في مقدمة الكتاب يخلص مؤلفه الكاتب الصحافي بصحيفة الاهرام د. مصطفى عبد الغني إلى أن كتابه «محاولة لإعادة اعتبار لثورة يوليو ومشروع عبد الناصر الذي ما زال صالحاً لاستعادته عبر شروط الحاضر لتجسيد (الفعل) الذي يجب أن ينتقل بنا إلى المستقبل» ومن أجل أن يقدم ذلك قسم كتابه إلى قسمين، الأول: شمل دراسات عن قضايا عبد الناصر وقضية الولاء، وعبد الناصر وقضية التعذيب، وإشكالية الديمقراطية.
ويتحدث المؤلف في أول قضايا كتابه عن المثقف قائلاً: كان المثقف عند عبد الناصر هو من يكدح ذهنياً ويعطي للمجتمع نتاج عقله وفكره سواء أكان مهندساً في الصحراء أو عالم ذرة أو عاملاً نقابياً أو كاتباً أو طبيباً أو باحثاً أو فناناً أو أستاذاً أو طالباً، إن هذه العناصر الكثيرة رغم الرابطة الوحيدة التي يمثلها وصف المثقف لا تمثل مظلة واحدة لأن المثقفين ضمن تحالف قوى الشعب العاملة ليسوا طبقة وإنما هم على وجه الدقة قوة.
وفي هذا الإطار، المثقفون هم القوة التابعة، فالمثقف عند عبد الناصر هو غير المتعلم وإنما هو الأكثر وعياً وفاعلية بجانب الدولة وهو (المثقف الاجتماعي) و(المثقف الثوري) و(المثقف الملتزم) و(المثقف الطليعة) و(المثقف المحلل)، معنى هذا كله أن عبد الناصر انطلق في موقف من المثقفين من ملاحظات عدة:
1ـ إن المثقفين يمثلون قوة ضمن التنظيم الشعبي (الوطني) وليس خارجاً عنه أو متخذا منه موقف المعارضة.
2ـ إن المثقف هو الذي يدرك الوعي الاجتماعي وليس عبر (تنظيم) اجتماعي معاد.
3ـ إن المثقفين هم أقرب إلى الوعي العربي منه الى الوعي الشعبي الضيق.
4ـ إن المثقف لا ينتمي بالولاء لفرد وإنما خلال أطر الدولة وتنظيماتها.
5ـ إن المثقف لا يقود الجماهير ضد القيادة وإنما هو (المثقف الثوري) أي الوسيط بين القيادة الحاكمة والجماهير.
وهنا كانت قضية الولاء السياسي للنظام الثوري قضية مهمة جداً بالنسبة للثورة وبالذات في ظل وجود مثقفين من عصر ما قبل الثورة وكذلك وجود نخب عسكرية حاكمة وعواصف البيئة الدولية والاقليمية والقومية الحاضنة للثورة، كما أن الولاء أسهل مع الأفراد وصعب جدا مع التنظيمات أو المنظمات سواء أكانت سرية أو من قبل الثورة ومن هنا فكان الصدام لا محالة عنه بين الثورة وتنظيمات الشيوعية والاخوان والوفديين.. الخ.
وعن قضية التعذيب في عهد عبدالناصر ومدى مسؤوليته عنه يقول المؤلف: هناك رأيان في هذه القضية كل رأي يمثله ويدافع عن طرف من طرفين، الأول يرى أن عبدالناصر كان يعلم بالتعذيب الذي حدث لبعض السجناء من السياسيين ويمثل هذا الرأي بعض من الشيوعيين وكذلك الإخوان المسلمون،
أما الطرف الآخر الذي يمثله رجال الثورة ومريدوها وأبناؤها فلا يرون ولا يقرون بأن عبدالناصر علم بالتعذيب ـ رغم وقوع بعض الحالات إلا أن عبدالناصر عاقب المسؤول عنها. وعلينا أن نقر إدانة ظاهرة التعذيب حتى لو وقعت لسياسي واحد أو لمواطن واحد وهذا في صالح بناء الدولة العصرية وكشف عيوب الدولة الاستبدادية.
