لم يتناول علماء الاجتماع اللامساواة العالمية إلا بقدر قليل من التحليل على الرغم من ادعائهم أنهم من أكثر الخبراء العلميين تخصصا في دراسة اللامساواة والطبقية الاجتماعية. ومن الملاحظ الاهتمام بدراسة الأعراق والطبقات والتمايز الجنسي من دون الاعتراف بأن اللامساواة الكبرى تكمن بين أولئك الأفراد والوحدات العائلية التي تعيش في المجتمعات المتقدمة عن تلك التي في المجتمعات المتخلفة.
بهذه السطور تبدأ فصول كتاب «اللامساواة العالمية» الذي يعالج قضية حساسة وحيوية تتعلق بجانب من التناقض الذي يعيشه عالمنا المعاصر والذي يتمثل في ظواهر الاستغلال والمديونية والتضخم والبطالة والقمع والدكتاتورية وما إلى ذلك من معضلات. ويقدم فصول هذا الكتاب المترجم والباحث فالح عبد القادر حلمي ، الأكاديمي العراقي المخضرم المشهود له في منجزه في حقل الدراسات الأكاديمية وأبحاث العولمة.
في البدء يتحدث مراجع الكتاب الدكتور مظهر محمد صالح الباحث في اقتصاديات البلدان النامية والذي سبق له أن أشرف على العديد من الأطروحات الجامعية للباحثين وطلبة الدراسات العليا. يقول الدكتور حلمي: «ان الكتاب الذي بين أيدينا يكشف عن قصة صراع الإنسانية بين مسألتي ( النمو والمساواة ) ككفتي ميزان لم يستطع التاريخ الاجتماعي لعلم الاقتصاد الدولي ان يسوغ تعادلهما لتخطي حدود الفقر وتخلف التنمية الدولية طوال قرنين من الزمن وحتى يومنا هذا مادامت القوة الغاشمة للرأسمالية المركزية هي التي تصنع الحق من خلال توسيع وتعميق حدود تراكماتها الرأسمالية ودفعها صوب هوامش العالم ودوله المحبطة.
يضيف : لقد انتهى عقد العولمة الأول وساعة الإنسانية مازالت تطرق بعقاربها مدوية على جدران الاقتصاد الدولي كخيار مفتوح للمقاومة والدفاع عن حياة الجنس البشري في جنوب العالم حيث يتعرض لحالتي الفقر واللامساواة في توزيع الدخل والثروة وبخطى لم يسبق لها مثيل في تاريخ المجتمعات الإنسانية المعاصرة. فبمجرد النظر إلى بعض الحقائق الاقتصادية البسيطة الناجمة عن الآليات الرأسمالية المركزية في تهميش ثروة الأمم ستظهر لنا حقائق مهمة
إذ نجد مثلا انه في عام 1820 كانت فجوة اللامساواة بين أغنى البلدان وأفقرها هي بواقع 3 إلى 1 ثم أصبحت بنسبة 11 إلى 1 في العام 1913 ثم ازدادت في عام 1950 بنسبة 35 إلى 1 وباتت 44 إلى 1 في العام 1973 ثم قفزت إلى 72 إلى 1 في العام 1992 وانتهت في العام 2000 بواقع 75 إلى 1.
بعدها يتحدث الكتاب عن اللامساواة الداخلية.. ونهضة اليابان وهو المحور الذي يتناوله الباحثان ميشيل باتا والبرت برجسن حيث يذهبان إلى ان اللامساواة الداخلية ضمن نطاق الدول وفيما بينها قد ازدادت منذ منتصف القرن العشرين فتقارير البنك الدولي تشير إلى اتساع الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة عبر السنوات الخمسين المنصرمة ويعزى معظمه إلى ازدياد اللامساواة الداخلية على نطاق العالم بين الأفراد والوحدات العائلية. وبما ان المداخيل الوطنية تقارن عموما على أساس حصة الفرد،
فإن السكان عنصر مهم في جميع مقاييس اللامساواة العالمية. ويتضاعف تأثير قضايا السكان عندما توزن بيانات الدخل بالسكان. وعلى هذا ستعطى الزيادة والنقصان في السكان نقصا مقابلا أو زيادة في حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.
