأسطورة والحكايات المجدولة بأقدار الإنسان. ولذلك لم يقصفها بالموت والخراب في تاريخها المديد غير المجرمين البطالين والباطشين الأغبياء».
الكتاب رؤية للمحنة العراقية بوجوهها المتعددة ومن زواياها المختلفة عاشها الكاتب وعاصرها في الولايات المتحدة من خلال تتبعه (للمسألة العراقية)، يحلل ويستنتج ويقترح.. عبر مجموعة من المقالات والدراسات المنتخبة في لحظات زمنية متواترة، منذ طرح مشروع غزو العراق بجدية على الرأي العام الأميركي وحتى احتلال البلد العربي الكبير، كبداية لعودة النظام الاستعماري ـ كأسوأ ما تكون العودة ـ وبأشد الطرق والوسائل بأساً ورعونة وعنفاً غير قابل للفهم ـ أحياناً ـ حتى من الناحية العسكرية،
من أجل تأسيس وتنفيذ المشروع الإمبراطوري لليمين المسيحي/ الصهيوني في الولايات المتحدة، والذي يرى أن الخطوة الحاسمة في بناء الإمبراطورية هي إخضاع الشرق الأوسط، ويقول المؤلف: إن الموقف الاستعماري الذي نشأ في العراق ينتمي في طبيعته إلى العصور الوسطى ـ على كل الأصعدة ـ بأكثر مما ينتمي إلى نمط وتراث الاستعمار الحديث، لقد حطم دولاب الدولة القديم كلية.
وبدأ بتسريح الجيش وقوات الشرطة دون سبب مفهوم، بعد أن قصف ودك الوزارات والإدارات والبنى التحتية معتقدا ـ بكل ما أوتي من غطرسة وجهل واستكبار - أن بإمكانه، بعد ذلك، بناء دولة جديدة من فراغ.
لا يصدق الكاتب كل ما يحدث للعراق.. فدولة بكل هذا العمق في التاريخ لابد وأن الكآبة تحط علينا حين نشهد ما يحدث لها.. ويقول: «المعركة التي تعيشها بغداد هي أيضا معركة كل قلب.. كل من يؤمن بالتسامح والسلام والثقافة والمدنية والقانون».
ويضيف: إنها لحظات مفجعة في تاريخ أمتنا، فالعراق.. رائحة القدم ومهابة التاريخ، صاحب الحضارة الضاربة في عمق الزمن والتي علمت الإنسان الزراعة والدين وتشييد المدن، بنت الأبراج لتصطاد النجوم وعلقت الحدائق في السماء، أهدتنا قيثارة وقلائد وثورا مجنحاً وسفينة للنجاة.. ووهبتنا الملحمة. عراق مثل هذا يتعرض لكل هذا الاجتياح الهمجي لتحقيق «منفعة» آنية للغزاة في لحظة هي مؤقتة وعابرة في مسار التاريخ الدوار.
ويبدي المؤلف دهشته من أن عراق مثل هذا يحكمه لثلاثة عقود رجل مثل «صدام حسين» ليؤسس حكماً هو الأكثر توحشاً وجبروتاً في بلادنا المنكوبة، محققاً مستوى خارقاً من البطش الداخلي مع نزوع مستمر ومنذ عام 1980 (للحرب الدائمة) والتي لا تقرها أبسط صور العقلانية وحسن الجوار، وبعد إخضاع العراق لأسوأ نظام للحصار والعقوبات شهده تاريخ العلاقات الدولية بدعم من المنظمة العالمية تكون «دولة صدام» عاجزة وغير مؤهلة للدفاع عن الاستقلال الوطني، وتكون البلد جاهزة لاستقبال جحافل الغزاة.
و لا يبرئ الكاتب نظام «صدام حسين» ولا النظام العربي في مجموعة من المسؤولية عن المحنة التي يكابدها العراق بما فيها المسؤولية الجزئية عن الوصول بالأوضاع السياسية إلى تمكين «إدارة بوش» من تنفيذ جريمة الغزو والاحتلال والمدبرة سلفا إنه - أي الكاتب - لا يبرئ كل من احتكروا لأنفسهم زوراً الحديث باسم الأوطان، أولئك الذين دفعوا بلادنا واحدة بعد الأخرى إلى الهاوية.
يواصل المؤلف رحلته في الكتاب بأسلوبه المعهود والذي يمزج بين الأدبي والسياسي قائلا: «بغداد هي مدينة الوعد العربي الذي يشرئب بعنقه الطويل إلى أبناء أذكياء مقبلين، وإلى حكام نبلاء وحالمين، وإلى أوطان للكرامة والدين، وإلى دنيا غسلت عارها وتجهزت للمبدعين والخالدين»، ويأخذ المؤلف الكلمات مدخلاً لما حدث بعد الاحتلال،
ويقول: بسرعة، وبعد فترة وجيزة من سقوط بغداد اشتعلت المقاومة المسلحة ضد الاحتلال وتصاعدت دفاعا عن الوطن كحق مشروع لا ينكره إلا المحتل. ويشدد المؤلف على التمييز بين مقاومة تروم الحرية للشعب العراقي وتوجه نيرانها صوب الغزاة، ومن يقومون بالعنف ضد هذا الشعب ومنهم أولئك الذين يستهدفون المواطنين العراقيين بمختلف طوائفهم وأعراقهم في المآتم وفي الأفراح وأثناء الاحتفالات الدينية وفي البيوت.