وعن إشكالية الديمقراطية وثورة يوليو يقول: الديمقراطية قيمة من بين أهم القيم التي تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية في وقت واحد. وتمثل مفهوما عالميا، وعبوراً فوق مفاهيم عديدة للديمقراطية، والتعبير عنها عندئذ يتحدد في البنية السياسية ثم البنية الاجتماعية والثقافية، ويتطور المفهوم الحديث أكثر خاصة في العالم الثالث حيث يرتبط بحق تقرير المصير بعد معارك الاستقلال وفي خصوصية التجربة الناصرية يقول المؤلف انه كانت لها مع الديمقراطية في ظروف الخمسينات والستينات في مصر، سمة خاصة من القرن الماضي،
حيث التبست التجربة بالعديد من الظروف المحيطة بها سواء في بطء حركة المجتمع في اللحاق بالعالم ومن ثم افتقاد شروط المجتمع المدني أو مواجهة الاستعمار الذي كان لا يزال جاثما على صدر البلاد، هذا بالإضافة إلى تمتع النظام الناصري بتأييد شعبي كاسح لم تستطع قيادة الثورة أن تصبه في كيان سياسي منظم.
وعلى هذا النحو كما يقول المؤلف، فإن التجربة الناصرية قد تأثرت بطبيعة البيئة الدولية من مواجهة مع الاستعمار وما كان يمثله من نظم ليبرالية محكومة من قبل الاحتلال في أنحاء كثيرة من بلدان العالم الثالث والذي كان معظمه واقعاً تحت الاحتلال، كما أن العالم كان مقسوماً إلى عالم اشتراكي وحركات تحرر ودول مستقلة حديثة يحكمها الحزب الواحد أو الجبهة المتحدة أو الحزب القائد، وعالم تابع للمعسكر الغربي الذي كان احتلالاً لكثير من دول العالم الثالث (الحرب الباردة).
وقد عبر هذا الصراع في داخل البلدان المستقلة والمتحررة حديثاً عن صراع بين قوى التقليد والأحزاب القديمة سواء أكانت حاملة لأفكار رأسمالية أو دينية أو فاشية وأحزاب، وقوى تبحث عن المستقبل والتقدم، وفي حالة مصر عبرت تلك الأزمة عن نفسها في الواقع الاجتماعي في الصراع بين أهل الثقة وأهل الخبرة.
وعن الثورة والقانون وعبدالناصر والسنهوري يقول المؤلف: فور قيام الثورة تعاون السنهوري معها، وكان السنهوري معروفاً بحدته ورصانته، وهي الصفات التي عرف بها حين كان وزيراً مسؤولاً في عدة وزارات (وزير المعارف العمومية 45 ـ 1946 وزارة النقراشي) والثانية (1946 ـ 1948) ثم وزيراً للأوقاف في وزارة إبراهيم عبدالهادي 1948 ـ 1949 ورئيساً لمجلس الدولة من أوائل عام 1949،
وهو الذي أطلق على حركة يوليو اسم الحركة المباركة، وهو الذي اشترك في صياغة وثيقة تنازل الملك عن العرش، وهو الذي أسهم بشكل فاعل في تشكيل مجلس الوصاية على العرش. ورغم ما كان يبدو من نقاط اتفاق بين السنهوري ورموز النظام الجديد، فقد بدا مؤكداً نقاط الافتراق، وقد ظهرت دواعي الافتراق منذ فترة مبكرة، وهذا من الطبيعي، فالعداء قائم بين القانون المكرس للواقع والثورة الحالمة والعاملة من أجل المستقبل.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تأميم قناة السويس متسائلاً: هل أخطأ عبدالناصر في تأميم قناة السويس؟
ويجيب إن مراجعة قصة حفر القناة والتضحيات التي عاناها المصريون في سبيلها ترينا أنها كانت في المقام الأول مصرية، والتفكير في حفرها في المرة الأولى، حيث إن التاريخ يؤكد أنها حفرت مرات عديدة في عصر سيتي الأول 1310 ونخاو عام 610 ق.م ودارا الأول عام 510 ق.م إلى غير ذلك مما يشير إلى أن ديلسبس 30 نوفمبر 1854 لم يكن الأول،
لذا كان طبيعياً أن تعود القناة إلى أصحابها المصريين، وكان طبيعياً أن يغضب الغرب الانجليزي والفرنسي ـ على وجه الخصوص ـ ولم ينس أعداء الثورة في الداخل أن يروجوا حتى يشوهوا إنجاز الثورة التاريخي بتأميم قناة السويس، وكان عمود خطة الترويج تلك بأن الثورة كان لابد لها من انتظار نهاية عقد الامتياز في نهاية الستينات بدلاً من دخول حرب بسبب قرار متهور ومتسرع!
