مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور محمد سلامة النحال، باحث متخصص في الشؤون الأفريقية لدى مركز الراصد للدراسات الاستراتيجية بالخرطوم، من مؤلفاته: تطور الاستراتيجية الإسرائيلية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وله العديد من المقالات في الموضوعات ذات الصلة مثل: دور إسرائيل في افتعال أزمة المياه بين مصر ودول حوض النيل.

يستعرض الكتاب نضال شعب السودان خلال نصف قرن من الزمن للحصول على استقلاله ووحدته. والصعوبات السياسية والعسكرية التي مر بها السودان مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. يتحدث المؤلف بدايةً عن ذلك التميز السوداني موقعاً والتنوع الجغرافي والمناخي الفريد، وهذا الخليط المتجانس من الأعراق والديانات والحضارات.

وعن موضوع التركيبة السكانية يتحدث المؤلف بشيء من التفصيل موضحاً الأسباب التاريخية لذلك والتي يفسرها بالهجرات المتعاقبة من قبل الساميين والحاميين واختلاط الدم العربي بالدم الزنجي والنوبى، مثل قبائل: الجعليين والشايقية والدناقلة والمحس والفوروالميدوب والنوبا والأنقسنا والدينكا والشلك والباريا والتبوسا واللاتوكا.

ومن تلك الأعراق من يتحدث باللغة المحلية حتى الآن. ويشير المؤلف إلى دور الثقافة العربية والإسلامية في توحيد القبائل السودانية، وفى هذا الصدد يوضح المؤلف ضعف ذلك الدور في المديريات الجنوبية حيث يشكل الزنوج والثقافة الزنجية سيادة كبيرة في تلك المناطق.

ويسلط الكتاب الضوء على القدرات الاستثمارية السودانية الهائلة (400 مليون فدان قابلة للزراعة بمختلف المحاصيل- ثروة حيوانية كبيرة- ثروة معدنية واعدة- قدرات سياحية برية وبحرية- مناطق أثرية).

يتحدث الكاتب عن الشخصية القومية السودانية وأثر الظروف التاريخية في تشكيلها، وتداخلها مع عنصر العقيدة الدينية الراسخ لدى المواطن السوداني. حيث كان الدين، ولا يزال، له الأثر الكبير فى تشكيل سلوك الإنسان السوداني، وفى علاقته بغيره وبالحكام وتصوره لفكرة السعادة والشقاء. ويربط المؤلف، نقلاً عن المقريزي، بين الأمان والكرامة للشعب وبين إحساس الشعب بالسعادة وركونه إلى السكينة، وهو ما ينطبق على الشخصية السودانية بشكل كبير.

ويتحدث الكاتب عن موضوع السيادة والإدارة والإصلاحات السياسية والإدارية في الفترة من 1919- 1924 حيث يشير إلى أن انهزام المهدية( التي اعتمدت على مقاتلي قبائل البقارة الرحل بغربي السودان) في «أم درمان» عام 1898 قد طمس بشكل كبير معالمها الأيديولوجية التي قامت عليها.

كما كانت له انعكاساته على زعماء القبائل والطوائف بالتحرر من قبضة المهدية. وكانت وعود اللورد كتشنر واللورد كرومر( 1896، 1899) باحترام الدين الإسلامي مدعاة لحصول التأييد اللازم للحكام الجدد، وقد سعى كرومر في عام 1900 لمنح السيد علي الميرغني زعيم طائفة الختمية لقباً رسمياً. وشكلت الحكومة في عام 1902، لجنة العلماء، ومقرها جامع أم درمان لتقديم المشورة الدينية للحكومة.

وقد تحالفت الإدارة مع الأعيان والزعماء المحليين لضمان التأثير في المجتمع. وقد تأكد ذلك فور قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914 بالاستجابة الفورية من العلماء وشيوخ الطرق والقبائل الذين استنكروا إعلان تركيا الحرب ضد بريطانيا، وقد كانت العقبة الوحيدة آنذاك هي سلطان دارفور «علي دينار» وتمرده على سلطة بريطانيا المركزية، ولكن بعد القضاء على تمرده وسلطنته عام 1916 خضعت دارفور لسلطة الحكم الثنائي( المصري- البريطاني).