ويقول: هناك فارق كبير بين أعمال هجوم مسلح «حتى ضد جيش محتل» من ناحية، وظاهرة المقاومة من ناحية أخرى، فالمقاومة ظاهرة سياسية ووطنية تقوم على رؤية ثقافية وفكرية وبرنامج سياسي يهدف إلى الاستقلال، لديه تصور عن شكل وطبيعة الدولة المستقلة التي ترنو المقاومة لتأسيسها، وتسعى باستمرار وعلى نحو متراكم لكسب تأييد الشعب الذي تعمل من أجل تحريره والعمل على إشراك قطاعات منه أكثر فأكثر في المقاومة، وكسب التعاطف في محيطها والعالم، أن يكون لديها أخيرا الإحساس بالتوقيت والذي تكتسبه عبر الممارسة وخبرة العمل المقاوم.
ويقطع د. محمد السيد سعيد بالقول: إن قتل العراقيين وتخريب المرافق والمنشآت والاعتداء على دور العبادة وقطع الرؤوس واغتيال وخطف الصحافيين وتفجير ونسف المقرات الدولية والمنظمات الإنسانية. ليست مقاومة..
إنها عمليات قتل احترافية وتخريب، ربما تكون من تدبير مجموعات عربية تنتمي للتنظيمات (الإسلامية) المتطرفة والتي تريد استنزاف الأميركيين حتى ولو على حساب العراق، أو الموالين للنظام البعثي الذين يريدون استعادة دورهم وامتيازاتهم السياسية والاقتصادية على حساب الدم العراقي بجميع أطيافه، وربما تكون من تدبير عملاء المخابرات الأميركية والإسرائيلية الذين يستهدفون قطع الطريق على عملية بناء عراق موحد وتعطيل استقلاله. المقاومة للنضال ضد الاحتلال، فحروب التحرير ليست مناقشة بالنار.
ويستكمل المؤلف قراءته لمشهد بالبحث عن المستقبل قائلاً: تعتقد دول مجلس الأمن المعارضة للإنفراد الأميركي بالعراق أن الإدارة الأميركية ستضطر في النهاية إلى ترك الأمر بيد الأمم المتحدة وخاصة إذا فشلت في القضاء على المقاومة العسكرية وتسكين المشاعر الشعبية المعارضة، فيحسن للأمم المتحدة أن تبقى قريبة من الأحداث وتنتظر، وللأسف الشديد ربما تكون هذه هي أيضا الحسابات العربية.
إن غياب الدور العربي في العراق في الوقت الذي ربما يسعى فيه الأميركيون إلى «فتنمة» الصراع، أي تحويله إلى صراع عراقي ـ عراقي مثلما صنعوا في فيتنام، يؤدي إلى انعدام فرصة التأثير على مستقبل العراق، فينبغي على العرب أن يلعبوا دورا فاعلا لقطع الطريق على الاستقطاب الطائفي وعوامل الانقسام التي من الممكن أن تؤدي إلى احتمال حدوث حرب أهلية ممتدة والى تقسيم العراق في نهاية المطاف.
ويضيف: إن السياسة الصحيحة هي التعامل المباشر مع العراق والعراقيين بالرغم من وجود الاحتلال، وكيف يمكن للنظام العربي أو لمجموعة من الدول العربية ذات التأثير أن يكون لها دور في بناء العراق الجديد من خلال التواجد في المعادلة الأمنية والسياسية دون أن يصب ذلك في مصلحة الولايات المتحدة، فالعرب لن يفعلوا أكثر من الانتظار والتمني إن لم يكن لهم رصيد قوة على الأرض.
إن كل من يهمه العراق وعروبة العراق يجب أن يدرك أن المساهمة في حل المشكلة الاجتماعية المتفجرة في العراق هي الفرصة الأخيرة لخطب ود الشعب العراقي ـ الذي تخلينا عنه ـ والاحتفاظ به في النسق العربي، علينا أن نضع استراتيجية عربية للمساهمة في تخفيف حدة هذه المشكلة (الفقر والتصدع الاجتماعي..) والتي هي من النتائج المباشرة للحرب والغزو والاحتلال، ولدينا فرصة للنجاح في هذا القطاع فهو لا يكاد يثير خلافات سياسية فيما بين الدول العربية.
إن خطة للإغاثة تتضافر فيها جهود الحكومات والمنظمات الأهلية والنقابية ربما خرجنا منها بتجربة ناجحة نؤسس من خلالها (مؤسسة للإغاثة العربية) لتكون قابلة للتطوير، ربما تصبح ـ بعد ذلك ـ ركيزة صلبة كمدخل للوحدة القومية على المدى الطويل. هذه فرصة نادرة وفريدة، وتكاد تكون الوحيدة، القابلة للتطبيق الناجح لمساعدة العراق، والسودان والصومال، ودول عربية أخرى.
رؤوف سالم
الكتاب: الاحتلال الأميركي للعراق
الناشر: دار ميريت ـ القاهرة 2005
الصفحات: 331 صفحة من القطع المتوسط