يعمل مؤلف هذا الكتاب ايف بيدرازيني باحثاً في مختبر السوسيولوجيا المدينية في مدينة «لوزان» السويسرية. وهو منسق الأعمال الخاصة بالعنف والأمن المديني في افريقيا وأميركا اللاتينية في اطار برنامج حول العلاقات بين الشمال والجنوب «إذا كنت تريد السلام فينبغي أن تحضر الحرب» بهذه الجملة يبدأ المؤلف كتابة ذا السبعة فصول، ليؤكد مباشرة بإنه يتم تحضير الحروب» فعلاً في المدن الكبرى..

ولكن ليس على خلفية «إرادة السلام» بل ان مسألة «العنف المديني» تحتل كل يوم العناوين الكبرى في العديد من الصحف في العالم.. ناهيك عن أخباره في الإذاعات والتلفزيونات ذلك «ان العنف موجود في كل مكان، وهو في كثير من الحالات تعبير عن «تكتيك الفقراء» عندما «لا يصل إلى موائدهم ما يقتاتون به».

فمتى يكون الإنسان فقيراً قد يكون أحياناً عنيفاً». ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن مدن الجنوب الكبرى خاصة تواجه إحدى ظاهرتين فإما أنها تواجه العنف أو أنها تستخدمه.. وفي الحالتين من أجل هدف محدد هو «النجاة من حالة النسيان الاقتصادي الذي تعيشه نسبة متزايدة من البشرية». لكن لماذا هذا القدر من العنف يتساءل المؤلف ثم يقدم عناصر لإجابته: «الشرط الإنساني نفسه حيث يواجه البشر أحياناً مشاكل أكبر منهم..

ولهذا قد يلجأون إلى «تدمير الآخر» بل وأحياناً إلى «تدمير الذات». والجو «المخنوق» في المدن الكبرى يساعد على ذلك. وهنا يميز المؤلف بين السياقات الحضارية المختلفة ورؤيتها للعنف ليشير اعتماداً على آراء الفيلسوف الشهير نوربرت الياس، بأن المجتمعات الغربية احتاجت إلى خمسة قرون كاملة كي تصبح «حضارة مضادة للعنف» وهذا لا يعني إنها مسالمة وإنما يتم النظر فيها إلى العنف نظرة سيئة باعتباره ممارسة قديمة ومتوحشة وحيوانية. ثم إن هذه الحضارة قد نجحت منذ نهاية القرون الوسطى في «تدجين عنفها».

وما يؤكده المؤلف هو أن العالم. وكما تشير الاحصائيات رغم تناقضها في أحيان كثيرة يصبح مدينياً أكثر فأكثر في مطلع هذه الألفية الثالثة. ويتم هذا بسرعات متفاوتة وبطريقة مخططة أو فوضوية تبعاً للمناطق. لكن بكل الحالات ليس هناك ما يدل على تباطؤ مثل هذه الظاهرة.. مع ما يخلقه هذا من حركات اجتماعية.

ان المؤلف يتحدث عن «الغابات المتوحشة» التي تمثلها بعض المدن الكبرى وذلك بعيداً عن الصورة النموذجية التي مثلتها المدن الأولى ابتداء من بابل المدينة الحقيقية أو الأسطورية التي لم يتم تجاوزها.. ومن المدن ـ النماذج الأولى يذكر المؤلف القدس والاسكندرية وأثينا وروما.. ثم استجدت مفاهيم جديدة في العمران اعتباراً من مطلع القرن العشرين ليأخذ النموذج الأميركي بعداً «كونياً».

بكل الأحوال تدل التقديرات الديمغرافية بأنه في أفق عام 2015 سيكون أكثر من نصف سكان المعمورة يعيشون في مدن وفي أفق عام 2030 سيكون عدد سكان المدن ضعف عدد سكان الأرياف في العالم.

هذا في الوقت الذي تدل فيه بعض التقديرات الديمغرافية بانه في عام 1800 لم يكن هناك سوى 2% من مجموع عدد سكان العالم يعيشون في مدن وان نسبة هؤلاء لم تزد عن 10% في مطلع القرن العشرين، أي حوالي 150 مليون نسمة ووصلت النسبة في أواسط القرن العشرين إلى 30% وفي النصف الثاني من هذا القرن تضاعف عدد «المدينيين» عشرين مرة، ليصل إلى حوالي نصف مجموع سكان العالم.