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى سافر وفد من السودانيين لتهنئة ملك بريطانيا بالنصر في الثاني من يوليو عام 1919 وقد كان من بين أعضائه علي الميرغني (زعيم الختمية) والشريف يوسف الهندي (زعيم الهندية) والسيد عبد الرحمن المهدي(زعيم المهدية)، ومع التغيرات السياسية التي حدثت أثناء وبعد الحرب من شد وجذب بين الإدارة والمصريين من مدنيين وعسكريين، وما بين الولاء للجانب المصري(المنادي بالاستقلال) وبين المناوئين لذلك،

كان على بريطانيا أن تقوم ببعض الإصلاحات الإدارية مثل: مضاعفة عدد المفتشين البريطانيين في بعض المراكز وجعل السودانيين أكثر قرباً من الإدارة، وتدريب عدد كاف من أبناء السودان على العمل في وظيفة «المأمور»، وزيادة نسبة السودنة في الصفوف الوظيفية الدنيا،ودعم الإدارة الأهلية، وتوسيع دائرة التعامل مع السودانيين والحد من نفوذ الزعماء المدنيين بالتعامل مع العناصر القبلية والشيوخ والتجار وغيرهم.

وقد كانت السياسية الإدارية العامة (1922- 1924) تعتمد على اللامركزية التي قلصت من نفوذ المآمير المصريين، وشددت من قبضة المفتشين البريطانيين، وعملت على زيادة نطاق التعاون مع السلطات الأهلية بإضافة شيوخ القبائل الرحل وزعماء القرى الحضرية إلى الزعماء الدينيين والعلماء والقوى التقليدية الأخرى.

ثم يتحدث الكتاب عن نشوء الحركة الوطنية السودانية وتأسيس جمعية «اللواء الأبيض» بزعامة عبيد حاج الأمين عام 1923 لتقوم في السودان مثل ما قامت به ثورة 1919 في مصر. لذلك ارتبطت تلك الحركة بالحركة الوطنية المصرية ورفعت شعار مصر والسودان ضد الحكم البريطاني، مما عكس رد الفعل البريطاني على تلك المطالب، كما عارضها الموالون لبريطانيا وحدثت أولى التظاهرات الضخمة في الخرطوم،وأم درمان، والخرطوم بحري في 19/6/1924، ثم حدث تمرد الكلية الحربية وانفجرت تظاهرات العاشر من أغسطس 1924 مما استدعى طلب المساندة من الجيش البريطاني بحامية وباخرة حربية (مظاهرات السكك الحديدية) وحدثت بعض التمردات من جانب بعض وحدات الجيش بوحي من الضباط السودانيين، والتي كان من انعكاساتها تجنب تجنيد بعض أبناء القبائل ذات الولاء للمهدية مثل قبائل: بني صعلبة والحوتية والزريقات والمساليت.

وعموماً أصبحت المهدية الجديدة هي القوة الصاعدة على المسرح السياسي في الفترة من 1925 إلى 1927 والتي استمدت قوتها من النفوذ السياسي والاقتصادي والروحي والقبلي للسيد عبد الرحمن المهدي، ونظراً لتجاوز ذلك النفوذ حدود المسموح به بريطانياً، حظرت عليه السلطات مغادرة «الجزيرة أبا» دون إخطار السلطات مسبقاً كما منع من دخول مديريتي: كردفان ودارفور حيث زاد عدد أتباعه فيهما بشكل كبير، وقد نظر إليه الجميع على اعتبار أنه الحل الوحيد لذلك الفراغ السياسي الوطني منذ القضاء على حركة اللواء الأبيض.

ثم يستعرض المؤلف بعد ذلك تغير الرؤى البريطانية في شكل الحكم مع تغير الحاكم العام، حيث رأى بعضهم في أسلوب الحكم المباشر ضرورة للقضاء على التشوهات التي ولدها الحكم غير المباشر مثل الترهل البيروقراطي الموروث عن فترة الحكم الثنائي (المصري- البريطاني)، وقد حدث ذلك فى بعض المناطق السودانية مثل: شرق السودان (كسلا- البحر الأحمر)، مديريات شمال ووسط السودان (النيل الأبيض- النيل الأزرق- الفونج- بربر- دنقلا- حلفا- الخرطوم)، مديريات الغرب (كردفان- دارفور).

ومن ناحية أخرى استمر الحكم غير المباشر في الجنوب من عام 1931 حتى 1933، (بحر الغزال- منجلا- أعالي النيل- جبال النوبة). وعموماً فإن الإدارة البريطانية، وبدلاً من أن تعمل على خلق دولة موحدة،

نجدها قد كرست المشاكل القبلية والعرقية والدينية في المديريات الجنوبية. كما لم تعمل على تشجيع الروابط الوحدوية المتمثلة في العروبة والإسلام، والكفيلة بربط المديريات الجنوبية ببعضها البعض من ناحية، وربطها مع نظيراتها الشمالية من ناحية أخرى.

ثم يتناول الكاتب أصول حركة المؤتمر العام للخريجين والتي نشأت في فبراير 1938، والذي تبنى ومنذ تأسيسه سياسة الولاء والإخلاص للساسة والحكام في الحرب ضد النازية والفاشية، مثل عموم الشعب السوداني، على اعتبار أن الحلفاء يدافعون عن مباديء وقيم اعتقدوا في صحتها. وينتقد الكاتب الخطوات البطيئة للسودنة والتي اعتقد الخريجون ومؤتمرهم وقياداتهم فى تسارعها على أساس الوعود التي تلقوها من المسؤولين البريطانيين من أمثال «جيلان» السكرتير الإداري للحكومة، و« سايمز» الذي حل في المنصب نفسه فيما بعد.

