مؤلف هذا الكتاب الدكتور عطا الله الرمحين هو من الباحثين السوريين البارزين في مجال الدراسات الإعلامية، وهو حائز على دكتوراه فلسفة في الفيلولوجيا «إعلام» من جامعة موسكو منتصف الثمانينات. يدرِّس حاليا في كلية الإعلام بجامعة دمشق. عين رئيساً لقسم المكتبات، كما عين رئيساً لكلية الإعلام. أشرف على تحرير مجلات جامعة دمشق.

أصدر عدة أبحاث ودراسات في مجال البحث الإعلامي والدراسات النظرية الإعلامية، من أهم كتبه: «الإعلام الجماهيري في حياة المجتمع»، «أضواء على الصحافة العربية والعالمية المعاصرة»، «الإعلام والرأي العام»، «دراسات عربية في نظرية الصحافة»، وله قيد الطبع بعض الكتب من أهمها «سوسيولوجية الاتصال الجماهيري»، و«تقنية كتابة النص الصحافي».

في كتابه الجديد «نحو اقتصاد سوق إعلامي» لا يبتعد الرمحين عن حقل اختصاصه الذي خبره طويلا، وقدم فيه كتباً مختلفة ومهمة، وهو في هذا الكتاب الجديد الصادر مؤخرا عن دار كيوان بدمشق، يتابع مشروعه المتمثل في دراسة قضايا الإعلام والاتصال، إذ يقدم الباحث رؤاه ووجهات نظره حول واقع الإعلام الجماهيري، والعقبات التي تحول دون انتشاره ورواجه، والتحديات التي تعترض سبيله،

ومن ثم يقدم مقترحات وتوصيات تهدف إلى الارتقاء بهذا الواقع الإعلامي «العشوائي وغير المنضبط» بغية مواكبة عصر العولمة الذي نعيش، ولعل الهاجس الذي يقوده في هذا الكتاب هو هذا الطغيان الإعلامي «المعولم»، وهذه الهيمنة الثقيلة لـ «ثقافة الصورة» التي تغزو العالم العربي دون ان يستطيع هذا العالم الوقوف في وجه الصورة الزاحفة بأشكال، وتقنيات، وأساليب، وطرائق، ووسائل متنوعة ومؤثرة.

خصص هذا الكتاب لشريحة واسعة من القراء سواء كانوا متخصصين في مجال الإعلام أو غير متخصصين، لكن من الطبيعي أن يهتم به أكثر من غيره، أولئك الذين يعملون بصورة فعلية في حقل الإعلام، وهو ما يشير إليه الباحث نفسه إذ يقول بأن كتابه «سيستفيد منه الصحافي الذي يمارس المهنة، وكذلك الطلبة في كليات الإعلام، فضلا عن رؤساء تحرير الصحف ومسؤولي التلفزيونات والإذاعات، ومن ينوي تأسيس وسيلة إعلامية جديدة»، والملاحظ أن اهتمام الباحث لا يقف عند حدود تقنية إعلامية معينة بل يهتم بالإعلام المرئي، والمسموع، والمقروء جميعا، ذلك أن المبادئ والأسس التي تنظم عمل هذه الأنواع الإعلامية هي متقاربة، إن لم نقل متطابقة.

يسلط الباحث الضوء على نظام المفاهيم والمصطلحات المرتبطة بعمل البنية الاقتصادية التحتية للصحافة، السوق الإعلامية، وسوق الإصدارات الدورية، وترويج التحرير والإصدارات وغيرها. ويسهم الكتاب في تزويد طلبة الإعلام بالخبرات الأولية للنشاط العملي في مجال الإدارة في التحرير، وتكوين الفكر الاقتصادي لدى الصحافيين المحترفين، وعلى فهم مكانتهم ودورهم في إدارة القاعدة الاقتصادية للإصدار.

وكذلك فإن هذا الكتاب يمكن ان يساعد رؤساء تحرير الصحف ومالكي وسائل الإعلام في عملهم اليومي المعقد، وفي استيعاب المعارف الجديدة وفي مقدمتها في مجال اقتصاد الصحافة، وهو يفيد قارئ المطبوعة، ومشاهد التلفزيون، ومستمع الإذاعة على حد سواء في إدراك بعض الجوانب الشائكة في العملية الإعلامية التي يجهلونها، فرغم متابعتهم للمادة الإعلامية لكنهم لا يعرفون حقيقة ما يجري وراء «الكواليس الإعلامية».