بالمقابل هناك 7. 3% فقط من سكان العالم يعيشون في مدن يزيد عدد سكانها على 10 ملايين نسمة.. وتدل التوقعات على أن هذه النسبة لن تزيد عن 7. 4% في افق عام 2015، وقد كانت هناك عام 2000 نسبة 8. 2% من سكان العالم يعيشون في مدن يبلغ عدد قاطنيها ما بين 5 ملايين وعشرة ملايين ويفترض ان لا تزيد هذه النسبة في أفق عام 2015 عن 7. 3% من سكان العالم.

هنا أيضاً وعلى عكس ما هو شائع بان بلدان الجنوب هي التي تشهد الزيادات السكانية الأكثر تسارعاً في العالم وتتكاثر فيها المدن الكبرى، فإن 8% من سكان الجنوب سيعيشون في أفق عام 2015 في مدن يتراوح عدد سكانها بين 5 ملايين و10 ملايين مقابل 10% بالنسبة لبلدان الشمال. هنا يتساءل المؤلف: «لماذا إذن هذا الخوف الشديد من المدن الكبرى في بلدان الجنوب» لكن هناك خللاً داخلياً في هذه البلدان يتمثل في كون سكان المدن في الأكثر فقراً منها يتواجدون في المدن الكبرى، على عكس بلدان الشمال حيث تتزايد المدن الصغيرة.

وإذا كان مؤلف الكتاب يؤكد على حقيقة تزايد نسبة الذين يقطنون المدن في العالم فإنه يشير بالمقابل إلى أن الانفجار السكاني المعلن بدأ بمثابة توهم. ثم يضيف: «إذا كان من المؤكد بان الوسط المديني يتعاظم بشكل معتدل بمعزل عن المدن الأكبر، فإن هذه المدن هي التي يتم إلصاق كل شرور الأرض بها».

لكن تفسير مثل هذا الخوف هو بالأحرى ذو طبيعة سياسية وليست «ديموغرافية»، وذلك بمعنى أنه ليس لكون أن بعض المدن الكبرى قد ازداد عدد سكانها «إلى ما لا نهاية» عبر جذب كل سكانها تقريبا إليها، انما هو الذي يطرح المشكلة وإنما لان هذه الظاهرة إنما هي موجودة خاصة في البلدان المسماة «متخلفة» وغير القادرة «افتراضا» على السيطرة عليها، والنتيجة هي ان هذه المدن الكبرى تصبح بمثابة «قنابل اجتماعية موقوتة».. ولكن يمكن أن تكون أيضا «أسلحة دمار شامل ذاتية».

من جهة أخرى إذا كانت عملية إقامة المدن قد تماشت طويلا مع الحضارة وأن فكرة المدينة قد ارتبطت مع فكرة الحداثة. فان الأمر قد اختلف اليوم كثيراً ليصبح التوسع العمراني المديني مقترنا مع التجزئة والتقسيم والتمييز و«غياب الحضارة». ثم ان أولئك الذين أصبحوا «يتأملون» المدينة إنما يفعلون ذلك باعتبارها مجالاً «جغرافياً» وليس على أساس «الأسئلة الاجتماعية» التي تطرحها..

وهكذا فقدت المجتمعات المدينية «روحها» شيئا فشيئا. ثم تصبح المدينة، شيئا فشيئاً أيضا، المسؤولة عن كل «تعاسات» العالم. وضمن هذا السياق تغدو «العزلة»، بنظر مؤلف هذا الكتاب، هي المسؤولة الأولى عن العنف في المدن فمهما كان اسمها «بوغوتا» أو «كراتشي» أو «سايغون» أو «ليفربول».

المدينة كما يضعها المؤلف من حيث نمط حياتها قد غدت رديفاً في أحيان كثيرة «للعنف وغياب الأمن والحروب الصغيرة بين أطفال الشوارع وممارسة مختلف أنواع التهريب والتجارات الممنوعة». هذه الصورة الراهنة تخفي في واقع الأمر، صورة أخرى «تاريخية» ارتبطت فيها المدن بالفن والعمارة و«الكرنفالات» إلى جانب «حروب الأديان ومختلف أشكال محاكم التفتيش».

لكن في هذه المدن القديمة المهمة مثل اشبيلية عام 1420 ونابولي عام 1750 وسان بطرسبورغ عام 1880 كان «الفقر» هو السمة الأساسية التي تنم المدينة عنها.. أما اليوم فهذه السمة تتمثل في «العنف» لكن هذه «السمة» قد تصبح هي «الأصل» لتغدو المدينة نفسها هي «السمة»، هذا ما يقوله المؤلف ويوضحه بالاعتماد على حكاية للروائي « فيودور دستويفسكي» بعنوان «البديل» التي تقص سيرة رجل أراد أن يقتل «بديله» «صنوه» وعندما نجح في ذلك يتم اكتشاف ان الرجل نفسه هو الذي مات والبديل هو الذي بقي على قيد الحياة.

