مؤلف هذا الكتاب هو دنيس روس المبعوث الخاص إلى الشرق الأوسط من الإدارة الأميركية في عهد جورج بوش الأب وبيل كلينتون، كما أنه رئيس وفد المفاوضات عن الجانب الأميركي في عملية السلام هذه. ولكن بعد زوال عهد كلينتون ومجيء بوش الابن إلى السلطة فقد دنيس روس مناصبه الرسمية وأصبح الآن مستشاراً رفيع المستوى في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، وهو الآن يعيش في بيتيسدا في ولاية ماريلاند.
وفي هذا الكتاب الضخم يروي المؤلف قصة مباحثات السلام الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط من البداية إلى النهاية. والواقع أنه رافقها كلها، وبالتالي هو أعلم الناس بما دار فيها أو في كواليسها. يتألف الكتاب من مقدمة وخاتمة وستة وعشرين فصلاً.
في الفصل الأول يطرح دنيس روس السؤال التالي: لماذا يرى الإسرائيليون والعرب والفلسطينيون العالم كما يرونه؟ بمعنى آخر: لماذا تشكل تصورهم للعالم على هذا النحو؟ وما هي العوامل التي ساهمت في تشكيل صورة متضادة للعالم الخارجي لدى كلا الطرفين؟
أما الفصل الثاني فيحمل العنوان التالي «الطريق إلى مدريد»، وهو هنا يتحدث عن التحضيرات لمؤتمر مدريد للسلام بعد نهاية حرب الخليج وتحرير الكويت.
وفي الفصل الثالث يتحدث المؤلف عن شخصية اسحاق رابين وآرائه، وكذلك عن فترة الانتقال الرئاسي في عهد بوش الأب إلى عهد كلينتون. كما يتحدث عن الوضع السوري وعملية أوسلو التي كانت تعتبر بمثابة التفاف على مدريد. ففي وقت انعقاد مؤتمر مدريد للسلام بين العرب والإسرائيليين كان الفلسطينيون يجرون مباحثات سلام سرية مع هؤلاء الإسرائيليين بالذات.
أما الفصل الرابع من الكتاب فمكرس لدراسة الأحداث التي حصلت بعد أوسلو والتي أدت إلى تشكيل السلطة الفلسطينية وعودة عرفات ورفاقه من المنفى التونسي إلى أرض الوطن.
أما الفصل الخامس فمكرس لدراسة المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية وما حصل فيها من أحداث وما طرأ عليها من تطورات وكيف توقفت في نهاية المطاف، ولماذا.
أما في الفصل السادس فيتحدث دنيس روس عن الملك حسين، ويقول بأنه أكمل وصية جده الملك عبدالله عندما وقّع اتفاقية السلام مع دولة إسرائيل في وادي عربة. أما الفصل السابع من الكتاب فيتحدث عن اتفاقية المرحلة الانتقالية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
ثم ينتقل دنيس روس في الفصل الثامن إلى التحدث عن اغتيال اسحاق رابين، ويطرح هذا السؤال: هل ستفتح هذه المأساة فرصة لتحقيق السلام بين الطرفين؟ بمعنى آخر: رب ضارة نافعة، وربما كان سقوط رابين مضرجاً بدمائه دافعاً إلى إنجاز عملية السلام.
أما الفصل التاسع من الكتاب فيطرح هذا السؤال: هل كان الأسد مستعداً للسلام يا ترى؟ أم انه كان يناور؟
وبعد فصول عدة، يصل المؤلف إلى النقطة المركزية في كتابه: ألا وهي قمة كامب ديفيد بين كلينتون وباراك وعرفات. وهي القمة التي حصلت في الأيام الأخيرة من عهد بيل كلينتون في البيت الأبيض وانتهت بالفشل الذريع، كما هو معروف، وأدى فشلها بشكل مباشر إلى اندلاع انتفاضة الأقصى وهزيمة باراك في الانتخابات ووصول شارون إلى السلطة، وبقية القصة معروفة. وبالتالي فالنتيجة السلبية لقمة كامب ديفيد كانت كارثية بكل ما للكلمة من معنى.
