مؤلف هذا الكتاب هو مؤرخ.. ويترأس منذ عام 2002 المكتبة الوطنية الفرنسية. سبق له وقدم أكثر من عشرين كتاباً من بينها: «المال الخفي وأوساط رجال الأعمال والسلطات السياسية في فرنسا خلال القرن العشرين» و«المستقبل يأتي من بعيد»، وهذا كتاب عن تاريخ اليسار الفرنسي، و«تاريخ وسائل الإعلام» منذ البدايات حتى اليوم» و«الجمهورية بحاجة للتاريخ».. الخ.
هذا الكتاب «عندما يتحدى غوغل أوروبا» هو في واقع الأمر «رد مباشر» على مشروع كان محرك البحث الأكثر شهرة في العالم على شبكات الانترنت قد أعلن عنه يوم 14 ديسمبر 2004 ومضمونه هو أن هذه المؤسسة المعلوماتية الأميركية تريد ان تقوم على أساس خطة تستمر ست سنوات بـ «ترقيم» 15 مليون كتاب مطبوع في جميع أنحاء العالم..
أي ما يعادل مجموعه 5. 4 مليارات صفحة، رد الفعل الأول المحتمل على مثل هذا المشروع الهائل هو الابتهاج أمام ما يمكن أن يؤمنه من تسهيلات لـ «القراء وذلك لأنه أيضاً يمثل تجسيداً لحلم كانت ملامحه الأولى قد بدأت منذ نهايات القرن العشرين والذي يمكن تلخيصه بالصيغة التالية: جعل جميع معارف العالم خلال المسيرة الإنسانية متوفرة مجاناً على شبكات الانترنت في جميع أنحاء المعمورة، وبحيث يمكن على بعد آلاف الكيلومترات «الدخول» إلى مكتبة جامعة هارفارد او ميتشيغان أو غيرهما والاطلاع على محتوياتها.
إلى هنا ليس هناك إلا «الخير» في هذا المشروع لكن جان نويل جانوني يطالب بـ «التدقيق» أكثر وتأمل ماذا يمكن أن يترتب عليه من تبعات ونتائج بعيدة.
انه يعني في المقام الأول تكريس الهيمنة الكاسحة للولايات المتحدة الأميركية في مجال تحديد الأفكار التي سوف تشكلها الأجيال القادمة عن العالم، ذلك أن مؤسسة «غوغل» الأميركية وذات البعد الدولي، وحتى لو كان وراء مشروعها بـ «ترقيم» ما أمكن مما أنتجته ثقافات العالم، لا يمكن أن تقوم بذلك بدافع نشر الثقافة والمعارف «حباً فيهما».
ويؤكد المؤلف بأنه إذا كان ممكناً معرفة كيف تبدأ الأمور فإنه من العسير أن لم يكن من المستحيل، معرفة الكيفية التي سوف تتطور بها، ويمكن تصور اللجوء إلى «مقص الرقيب» بالنسبة لهذه الثقافة أو تلك لأسباب تتعلق مثلاً بالسياسة الخارجية الأميركية.
وما يشير إليه مؤلف هذا الكتاب هو أنه ليس هناك أي ضمان حقيقي أن تقوم الشركة الأميركية التي ستحتكر عملية «ترقيم» محتويات مكتبات العالم، بتنفيذ مشروعها بموضوعية كاملة بالنسبة لمختلف الأطراف.
ويشير المؤلف منذ البداية إلى الاتفاق الذي أبرمته مجموعة «غوغل»، كما أعلن مؤسساها «سيرغي بران» و«لاري باج» من مقرهما الرئيسي في كاليفورنيا، مع جامعتي «ستانفورد و«ميتشيغان» أولاً اللتين قبلتا وضع «ثروات» المعارف التي تحتوي عليها مكتباتهما تحت تصرف «غوغل» وذلك بالنسبة للكتب المطبوعة منذ عام 1920..
ثم انضمت بعد ذلك للاتفاق ثلاث جامعات شهيرة هي «هارفارد» و «نيويورك» و «اوكسفورد» لكن بدرجة أقل وبحيث تقدم عدة عشرات الآلاف من الكتب للمشروع، ويعتبر المؤلف أن وجود جامعة «اوكسفورد» يعطي للمشروع لوناً انغلوسكسونيا وليس أميركيا فقط.
وينضوي أيضا في إطار «التضامن» الانجليزي، الأميركي العريق الذي عبر عنه ذات يوم ونستون تشرشل للجنرال ديغول عندما أكد بأن بريطانيا لن تتردد ابداً باستمرار في ان تدير ظهرها للقارة وتتوجه نحو الضفة الأخرى للمحيط الأطلسي.
ويؤكد أيضا مؤلف عندما يتحدى «غوغل أوروبا» بإن هذا المشروع العملاق المقدم تحت أسم «غوغل برنت» ليس خاليا من النقاط غير الواضحة، خاصة على الصعيد التقني، والمالي.. وعلى هذا الصعيد الثاني يتم تقدير تكلفة المشروع ما بين 150 مليون و 200 مليون دولار..