ويميز في هذا السياق بين العنف «القديم» ذي الطبيعة البدائية والاثنية والقبلية والعنف «الحديث» الذي يقوم على مفهوم «العصابات» لكن بكل الحالات يبقى مثل هذا التمييز، حسب رأي المؤلف مشوبا بالكثير من الغموض لا سيما فيما يتعلق بـ «تداخل» الحدود بين «القديم» و«الحديث» في ميدان العنف.

وبالتأكيد من العبث الزعم بأن أشكال العنف، قديمها وحديثها، هي متساوية فيما بينها. كذلك من العبث الحديث عن «فوضى معممة» ابتداء من الأحياء الأميركية المقتصرة على السود «غيتوات» وحتى البوسنة ومرورا بجنوب أفريقيا وأفغانستان وغيرهما وحيث تختلط المخدرات مع النزاعات الأثنية ومصالح العصابات والمافيات المختلفة.

الفصل الخامس من هذا الكتاب يحمل عنوان «مجتمعات الخوف» ويشرح فيه المؤلف كيف أن ظواهر العنف التي تعرفها المدن الكبرى والاحساس بعدم الأمان الذي يبدو بمثابة القاسم المشترك لدى جميع السكان، الأغنياء منهم أو الفقراء، إنما هي بمثابة مؤشرات، بمقدار ما هي عوامل لواقع وجود عملية «تحول راديكالي» في التجمعات المدنية الكبرى، في الشمال كما في الجنوب التي تشهد كلها أنماطا من «العنف الاجتماعي».

ولا يتردد المؤلف في أن يوجه الاتهام عبر تحليلاته وحيث يرى أن العولمة لم تكن بعيدة عن حالة «الانفلات» على صعيد الأمن والسيطرة على العنف. ذلك أنه في زمن «الحرب الباردة» التي أعقبت الحرب العالمية الثانية لتسود العلاقات الدولية.

كانت« الحقائق المحلية الأفريقية أو الآسيوية أو الأميركية ـ اللاتينية كان مطلوب منها أن تنتمي إلى هذا المعسكر أو ذاك». وهذا كان يفترض السيطرة على سلوكيات البشر، أما الآن فيبدو انه «ليس هناك أحد خاضع للرقابة».

ويرى المؤلف بأن العنف الحالي تعود جذوره إلى بدايات التصنيع، إذ منذ تلك الفترة كان الفقراء دائما بمثابة «موتى مع وقف التنفيذ». هذا الواقع دفعهم إلى أن «يبيعوا أنفسهم أو يبيعوا جلودهم للصيادين».

ان العنف وغياب الأمن في المدن الكبرى ينبغي بالتالي تحليله، كما يرى ايف بيدرازيني، باعتباره «انعكاساً أمنياً لحالة من عدم الثبات تولّدت من تسارع التبدلات العامة». أما «السلام الاجتماعي» العام فإنه يتطلب قبل أي شيء إزالة حالة «الهشاشة» المرتبطة بغياب الاستقرار. وهذا يتطلب بدوره القيام بتحليل «الأسباب الشاملة للمشكلة» التي أدّت إلى «تفريخ» العنف و«صيانته» و«استمراره».

وعبر التعرض لدراسة العديد من حالات العنف، بصورته المثيرة للهلع في المدن الكبرى في العالم، يخلص المؤلف في نهاية الأمر إلى التأكيد على أن الحلول «الأمنية» بالطريقة التي تطرحها السلطات الحكومية في العديد من البلدان وخاصة الغربية منها، لا يمكنها أن تؤدي الى استئصال العنف. بل لابد من حوار« خلاق» مع المعنيين انفسهم الذين يتم رسم صورة «شيطانية» لهم بل والقائهم «جميعهم» إذا أمكن في السجون.

في المحصلة يتوجه هذا الكتاب إلى جميع أولئك الذين يبحثون عن «معنى الحياة في المدينة»، أكانت تخيفهم أو تستهويهم.. وهو أيضا موجه إلى الباحثين والدارسين والمسؤولين بمقدار ما هو موجه إلى أولئك الذين يعيشون في «الأحياء الصعبة»، وحتى لو كانت المدينة «تدمرهم» أكثر مما توفر «الحماية» لهم.

الكتاب: عنف المدن

الناشر: شارل ليبولد مايرـ باريس 2005

الصفحات: 252 صفحة من القطع الصغير

LA VIOLENCE DES VILLES

YVES PEDRAZZINI

CHARLE LEOPOLD MAYER PARIS 2005

P.252