مقابلة أجراها موقع بورز دي ريدر الإلكتروني المتخصص في الشؤون الثقافية مع فيليب كابوتو، ألقى فيها الضوء على روايته الجديدة «أفعال إيمانية».

ـ قبل ثلاثين عاماً خرجت في رحلة عبر صحاري السودان كانت الملهمة لروايتك «القرن الأفريقي». كم من الوقت أمضيت في أفريقيا منذ ذلك الوقت وما الذي جعلك تعود لأفريقيا في روايتك الجديدة «أفعال إيمانية»؟

ـ أمضيت أشهراً عدة على فترات متقطعة. 25 عاماً فصلت بين زيارتي الأولى للسودان وأريتريا وزيارتي اللاحقة لأفريقيا جنوب الصحراء عام 2000، حين زرت كينيا في مهمة لصالح مجلة «ناشيونال جيو غرافيك» بعدها بعام عدت إلى كينيا لصالح المجلة نفسها من أجل تغطية نقل المساعدات الإنسانية لجنوب السودان. وأثناء تلك الزيارة ذهبت إلى الصومال مع الطائرات التي كانت تنقل المعونات والقات إلى ذلك البلد في مزيج عجيب بين العملين.

مادة تسبب الإدمان في الصباح ثم طعام وماء وملابس في العصر. قبل أن أصل إلى بلدة لوكيشوكوي الحدودية الكينية حيث يوجد مقر إدارة الرحلات الجوية التي ترعاها الأمم المتحدة، سمعت شائعات عن أن الطيارين والمنظمات غير الحكومية تهرب السلاح والذخائر للمتمردين السودانيين تحت شعار المساعدات الإنسانية. واستطعت التأكد بنفسي من صدق هذه الشائعات.

أحد ممثلي واحدة من المنظمات الأوروبية غير الحكومية، والذي لن أذكر اسمه، أخبرني كيف كانوا يخفون بنادق كلاشنكوف وقاذفات آر بي جي داخل المساعدات. كما أراني طياران تسجيلات فيديو لطائرتهما وهي تسقط أطناناً من ذخائر مدفعية الهاون والأسلحة الخفيفة.

وكان هؤلاء يقلعون بطائراتهم الفارغة ويقدمون أوراق حمولات مزيفة لمسؤولي الأمم المتحدة في لوكيشوكوي ثم يهبطون بالطائرات في مهابط سرية داخل الحدود السودانية ليحملوها بالسلاح ثم ينطلقوا بها إلى مناطق قواعد المتمردين. قالوا لي إن هذه عمليات سرية ويجب أن أتكتم عليها.

بالطبع لم أكن أستطيع ذلك، فأنا صحافي، وقد قلت لمصادري إني لن أبقيها سراً. وقد ظهرت تلك القصة في عدد ديسمبر 2001 من «ناشيونال جيوغرافيك» وكانت بداية «أفعال إيمانية».

ـ ما هي أشكال البحث والتجارب الشخصية التي قمت بها لتبني الرواية عليها؟

ـ بعض تجاربي الشخصية، كالتي وصفتها سابقاً، وجدت طريقها للرواية وطورتها إلى حد كبير بالاعتماد على مخيلتي. ركبت بطائرات سي 130 للشحن في مهمات اسقاط مساعدات فوق السودان وفي طائرات تعاقدت معها منظمات غير حكومية.

ولأن السودان بلاد شاسعة وحربها الأهلية معقدة، فإن الاعتماد الكامل على التجربة الشخصية المباشرة لكتابة الرواية يتطلب أكثر من اسابيع وشهوراً، بل سنوات أمضيها في البلاد وهذا كان مستحيلاً، ولهذا اعتمدت كثيراً على البحوث وقابلت حوالي 20 انساناً من عمال الإغاثة والطيارين وقادة المتمردين والمدنيين السودانيين ومسؤولي الأمم المتحدة. كما قرأت حوالي ثلاثين كتاباً عن السودان.

