ليس في وسع القارئ إلا الشعور بالاغتباط عند قراءة رواية «أميربار» للكاتب الكولومبي الفارو موتيس التي يروي فيها ماكرول مجريات الأحداث في «أميربار» عندما جرب حظه في استخراج الذهب. ونقرأ في الكتاب أن «أميربار» تعني على وجه العموم الأسطول في جورجيا، وهي كلمة تتحدر من العربية وتعني أمير البحر التي تترجم على نحو زعيم البحر.
هذه بعض السوابق الاشتقاقية لكلمة أمير البحر، المستخدمة من قبل موتيس لعنونة الحكايتين من حكاياته السابقة. و«أميربار» هي أيضاً صوت الرياح في الجبال عند مدخل المنجم وهي في الوقت نفسه نداء وتهديد من ملك البحار. وأمام هذا المشهد، يتوجه الملاح، المشبع باحترام يشوبه النفور، بدعاء إلى إله المحيطات الذي حملت الرواية اسمه «أمير البحر».
هذه العلاقة بين الشخصية وآلهتها تذكر بما حدث بين أوديسيو وبوسيدون وهي كثيرة الإشارات التي تلمح إلى هذه القصة. لكن هذه الإشارات المرجعية لا تقتصر فقط على الثقافة اليونانية أو العربية، وإنما لتطال العالم المسيحي، الذي يظهر ممثلاً في العديد من رموزه كالذهب الذي يجلب إلى القصة تاريخ شعب إسرائيل والعجل الذهبي والشيطان، الذي يسكن حسب التقليد الشعبي في أحشاء الأرض المقارنة في الكتاب بالجحيم أو الحارس والتي تعني مثوى الأموات في الميثولوجيا الإغريقية.
في «أميربار»، يشكل استخراج الذهب والجنس المحتدم عنصرين من الطقس الشرير نفسه، ويعتبران نشاطين ضد الطبيعة، في حين يزيد تاريخ المناجم تلويث بيئة هذين العنصرين اللذين يشكلان جزءاً من إرث امرأة استقرت عائلتها الثرية في المدينة.
هذه المرأة كانت ذات ميول غير سوية ويفترض أنها قامت في صحبة صديقة لها متزوجة من المهندس الذي كان يدرس إمكانية استخراج المعدن بقتله وغادرتا المناجم. هذه المناجم هي أيضاً مسرح عملية قتل جماعية يلتقي بقايا ضحاياها كل من أيلوليو وماركول في أحد سراديبها، حيث يشكل ايلوليو هدفاً لممارسات الجيش التعسفية، فالعسكريون يعتقدون انه ينتمي إلى رجال حرب العصابات، وأن ما يخص المناجم ما هو إلا ذريعة.
وبالنسبة إلى أنتونيا، فإن هذه اللعنة التي تحوم حول المكان هي قدرها، ففي سان ميغيل (إشارة إلى رئيس الملائكة الذي هو زعيم الميليشيات السماوية) تتكن لها امرأة بأنه في حال بقيت حاملاً فإنها ستموت أثناء المخاض. وهذا هو سبب انحرافها، لكن مع ماكرول تعتقد أنتونيا أنها تستطيع الهرب من قبضة القدر وإنجاب طفل، الأمر المحظور عليها.
أما بالنسبة إلى ماكرول، فإن ذلك عنى مكوثاً في الجحيم وتغيير اتجاه كاد يودي بحياته، بيئته الطبيعية التي هي البحر، وهذه إشارة إلى أن الألغاز التي تخفيها الأرض هي المفتاح السري للحياة والمصير، والذهب الذي يبحث عنه الملاح هو من الأمور العصية على معرفة الإنسان وأنها فقط تثير غضب الآلهة، لذلك ترتج الأرض ويكاد ماكرول يموت محترقاً.