إن هذه المهام التي وضعها المؤلف نصب عينيه هي التي حددت طبيعة الكتاب وبنيته. فهو ذو طبيعة نظرية ـ تطبيقية. الموضوعات الأساسية للنظرية الاقتصادية يتم الكشف عنها بناء على الخبرة العملية الصحافية التحريرية الخاصة. وعلى أساس تحليل هذه الخبرة تقدم النصائح والتوصيات، ويتم إدخال القارئ إلى مجالات عملية مختلفة ومتنوعة، وانطلاقا من هذه التوصيات عليه حل المسائل الناشئة.

يتألف الكتاب من ثلاثة وعشرين فصلا موزعة على أربعة أبواب، إذ يكرس الباحث الباب الأول للحديث عن السوق الإعلامية وجوانبها ومجالاته، وللأشكال التنظيمية والقانونية لتنظيم «البزنس الإعلامي»، ويعرض الباحث هنا، باختصار، المقدمات النظرية التي لابد من استيعابها لفهم الأسس الاقتصادية لعمل التحرير، وفي الأبواب الثلاثة التالية يسلط الضوء بالتتابع على أسس الماركيتينغ التحريري ـ الإصداري (الماركيتينغ في الصحافة هو نوع خاص من أنواع التحرير المرتبط بدفع الإصدار الدوري إلى السوق بهدف ضمان بقاء هذا الإصدار وتلبية الاحتياجات الإعلامية للجمهور)،

وعلى السياسة المالية للتحرير، وعلى أسس الإدارة التحريرية، وأيضا على دور العامل الاقتصادي في تنظيم عمل الصحافي المعاصر. وبغية الاستيعاب الأفضل للمادة جاءت الإشارة في بداية كل فصل إلى الأهداف المتوخاة منه، وينتهي الفصل بخلاصة قصيرة حيث يعرض الباحث باختصار شديد أهم موضوعاته، إضافة إلى الأسئلة المدرجة في نهاية كل فصل، والمستمدة من ثنايا البحث في محاولة لدفع القارئ إلى امتحان ذاتي يبين له مدى استيعابه للموضوع المطروح الذي انتهى من قراءته للتو.

وخلال عرض الموضوع ومعالجته لا يقتصر المؤلف على تبيان الأسس العامة لنشاط مختلف وسائل الإعلام الجماهيري (الإصدارات الدورية المطبوعة، التلفزيون والإذاعة ووكالات الأنباء...) بل يأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها، وخصائص إظهار التشريعات العامة في كل منها، وهذا من شأنه أن يساعد ـ في اعتقاد المؤلف ـ على الفهم الأفضل لشمولية عمل وتأثير القوانين الاقتصادية في مجالات الصحافة جميعها كنشاط خاص سياسي ـ اجتماعي واقتصادي.

وتوضيحا للعنوان الذي يبدو غير مألوف يرى الباحث «أن الأخبار الصحافية تصل إلى السوق حيث تصبح سلعة. أن مختلف وسائل الإعلام الجماهيري تطرح أنواعاً مختلفة من هذه السلعة بالتناسب مع خصوصياتها. وفي السوق تبدأ عملية التبادل بين منتج الأخبار الصحافية وبين مستهلكيها.

وخلال التبادل يلبي كل واحد منهما مطالبه الخاصة. والأخبار الصحافية تظهر في السوق على شكل وحدة سلعية ـ إنتاج كامل مهني، أي على شكل نص أو صور بيانية أو أعداد جريدة أو مجلة، أو برامج إذاعية أو تلفزيونية أو محاورات أو منشورات إخبارية»، ويضيف المؤلف بأن «السوق هو المكان الذي يحدث فيه التبادل بين منتج السلع وبين مستهلكها، والسلع الأساسية في السوق الإعلامي هي الأخبار الصحافية بمختلف أنواعها وأصنافها،

وهذا السوق يتطور عندما تبرز الحاجة الضرورية لدى الناس لمعرفة المعلومة فتصبح المعلومات، التي حققت ذلك المطلب، ذات قيمة عالية، بمعنى ان هذا السوق يتطور تحت تأثير قانون العرض والطلب، وهو في توسع مستمر نتيجة التكنولوجيا الهائلة التي أصابت تقنيات الاتصال.