ـ تبدو لنا شخصيات الرواية مثل دوغلاس وويزلي وفيتزهوغ وكوينيت وديانا والبقية شخصيات واقعية جداً لدرجة أنها لابد وأن تكون مصنوعة لأناس حقيقيين قابلتهم أثناء أسفارك. بدون تسمية أسماء حقيقية بالطبع، هل كان هناك أناس حقيقيون هم من ألهموك أيا من هذه الشخصيات؟

ـ إلى حد ما وبنسبة اقولها اعتباطاً أستطيع القول ان 20 في المئة من دوغلاس وكوينيت وديانا هي شخصيات متخيلة و10 في المئة واقعية. اما ويزي وفيتزهوغ فالنسبة هي 50 إلى 50. ربما كوينيت كانت نتاج خيالي بالكامل.

في تصوري الأول للرواية اردتها ان تقع في حب دوغلاس، المتزوج، لكن بعد ان قطعت أكثر من النصف في كتابة الرواية، أخبرني أحدهم قصة إيما ماكوين البرجوازية الانجليزية المتزوجة من رياك مشار الذي كان الرجل الثاني في قيادة قوات المتمردين.

وهنا خطر ببالي أن كوينيت الأميركية غير الارستقراطية ربما تكون أقرب للوقوع في غرام سوداني بدلاً من دوغلاس وأن هذا التحول قد يجعل القصة أكثر إقناعاً. وهكذا حولت حبها من دوغلاس إلى الكولونيل غورياند.

ـ حجم البؤس الذي سببته الحرب والمجاعة للسودان كان ضخماً بشكل لا يصدق ولا يمكن للغربيين استيعابه. هل كان من الصعب عليك أن تقفل صورة السياسات والتاريخ المعقدين في المنطقة لقرائك؟

ـ كلمة صعب قليلة. كان للأمر أن يكون أسهل لو أن العمل لم يكن روائياً، غير أن نقل وشرح التاريخ والسياسة الشائكين في السودان كان أمراً صعباً ولا أستطيع الاستغناء عنه لأنه محور الحدث في الرواية. كان الأمر يتطلب التوضيح مع تجنب التبسيط إلى جانب الوفاء بمتطلبات الجانب الفني، لم أرغب في أن يظهر الجانب البحثي في العمل، رغبت، بقدر المستطاع، أن أتجنب الفقرات التقريرية في السرد. المعلومة كان من الواجب حياكتها مع الحبكة الروائية، كان علي أن أعيد كتابة بعض الصفحات والمقاطع عشرات المرات وأكثر قبل أن أرضى عنها.

ـ هناك مآس كثيرة ضخمة في افريقيا ومع ذلك تبدو وكأنها لم تلفت انتباه الولايات المتحدة. ما السبب في رأيك؟

ـ الجواب التقليدي هو «العنصرية»، غير أني لا أعتقد ذلك. فإذا كانت العنصرية هي السبب الذي توحون إليه، فيجب حينئذ أن أسأل: لماذا كان ذلك العدد الكبير من الساسة والكتاب والناشطين من الأميركيين السود يتجاهلون مصائب القارة الإفريقية مثلما كان يفعل البيض؟ بالنسبة لي هناك تفسيران اثنان لهذا الأمر: الواقعية السياسية، فإفريقيا لم تكن، أو على الأقل لم ينظر إليها على أنها تمثل مصلحة مركزية للولايات المتحدة،

أما السبب الثاني فهو عاطفي بقدر ما. فمصائب افريقيا من صراعات عرقية وفساد مستشر وإيدز وزعامات متوحشة تبدو للناظر إليها على أنها مستعصية على الحل وأنها لن تولّد سوى اليأس في نفوس من يحاولون التعامل معها، ولهذا السبب، تجدني أقدر عالياً السيناتور الأميركي السابق وسفير الأمم المتحدة الحالي جون دانفورث الذي أمضى قدراً كبيراً من وقته وهو يعمل من أجل التوسط في اتفاق سلام في السودان وهو الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه مؤخراً. لقد استطاع فعل ما هو أقرب للمستحيل.