ويرد المؤلف على ذلك بقوله: إن دراسة (الحالة) بالنسبة لقناة السويس ودراسة الاستراتيجية الغربية في مواجهة الإرادات الوطنية ترينا أن الانجليز والفرنسيين ما كانوا يتركون قناة السويس بأية صورة سواء عام 1968، أو بعد ذلك ودراسة التاريخ ترينا ـ خلال الوثائق والمبادرات الاستعمارية أن الغرب لم يكن ليترك قناة السويس بأية حال، ولنا في الاتفاقات المعقودة والتي ما زالت جارية حتى الآن على جبل طارق بين الانجليز واسبانيا.
ومن يعود إلى الوثائق البريطانية في هذه الفترة، يستطيع أن يتأكد أن الانجليز لم يكونوا مستعدين لترك قناة السويس بأية حال خاصة بعد انتهاء الامتياز الذي حصلت عليه، إذ يكثر في هذه الوثائق التعبير عن ضرورة التدويل للقناة بعد الفترة المسموح بها سياسياً، كما يتردد الكثير من التصريحات السرية عبر المراسلات الخاصة بأنه يمكن فصل (قناة السويس) عن مصر نهائياً. ويرفق الكاتب وثائق بريطانية تقع في النصف الأول من عقد الخمسينات من القرن العشرين تؤكد هذه الإشارات وتلك الملاحظات منها: خطة برملي لتدويل قناة السويس 1951ـ 1952.
ويطرح المؤلف عنواناً مثيراً هو: عبدالناصر السياسي/المثقف متسائلاً هل السياسي يجب أن يكون مثقفاً؟ هل كان عبدالناصر مثققاً؟ وهذه قضية لا تحتاج إلى برهان كما يقول الكاتب، فعبدالناصر كان مثقفاً واسع الثقافة ويكفي للتدليل على ما قاله خالد محيي الدين عن الكتب التي كان يطلبها منه عبدالناصر لكي يأتي بها من سفرياته المختلفة،
ويكفي أن نشير إلى الكتب المترجمة خصيصاً لعبدالناصر وهي موجودة بدار الوثائق وقائمة الكتب الموجودة باستعارته في الكلية الحربية والأكثر من هذا لفتاً للنظر أوراقه الخاصة وأحلامه التي حرص على تدوين أغلبها ونشر بعضها في الأهرام ومحاوراته في محادثات الوحدة الثلاثية ومحاوراته في طليعة الاشتراكيين ومنظمة الشباب مع المثقفين ويستخلص المؤلف من ذلك ان عبدالناصر كان مثقفاً كبيراً بقدر ما كان سياسياً كبيراً.
أمين اسكندر
الكتاب: مذكرات ووثائق سريّة لثورة يوليو
الناشر: أطلس للنشر ـ القاهرة 2005
الصفحات: 350 صفحة من القطع الكبير