في أمير البحر تطرح قضية المناجم المهجورة انطلاقاً من حكاية المنجم «كوكورا» التي تشكل جزءاً من «كارا فانساري» ويلمح في الوقت نفسه إلى الكتب الحديثة كبعض الروايات الأخيرة وكتب أخرى تشكل جزءاً من مرحلته الإبداعية الأولى، ما يعطي الانطباع بأن تلك القصص المنفصلة راحت تأخذ شكلاً أكثر تحديداً، وعلى الرغم من إمكانية ترابط وتسلسل بعضها، إلا أنه لا تنفك عن امتلاك ذلك الطابع العرضي، الذي ميّزها دائماً.
مع الأخذ بعين الاعتبار أن القصة تروى هذه المرة على لسان ماكرول الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الموت بسبب موجات من الحمى تمت معالجتها بصورة سيئة في فندق صغير في لوس أنغلوس، ويتوجه إلى أميركا الجنوبية ويتكلم بصورة متكررة عن شركاته المنتشرة حول العالم، بحيث تختلط موانئ الشرق والغرب التي لا تحصى في قصص الملاح، مثلما تختلط قراءاته المغلوطة تاريخياً حول الملكية المطلقة، حيث تسود هذا النظام الذي يترأسه صاحب جلالة وسلطة خارقة للطبيعة، أزمة تهدد بشقه.
في هذه الحالة يتعلق الأمر بكتاب يروي مآثر فندييه، حيث يقاتل رجال حرب العصابات الذين يحاولون استبدال ملكية البوربونيين، ضد الثورة الفرنسية.
ولأسباب جمالية إلى حد كبير ولأن ذلك العالم التاريخي يغتني بالزمن وبشخصيات الكتب تلك التي تتميز بطابعها الملحمي أكثر من التاريخي والتي تلعب دور البطولة في تلك القصص النموذجية التي يرى فيها ماكرول دائماً مرآة تعيد إنتاج وضعه الخاص، فإن الملاح أو موتيس يزدري ويناقش العالم الحديث ولا يتقاسم القيم التي رسختها الديمقراطية.
إنها شخصية قد أخطأت زمنها وتعيش أكثر من خلال الكتب ومن خلال أسلوبها الأصلي في العلاقات مع العالم ومع الآخرين، في فترات مختلفة من قرون زمنية مغايرة، وهذا الحشد من الأوضاع والمسارح والشخصيات، التي تشبه الأسلاف والماضي ومن الأوقات التي يعيشها الملاح والتي تكرر بلا كلل بعض القصص، هو معقل ماكرول، حيث لا يزال العالم يضبط نفسه على إيقاع ما هو أسطوري وملحمي.
واللقاء الذي يرى له دائماً، بين هذا العالم المتخيل والعالم الحالي هو أحد الموضوعات الأكثر تواتراً في القصص المنسوبة إلى ماكرول الملاح. «هنا مكثت للاهتمام بهذا المنجم ولقد فقدت حساب السنوات التي أقضيها في هذا المكان، لكن لابد وأن تكون كثيرة لأن الدرب الذي قطعته وصولاً إلى الأنفاق والذي جريته على ضفة النهر كان قد اختفى بين أدغال وشجيرات الموز».
ربما لا توجد أي صورة تبين متاهة قصص موتيس أفضل من صورة «كوكورا»، ذلك المنجم المهجور الذي يظهر فيه ماكرول وهو يعمل كخفير ليلي على قصيدة لكارافاتاري (1981) والتي تعود الآن من جديد في أمير البحر مع خوفه بحثاً عن ذلك الذهب السري للمعرفة التي يكتسبها الملاح. بقوة الفشل في كل شركة من شركاته السخيفة.
بالنسبة إلى ماكرول، البحار المحنك سابقاً، إن التوغل في الأرض والشروع في التجارة مع أناسها هما تجربتان تعادلان النزول إلى جهنم، لكنه مع ذلك نزول لابد منه للمواجهة ليس بسبب مذاق البؤس وإنما بسبب الحكمة التي توفرها الهزيمة، لذلك يعود البحار في هذه الحكاية إلى قبول كمائن القدر وبعد أن يصغي باهتمام بالغ إلى الكلمات المهلوسة لرجل كندي يحدثه في فانكوفر عن الإمكانيات الكبيرة المتوفرة للعثور على العروق الغنية بالذهب في المناجم المهجورة التي مازالت باقية وسط جبال الانديز، يقرر إرجاء هيامه البحري لبعض الوقت والتوغل عبر الدروب المتعرجة لسلسلة الجبال الشاهقة وعبر متاهات الأرض بحثاً عن ذهب زالق ومشؤوم لن ينتهي أبداً من كشف أسراره لماكرول.