وهنالك في الأقل آليتان لا يتوقع أن يعطي التغير السكاني من خلالهما تغيرا مطابقا في الناتج المحلي. أولا ، يمكن ربط التغير في إجمالي السكان بالتغير العمري للسكان. وفي هذه الحالة ربما يرتفع عدد السكان من دون ان يرافقه ارتفاع مطابق في الناتج المحلي الإجمالي ليسبب نقصانا في حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وثانيا يمكن ان ينخفض النمو السكاني والإنتاجية في العمل، فالعمل ليس سوى احد المدخلات العديدة في الناتج الاقتصادي.
أما في محور اللامساواة الدولية في عصر العولمة للباحثان بول كيانتكل وستيفن بنكر ثم يناقش العالم فولكر بورنشير الأستاذ في معهد علوم الاجتماع بجامعة زيوريخ في سويسرا تفسير مقولة اللامساواة عبر النصف الثاني من القرن الماضي، ويذهب إلى ان الأسلوب التكنولوجي الجديد الذي برز منذ السبعينات يرتكز على المعرفة مقارنة بالأسلوب السابق.
وتمخضت عنه قطاعات قائدة جديدة عالية الإنتاجية : التليماتية والبايوتكنولوجية وحتى لو أعاد الأسلوب الجديد تنظيم الإنتاج والتوزيع والاستهلاك في عموم الاقتصاد القديم فسيساهم في الوقت الحاضر في ثنائية اقتصادية حادة بين الاقتصادين القديم والجديد. ولقد كان انتشار الأسلوب التكنولوجي الجديد متفاوتا حتى الآن حول العالم حتى لو نظرنا إلى البلدان الغنية فقط. ومن المحتمل ان يكون هنا احد الأسباب الرئيسية للاختلافات في الزيادة في اللامساواة الداخلية إذا ما قارنا بين البلدان.
فالحكومات غالبا ما تدفع باتجاه تطوير قطاعات اقتصادية جديدة ولهذا ترضى بازدياد اللا مساواة.علاوة على ذلك لم ينتشر الأسلوب التكنولوجي الجديد بشكل منتظم عند مقارنة المركز وشبه المحيط والمحيط الاقتصادي العالمي. ويذهب هذا العالم إلى ان التحول من الأسلوب التكنولوجي إلى الجديد كأساس للتطور الاقتصادي أدى إلى تفاقم سوء توزيع الدخل ضمن بلدان المركز ، وزاد فجوة الدخل مع افتراض بقاء الأمور الأخرى على حالها بين العالم المتقدم والأقل نموا وأصبح اشد وضوحا بالنسبة للمحيط وعلى نحو اقل لبلدان شبه المحيط.
و عن نقد تحليل النظم العالمية يكتب العالم السون بولر من قسم الاجتماع في جامعة ميسوري بأميركا عن حقيقة النظم العالمية المعاصرة وظاهرة اللامساواة وفي هذا الصدد يشير إلى العالم عمانوئيل ولرستاين باعتباره الراعي الأكبر للنظم العالمية من بين علماء اجتماع القرن العشرين حيث لاقى الاستحسان في تطويره تحليلا للرأسمالية في منتهى البساطة ولكنه معقد كنظام اجتماعي تاريخي فسره في مجموعة كتب من عدة أجزاء من الأعمال التاريخية الرفيعة.
وفي مجموعة من المقالات الزاخرة ببواطن الأمور، وفي هذه الطفرة الكبيرة إلى الأمام في دراسة تطور التخلف استخدم ولرستاين مفهوم براودل للاقتصاد العالمي الذي طوره من دراسة تاريخية ثرية لمنطقة البحر المتوسط إلى تكوين تقسيم محوري للعمل ،
ومن خلال تحليله الدورات النظمية والهياكل والاتجاهات واسعة النطاق على الأمد الطويل للرأسمالية كنظام تاريخي ، أعاد ولرستاين كتابة التاريخ الحديث من منظور بنائي وقلب رأسا على عقب الرأي المتفق عليه في علم الاجتماع والعلوم السياسية والاقتصاد لدى اليسار واليمين الذي يرى الدول كوحدات مستقلة عند التحليل قاطعة طريقها الخاص نحو الحداثة والمدنية ، ومنذ ذلك الحين استمر ولرستاين في قيادة تيار النظم العالمية إلى مآثر رائعة كان اقل ما فيها تحديد مواطن الإخفاق في فرضيات التحديث والتنوير الفكري في مؤسسات وهياكل المعرفة الجغرافية الثقافية للنظام العالمي الحديث.