ـ فكرة المنفى، الاغتراب والبلاد الغريبة، تكررت على مدى الرواية. شخصيات «أفعال إيمانية» ينجذبون إلى افريقيا لأسباب عديدة ـ الجشع، الانتهازية، المغامرة، المثالية. ماذا عن الذين يخرجون من بلادهم إلى بلاد غريبة ويجدون أنفسهم حبيسي تلك البلاد على الرغم عنهم؟ هذه الفكرة تجذبك جداً ككاتب؟

ـ مثلما اعتدنا على القول في فيتنام، «في هذه البلاد تستطيع أن تتعرف على حقيقة نفسك». معظم الناس يقضون جل حياتهم فيما يمكن تسميته «المنطقة المريحة لهم. في هذه «المنطقة» يرسمون لأنفسهم شخصيات يعتقدون أنها شخصياتهم الحقيقية التي تعكس أعمق قناعاتهم وأنماط سلوكهم وتعبر عن أخلاقياتهم. لكن نادراً ما توضع هذه الشخصيات المزعومة تحت الاختبار. يمكنني أن أقارنهم بالسفينة التي تبحر دوماً في جو صاف.

وقناعتي هي أن الناس لا يبدأون باكتشاف صدق الصورة التي رسموها عن أنفسهم إلا حين يخرجوا من المناطق المريحة، طوعاً أو كرهاً، ويوضعوا في بيئات وحالات لم يعتادوها، وتجربتي الشخصية تؤكد لي، للأسف، أن هذه الشخصيات الحقيقية التي تكتشف خارج المناطق المريحة لا تكون باحثة عن السعادة بل تنم عن الكثير من العيوب والضعف، فجأة تكتشف أنك لست شجاعاً ولست كريماً ولست ذكياً مثلما سبق واعتقدت. وأحياناً تكتشف في نفسك مصادر قوة لم تعتدها من قبل ككاتب، أنا دارس للنفس البشرية، ولهذا فإن آلية اكتشاف الذات هذه تجذبني جداً.

ـ هل من الممكن أن تقوم بالفعل الطيب في مكان يبدو لك بالفعل أنه بعيد عن البعد الأخلاقي؟

ـ افترض أن السؤال «بعيد عن البعد الأخلاقي» يعني حالات تغيب فيها المرجعيات ولا تعود الحدود بين الخطأ والصواب واضحة. نعم، من الممكن جداً فعل العمل الطيب في هذه الأماكن وهذه الظروف،

لكن الأمر لن يكون سهلاً. فالإنسان الذي يقوم بالعمل الطيب أو يحاول ذلك لابد وأن يتمتع بشخصية متوازنة تحميه من الانفعالات التي قد تقوده إلى العمل السيء باسم العمل الطيب. هذا ما يحدث لبعض الشخصيات الرئيسية في الرواية، «أفعال إيمانية». فهم يتحيزون ويتحزبون وينتهي بهم الأمر وهم يفاقمون الخراب والمعاناة اللذين أتوا أصلاً لعلاجهما.

* فيليب كابوتو في سطور

ـ ولد الكاتب والصحافي الأميركي فيليب كابوتو في عام 1941.

ـ خدم في قوات المارينز الأميركية في فيتنام عام 1965، وعاد إلى الولايات المتحدة في 1966.

ـ عمل في الصحافة بعد عودته من فيتنام وبالذات مع صحيفة شيكاغو تربيون.

ـ عاد إلى فيتنام كمراسل صحافي يعمل لصالح شيكاغو تربيون وغطى سقوط سايغون في 1975.

ـ عمل في إيطاليا والاتحاد السوفييتي والشرق الأوسط.

ـ احتجز كرهينة في بيروت عام 1973 وجرح هناك أيضاً.

ـ فاز مع زملاء آخرين بجائزة بوليتزر لكشفه تزوير الانتخابات في شيكاغو في عام 1972.

ـ له أكثر من 12 مؤلفاً معظمها يتحدث عن تجربته كمراسل صحافي في مناطق الحروب الخطرة.