ورغم ان الباحث يعترف بأن الصحافة لم تتحول إلى سلطة رابعة(بعد السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية) لكنها تحولت إلى قوة هائلة اصبح على السياسيين ورجالات الدولة والزعماء والمسؤولين في مختلف المجالات أخذها بالحسبان، فقد يلعب الإعلام أدوارا مهمة في سقوط حكومة أو تنصيب رئيس جديد أو تغيير سياسات الدول ذلك أنه يؤثر، على المدى البعيد، في طبيعة وتوجهات الرأي العام وهذا الرأي العام، بدوره، يؤثر على توجهات أصحاب القرار وبرامجهم وخططهم السياسية.

الكتاب يركز على الجوانب الاقتصادية في العملية الإعلامية بمختلف مراحلها، ويكتسب الكتاب أهميته من كونه يتناول، أولا: قضايا الإعلام التي أصبحت دراستها ملحة في ظل التطور التكنولوجي الهائل والتأثير اللامحدود للإعلام على قطاعات واسعة من الجمهور على مستوى العالم، وثانيا: أن الكتاب يقف عند مسائل الاقتصاد في مجال الإعلام والتي لم تأخذ حقها من التحليل والنقد والدراسة. فالبحوث الإعلامية التي ظهرت في العالم العربي، على قلتها،

ركزت، غالبا، على الجوانب السياسية والاجتماعية والفكرية وتناولت كذلك الجوانب السوسيولوجية وأيضا التقنية لكنها أهملت الجانب الاقتصادي رغم كونه المحرك الرئيس لأي مشروع إعلامي، فرغم أن الكثير من وسائل الإعلام هي ذات طابع أيديولوجي ـ دعائي تهدف إلى الترويج لمبادئ وأفكار سياسية،

ويصرف مالكوها (حزب أو تيار أو منظمة...) بسخاء في سبيل الترويج لسياسات معينة دون اهتمام كبير بالربح المادي، لكن، في المقابل، ثمة وسائل إعلامية أخرى كثيرة، تفوق سابقاتها من ناحية الكم، غرضها الأساس هو المال وجني المزيد من الأرباح عن طريق الإعلانات التي تبثها، وبقليل من الجهد يمكن ملاحظة ذلك، فالساحة الإعلامية العربية، على سبيل المثال، تعج بفضائيات مختلفة، ومتنوعة هدفها الأساسي هو الربح.

ولئن ركز الباحث في دراسته على الجانب الاقتصادي فهو إنما يدرك مقدار أهميته في المشهد الإعلامي الراهن، ومن هنا فهو ينظر إلى هذا المشهد المتشابك بوصفه سوقاً إعلامياً خاضعاً لشروط العرض والطلب يسير وفق القاعدة التي تقول بأن «العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة»، مع الإشارة إلى ان مالكي وسائل الإعلام يضطرون، غالبا،

إلى الارتقاء بمستوى أداء وسيلتهم الإعلامية في سبيل إرضاء اكبر عدد من الجمهور ليس من منطلق أن لديهم مشروعا إعلاميا طموحا يسعون إلى تجسيده، بل يفعلون ذلك لجلب المزيد من الإعلانات، ذلك ان المعلن، بدوره، يبحث عن القناة أو الصحيفة أو الإذاعة الأكثر رواجا ليختارها كي تكون جسرا بينه وبين المنتج.

الكتاب بهذا المعنى يضيف جديدا إلى المكتبة العربية التي تفتقر إلى الدراسات الإعلامية الجادة والمعمقة، بصورة عامة، والى الدراسات الإعلامية الاقتصادية بصورة خاصة، رغم أن حقل الإعلام بمختلف تعقيداته وقضاياه بات من الحقول التي تحظى باهتمام الباحثين الإعلاميين على مستوى العالم إذ تصدر، سنويا، مئات الكتب بصدده على مستوى العالم، غير ان الباحثين في العالم العربي لم يلتفتوا إليه بالشكل المطلوب، كما هو دأبهم في المجالات الأخرى.

إبراهيم حاج عبدي

الكتاب: نحو اقتصاد سوق إعلامي

الناشر: دار كيوان ـ دمشق 2005

الصفحات: 300 صفحة من القطع المتوسط