وفى نهاية الأربعينيات تسارعت الأحداث وتشكلت الأطياف السياسية السودانية وتبلورت الأحزاب السياسية ذات القواعد الشعبية وظهرت الزعامات السياسية السودانية وتباينت اتجاهاتها السياسية ما بين الاستقلال التام أو الوحدة مع مصر أو الاتحاد الفيدرالي بين مصر والسودان.

وكان المناخ السياسي والشعبي العام قد وصل لدرجة كبيرة من رفض وجود المحتل البريطاني . ولما عجز البريطانيون عن إمساك زمام الحكم، وتعلم السودانيون إدارة شؤون البلاد، تم جلاء المستعمرين، ووصلت الزعامة الوطنية إلى الحكم في البلاد.

ثم ينتقل المؤلف إلى اتفاقية «أديس أبابا» عام 1972، وإعلان الحكم الذاتي الإقليمي الذي نظم الإدارة والحكم في المديريات الجنوبية. كما يتعرض كذلك للمصالحة الوطنية عام 1977، والتي عاد على إثرها الصادق المهدي من المنفى، وأطلق سراح الدكتور حسن الترابي بعد سبع سنوات من اعتقاله، وإعلان الشريف حسين الهندي تأييده لمبادرة الصلح والسلام.

وقد كان قرار تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم، ومحاولة إعادة رسم الحدود الشمالية- الجنوبية سبباً للصراع بين العناصر الاستوائية وعناصر أعالي النيل من جهة، وبين عناصر بحر الغزال (قبيلة الدينكا) من جهة أخرى.

وقد فجر قرار التقسيم، وموافقة الرئيس السوداني السابق جعفر نميري عليه، برميل البارود الجنوبي ونهاية أيام الود بين نميري والجنوبيين. ويتحدث الكاتب عن بدايات ومعطيات تكون الحركة الشعبية لتحرير السودان، وزعامة الدكتور جون قرنق لها. وكذلك أدوار الأطراف الدولية في مفاوضات السلام السوداني، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية والأطراف العربية مثل ليبيا ومصر. وبالطبع كينيا مقر المفاوضات.

وقد تعثرت مفاوضات السلام السودانية في مراحل كثيرة منها ولكن الإصرار المشترك على إنجاحها كان العامل الفاعل في نجاحها فيما بعد. وكانت تلك المفاوضات تدور حول ثلاث نقاط رئيسة هي: تقاسم السلطة، وتقاسم الثروة، ووضع المناطق المتنازع عليها (النيل الأزرق- النوبا- إبي). ثم يستعرض الكتاب بالبيانات والمؤشرات الاقتصادية التطورات الحادثة للاقتصاد السوداني في الفترة من 1992 حتى 2002 والتي شملت معظم الهيكل الاقتصادي،

ففي جانب الاستثمارات نجدها قد تجاوزت 5 مليارات دولار تركز معظمها في التعدين والتنقيب وبلغت نسبة المستثمرين 66% من دول الخليج العربية، 14% من شرق آسيا، 20% شراكة أوروعربية. وعلى مستوى إعادة الهيكلة والخصخصة، نجد أنه قد تم خصخصة 71 مرفقاً حكومياً، كان توزيعها كالتالي: 24% زراعة- 5,16% صناعة- 5,11% تجارة- 5,30% سياحة- 5. 17% سياحة. كما تحسنت مؤشرات الأداء الاقتصادي في القطاع الزراعي وقطاع الصناعات التحويلية والاستخراجية. وحدث نجاح كبير لخطة الاصلاح الضريبي التي كان لها الأثر الكبير في زيادة معدلات الادخار وتحريك الطاقات العاطلة.

وفى الختام يرى الكاتب أن السودان بشعبها وإمكاناتها أقدر من شعوب كثيرة على استيعاب التقدم الحضاري والتكنولوجي إذا ما أتيح لذلك فرصة حقيقية، ولو نجحت في التحول من هوة الاعتماد على الغير إلى قوة الاعتماد على الذات. إن السودان الحقيقي هو شعب السودان، وقوته الحقيقية هي إنسان السودان، وطريقه إلى الحرية والقوة هو العقيدة القومية والزعامة الوطنية الإنسانية.

محمد جمعة

الكتاب: نضال شعب السودان

خلال قرن من الزمان

الناشر: الدار العربية للموسوعات بيروت 2005

الصفحات: 403 صفحات من القطع المتوسط