في الواقع أن المؤلف يروي قصة عملية السلام بدءاً من مؤتمر مدريد، بل وحتى قبله عام 1988 وانتهاء بالفشل والسقوط عام 2001. انه يرويها بكل تفاصيلها وأحداثها وشخصياتها وما جرى فيها. وبالتالي فهو يشكل قطعة من التاريخ الحي للعالم العربي والإسرائيلي والأميركي والأوروبي.
ومنذ البداية يروي لنا قصة النهاية، فهو يتحدث عن كيفية دخوله يوم 2 يناير 2001 على الرئيس بيل كلينتون لكي يخبره بتفاصيل المباحثات مع الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي وماذا ينبغي أن يقوله لرئيس السلطة الفلسطينية الذي سيدخل عليه بعد قليل.
والواقع أن باراك كان قد وافق على مقترحات بيل كلينتون ولم يبق إلا انتظار رد ياسر عرفات، فإذا وافق تمت عملية السلام ونجحت، وإذا رفض فشلت العملية برمتها وعدنا إلى نقطة الصفر. هذه اللحظات الحرجة من التاريخ هي التي يرويها لنا دنيس روس بشكل ممتع ومشوق وشبه بوليسي.
يقول بما معناه: عندما دخلت على الرئيس كلينتون في ذلك اليوم كان ياسر عرفات منتظراً خلال ثلاثين دقيقة لكي يقابل الرئيس لآخر مرة. فقد اقتربت ساعة الحسم، أو ساعة الحقيقة، ولم يعد هناك من مجال للتردد. فإما أن يقبل عرفات بالحل الذي يقترحه رئيس الولايات المتحدة، وإما أن يرفضه.
وكان الحل يقضي بإعادة قطاع غزة إلى الفلسطينيين مع كامل الضفة الغربية تقريباً مع عاصمة للدولة الفلسطينية المقبلة في القدس الشرقية. إنه أكرم وأفضل عرض يمكن أن يقدمه رئيس أميركا ورئيس وزراء إسرائيل لقائد فلسطيني. فهل سيرفضه عرفات يا ترى أم سيقبله؟ بالطبع فإن عودة الفلسطينيين من الخارج إلى دولة فلسطين كان مسموحاً به، ولكن ليس عودتهم إلى إسرائيل.
وكانت خطة كلينتون هي خلاصة مباحثات طويلة ومعقدة بين الطرفين، وهي مباحثات استغرقت آلاف الساعات وأنهكت رئيس الولايات المتحدة ومساعديه.
ثم يردف دنيس روس قائلاً: وفي أثناء هذه المباحثات وعندما اقتربنا من المواضيع الصعبة، اتصل عرفات بكبار القادة في العالم العربي كالرئيس المصري حسني مبارك، وولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز وملك الأردن عبدالله بن الحسين، وملك المغرب محمد السادس والرئيس التونسي زين العابدين بن علي.
ويبدو أن عرفات تهيّب اتخاذ القرارات المصيرية، فشعر بالحاجة إلى استشارة هؤلاء الزعماء العرب لكي يشدوا من أزره ويساعدوه على حسم القرار. ولكن على الرغم من تأييدهم ودعمهم له، فإنه لم يتجرأ على اتخاذ القرار الصعب، كما يقول دنيس روس.
ثم يردف المؤلف قائلاً: قبل دخول عرفات على كلينتون ببضع دقائق قلت للرئيس ما يلي: إذا حاول عرفات أن يكسب المزيد من الوقت، وإذا حاول التسويف أكثر كعادته، فلا تسمح له بذلك هذه المرة، قل له ما يلي: هذا آخر عرض يمكن أن نعرضه عليك، فإما أن تقبل به وإما أن ترفضه، وإذا ما رفضته فسوف تخسر كل شيء، لأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، ولأن هذا العرض الكريم والسخي لن يمر عليك إلا مرة واحدة، فاحزم أمرك واتخذ قرارك.
ثم قلت للرئيس: المهم أن يسمع عرفات هذا الكلام منك شخصياً يا فخامة الرئيس وليس من مساعديك أو حتى وزرائك، لكي يعرف مدى خطورة الوضع ولكي يحسم أمره أخيراً ويخرج من حالة الغموض والازدواجية التي برع فيها.