ففي تلك الأثناء كثرت أدبيات النظام العالمي في ثرائها وتنوعها حسبما ناقشها بشكل عام كل من وليم مالارتن وبيتر غرايمر وتوماس هول على سبيل المثال لا الحصر. كما تضمنت الأدبيات مسارات بحثية جديدة وتحليل مقارن للنظم العالمية ونماذج دراسات وعددا من الأعمال النقدية القديمة والحديثة.
العالم جون تالبوت من جامعة ميسوري أيضا يناقش فكرة ان اللامساواة الدولية الجديدة قد أقحمت على اللامساواة الدولية القديمة ، ولان هذا الإقحام يمكن ان يساهم في تفسير ازدياد درجة اللامساواة في الاقتصاد العالمي اليوم. واستندت اللامساواة الدولية القديمة إلى التقسيم الاستعماري للعمل حيث يؤمن المحيط المواد الخام للصناعات الموجودة في المركز.
وتستند اللامساواة الجديدة إلى السيطرة على تدفق المعلومات ورأس المال للشركات الموجودة في المركز. ويؤكد الباحث انه قد استخدم في بحثه الإطار الذي وضعه العالم جيوفاني اوريغي في بحثه : القرن العشرون الطويل. للتمييز بين الشكلين القديم والجديد للامساواة الدولية وتشخيص الخصائص المميزة للشكل الجديد.
إذ جادل اريغي بأن من الممكن فهم تطور الاقتصاد العالمي الرأسمالي عبر الخمسمئة سنة الماضية على أفضل وجه بأنه متكون من أربع دورات تراكم نظمية ذات بنى متماثلة وهي الإيطالية والهولندية والبريطانية والأميركية، وهذه الدورات حددتها القوة المهيمنة التي عملت مركزا لتراكم رأس المال خلال كل دورة، وكل دورة منها بدأت بفترة أزمة شهدها النظام السابق اتسمت بعدم الاستقرار والتنافس المتزايد على رأس المال بشكل سريع من خلال تطوير وسائل الإنتاج في ظل توجيه القوة المهيمنة الجديدة.
وأدى هذا التوسع المادي إلى أزمة تراكم مفرط استهلت بفترة جديدة من التوسع المالي وعدم الاستقرار المتزايد وتجدد المنافسة على رأس المال أدت إلى نشوء أوضاع مهدت لصعود مهيمن جديد.
وفي المحور الأخير من الكتاب يساهم اندريه غوندر فرانك من جامعة ماساتشوستس في أميركا بمداخلة عنوانها «اللامساواة واستراتيجيات العولمة»، ويذهب الى ان كلمة العولمة تدل على عملية اتسم بها القرن التاسع عشر وحتى بدايات الحرب العالمية الأولى ، ومنذ ذلك الحين وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، عملت العولمة على نحو معاكس تجسيدا لطروحات بعض المفكرين.
ان استراتيجية العولمة في واقع الأمر لها تقلباتها ولا تمتلك طريقا واحدة ، سواء في سيرها إلى الأمام أم في الصعود كما نفهمها في لغة اليوم فخلال نصف القرن الماضي شرع العمل بعملية العولمة ثانية بجهد جهيد ولكن بشكل متقطع حتى العقدين الأخيرين ولاسيما العقد الأخير من القرن العشرين عندما استعادت النزعة العولمية أكثر من العولمة نشاطها الذي كانت تمتلكه أصلا قبل قرن مضى.
وان التقارب بين الاقتصادات إنما يتعلق باستراتيجية العولمة من جهة درجة انفتاح الأسواق وأنظمة التجارة الحرة، وتدفق العوامل المساعدة على حركة رأس المال والاستجابة للاختلافات الأساسية بين المناطق في توافر العوامل الإنتاجية والأسعار النسبية. يضاف لهذا عولمة أسواق العمل من خلال الهجرة وفتح الحدود.. وهو ما يناقشه الباحث بإسهاب مختتما فصول هذا الكتاب المهم في فصوله ومنهجيته وطريقة عرض المادة العلمية فيه وقربه من القارئ العادي فضلا على القارئ المتخصص.
طاهر علوان
الكتاب: اللامساواة العالمية
مراجعة: د. مظهر محمد صالح
الناشر: بيت الحكمة ـ بغداد 2005
الصفحات:352 صفحة من القطع الكبير