التقنية السردية التي يلجأ إليها موتيس هي ذاتها تقنية الدمية الروسية وهي ذات التقنية التي يستخدمها الكاتب في حكاياته السابقة والفارق الوحيد يكمن في أن موتيس يترك الصوت بطريقة مباشرة لماكرول وبعد إنقاذ أو انتشال شخصيته من فندق صغير في لوس أنجلوس حيث هاجمته الملاريا، يأخذه إلى منزل شقيقه ليوبولدو ليتعافى هناك وبعد إلقاء نظرة على رحلاته السابقة عبر الكاريبي والبحر الأبيض المتوسط.. يروي كممثل بارع بصيغة المتكلم مجريات أيام الحمى واللهاث تلك، فضلاً عن لحظات الهم والغم في منجم «أميربار».
ويمكن القول إن «أميربار» عبارة عن قدر تعويذة أو طالع تردده الريح في المنجم الذي يصل إليه البحار أخيراً بعد أن قطع سلسلة الجبال منطلقاً من موانئ المحيط الهادي القذرة وصولاً إلى الأودية الفاترة في «يتيرا كاليينتي» ـ الأرض الساخنة ـ كي سيستهل العمل في شركته الذهبية، وصداه اللجوج والكئيب يشحن الأنفاق والسراديب بجو طقسي بغيض يجهد الملاح نفسه بلا طائل في حل رموزه ويصل إلى ذروة غموضه مع وصول أنتونيا إلى الكهف.
لكن سرعان ما يتبدد ذهب المنجم ويفسد حتى يتحول إلى سراب جل ما يخلفه وراءه هو المأساة والأسى والدمار وحينها يفهم ماكرول أن خطأه كان الابتعاد عن البحر وعن طائره الذي يحميه، ما يدفعه إلى التوجه بدعاء غريب إلى أمير البحر، الذي كان اسمه متضمناً في زعيق الريح التي كانت تتغلغل عبر سراديب المنجم وتعويذته ساعدته على الخروج بسلام من شركته ومن مكائد أنتونيا، التي تحاول إحراقه حياً أثناء نومه بعد أن راودتها الشكوك حول نيته في الرحيل عن الكهف.
«ذهبنا ليس الذهب الشائع» يقول ماكرول مستشهداً بقول مأثور قديم للكيميائيين وفي واقع الأمر فإن الذهب الذي يبحث عنه هذا لا يتفق بأي طريقة مع أسلوب الثراء المادي، إذ إن الأمر برمته يتعلق بالحكمة المقطرة في إنبيق (جهاز تقطر به السوائل) الخبرة، التي تقدمها لنا كل شركة من شركاته الفاشلة.
السعادة الشحيحة
في أحلام «ماكرول» المتعددة بوسعنا قراءة: «لا الحب ولا الشقاء ولا الأمل ولا الغضب، عادت لتكون هي نفسها بالنسبة له بعد السهر والتهجد الرهيبين في عزلة الغابة المبتلة والليلية».
وبعد موت سوزانا، يقول ماكرول فيها: «كانت لديه تلك النية الغربية بنقل السعادة وجعلها تبرعم في كل وهلة، هكذا مجاناً ودون أي سبب، لماذا؟ لأني أتيت معها، مع إيماءاتها، مع ضحكتها، مع حبها للناس وللحيوانات وللمساءات في المدار.. عندما نفقد أحداً على هذا النحو، ندرك أن كتلة أخرى من السعادة الشحيحة التي نعرفها قد ذهبت إلى الأبد».
مقتطف من رواية «أميربار»
الكتاب: أميربار
الناشر: نورما ـ برشلونة
الصفحات: 162 صفحة من القطع المتوسط
Amirbar
Alvaro Mutis
Norma -Bacelona
P.160