وقلت له: لقد اقتربت ساعة الحقيقة، وسوف نعرف الآن فيما إذا كان عرفات مستعداً لإنهاء الصراع أم لإطالة أمده إلى ما لا نهاية.
وقد طلب الرئيس كلينتون من الرئيس عرفات أن يقتصر اللقاء الحاسم والأخير على وفد مصغّر مشكّل منه ومن عدد كبير من المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات من جهة، ثم كاتب المحضر نبيل أبو ردينة. وأما الجهة الأخرى فيحضر بالإضافة إلى كلينتون دنيس روس وروبرت مالي كاتب المحضر من الجهة الأميركية.
وقد لاحظنا أن عرفات يستخدم أسلوب المديح الزائد عن الحد تجاه كلينتون. فكثيراً ما يقول مثلاً: لنا ثقة عمياء بكم يا فخامة الرئيس! أو: لن ننسى مساعدتكم لشعبي في هذه الظروف، أو: إن عملكم سيشكل دفعة هائلة لعملية السلام... الخ.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن عندما اقتربت ساعة الحقيقة ابتدأ رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية يناور على عادته، وهو أسلوب يبرع فيه. فقد قال للرئيس بأنه يقبل أفكاره ولكن مع بعض التحفظات! وهذه التحفظات كانت هي الأهم في الواقع، وهي التي تلغي قبول الأفكار.
ثم طلب إطالة أمد المفاوضات مع الإسرائيليين. وعندئذ قلت له: باراك وافق على مقترحات كلينتون مع أن لديه تحفظات عليها. ولكنه وضع هذه التحفظات في جيبه ووافق. ونحن لا نستطيع أن نطيل أمد المباحثات إلى ما لا نهاية. ثم طلبت من الرئيس كلينتون أن أتحدث معه فوراً على حدة. فخرج معي إلى الحديقة، حيث قلت له: ينبغي أن تحضره في الزاوية وتطرح عليه السؤال التالي: هل أنت مع مقترحاتي أم ضدها؟ أجبني بنعم أو لا ومن دون مرواغة. وقلت للرئيس: يفضل أن تطلب مقابلته من دون حضور أي شخص آخر بمن فيهم عريقات وأنا لكي تخلع على اللقاء هيبة أكبر.
فوافق كلينتون وخرجت من الاجتماع مع صائب عريقات ولم يبق في المكتب البيضاوي إلا عرفات وكلينتون وكاتب المحضر الأميركي، وكذلك كاتب المحضر الفلسطيني.
وفي اللقاء الثنائي بين عرفات وكلينتون تهرب رئيس السلطة الفلسطينية مرة أخرى من الجواب. وقال: عندي تحفظات وعند الإسرائيليين تحفظات، فدعونا نواصل المفاوضات تحت إشرافكم يا فخامة الرئيس. فقال له كلينتون: إن تحفظات الإسرائيليين تقع داخل مقترحاتي، وأما تحفظاتك فتقع خارجها وتنقضها. وعند هذه الملاحظة انتهى اللقاء الأخير بين كلينتون وعرفات بعد أن تواعدوا على التحادث بالهاتف لآخر مرة قبل مغادرة الرئيس الفلسطيني للولايات المتحدة.
ثم يختتم دنيس روس كلامه قائلاً: في الواقع أن عرفات لم يتجرأ على اختراق الجدار النفسي الذي يفصل بين العرب واليهود، أو بين الفلسطينيين والإسرائيليين خوفاً من معاقبة المتشددين له، وبخاصة جماعة حماس. ولهذا السبب فشلت قمة كامب ديفيد التي عُلِّقت عليها الآمال.
الكتاب: السلام المفقود
القصة الداخلية للنضال من أجل السلام
في الشرق الأوسط
الناشر: فارار، ستروس، جيرو - نيويورك 2004
الصفحات: 848 صفحة من القطع الكبير
The Missing Peace
The Inside Story of The Fight
For Middle East Peace
Dennis Ross
Farrar, Straus And Giroux New York 2005
P. 848