وتقنيا كانت «غوغل» قد حصلت على آلات ـ بشر آليين ـ يمكنها أن تقوم بتقليب صفحات الكتب بإيقاع يتراوح بين 600 و 1200 صفحة في الساعة. كما تستطيع القيام بتصويرها ـ بواسطة «السكانر» بنفس السرعة هذه الآلات ثم تصنيفها تحت عنوان «سري خاص بالدفاع» مع ذلك يؤكد المؤلف، بأنه بقدر المعلومات المتوفرة ـ المسموح بها ـ حول هذا الموضوع «الحساس» فإن عملية «ترقيم» الكتب بواسطة هذا الآلات لا تبدو أنها سهلة إلى الحد الذي يراد الإيحاء به.
ويلفت مؤلف الكتاب الانتباه إلى أن فكرة «ترقيم» الكتب وتخزينها في ذاكرة الحواسيب ليست من اختراع الشركة الأميركية «غوغل» فالمكتبة الوطنية الفرنسية كانت قد شرعت قبل عدة سنوات بتنفيذ برنامج لـ «ترقيم» الكتب أطلقت عليه تسمية «غاليكا» بحيث يمكن الآن الإطلاع على محتويات 8000 كتاب بواسطة شبكة الانترنت.
لكن هذا لا يمنع أن هناك فرقا شاسعا «تقنيا» بين «غوغل» و «غاليكا» هو أن هذا الأخير هو مجرد عملية تصوير الكتروني «نمط الصورة» يقدم الصفحات كما هي وكما تمكن قراءتها في المكتبات.. بهذا المعنى لا تشكل هذه التقنية سوى نسخة متطورة لتقنية «الميكرو فيلم» التي شاعت قبل عدة عقود من الزمن.
لكن التقنية المستخدمة في مشروع «غوغل» تتبنى «نمط النص» بحيث تتم أولا عملية تصوير الكتروني «سكاناج» ليتم وضعها بعد ذلك في سطور بحيث يمكن عندها القيام بنفس العمليات التقليدية للنصوص الموجودة في شبكات الانترنيت بحيث يصار إلى قطع السياق أو نقل النصوص كليا أو جزئيا إلى موقع آخر والبحث عن كلمات أو تعابير، هنا يفتح المؤلف قوسين ليشير إلى أن «غوغل» لم تفصح حتى الآن عن نواياها بوضوح حيال مثل هذه الأمور التقنية،
لكن يبدو أن المكتبات الجامعية التي قبلت حتى الآن الدخول في مشروع «غوغل» قد حصلت على الضمانات بأن يغدو من غير الممكن «تعبئة محتويات الكتب بواسطة مستخدمي الانترنت... أي بتعبير آخر منع «القرصنة» مع ذلك، وفي كل الأحوال هناك فرق كبير بين الكتاب في حالته وفي كل الأحوال، هناك فرق كبير بين الكتاب في حالته الأولى والحالة التي يتم الوصول إليها حسب مشروع «غوغل». بالإضافة إلى هذا هناك العديد من المشاكل التقنية الخاصة بمسألة صيانة الآلات المستخدمة من قبل «غوغل»..
ثم إن عملية «التقليب» السريع للصفحات «آلياً» يمكن أن يعرض المؤلفات للخطر، خاصة القديمة منها والمطبوعة ما بين عام 1850 و1950 لذلك من المستبعد أن تقبل الجامعات الأميركية، وحتى الأكثر اندفاعاً منها نحو مشروع «غوغل» تسليم كتبها الثمينة دون تحفظات حقيقية.
هكذا مثلاً حدد مسؤولو جامعة هارفارد المعنيون بالمسألة بأنهم سيبدأون التجربة بأربعين ألف كتاب من أصل الـ 15 مليون كتاب التي تمتلكها مكتبة الجامعة، ولذلك كعملية «اختبار» لمعرفة أين ستذهب الأمور مع «الترقيم».
ويؤكد المؤلف أيضاً على أهمية وترقيم «الترجمات بين لغات القارة الأوروبية. يقول: «إن كل كتاب مكتوب بلغة أحد بلداننا الخمسة والعشرين (وأبعد من ذلك) وتتم ترجمته إلى لغة بلد، أو بلدان أخرى، ينبغي تخصيص مكانة لائقة له منذ الشروع في عملية الاختيار للكتب المهمة، ذلك أن مجرد اللجوء إلى ترجمته يشكل بحد ذاته إشارة ذات أهمية كبرى».
كذلك يذكر المؤلف في نفس السياق إلى خلل في عملية الترجمة بين ضفتي المحيط الأطلسي. ذلك ان نسبة مهمة من الكتب الانغلوسكسونية تتم ترجمتها إلى اللغات الأوروبية بينما لا تبلغ نسبة الكتب الأوروبية المترجمة والمنشورة في الولايات المتحدة سوى أقل من 3% من مجموع ما يتم نشره هناك.
وهذا ما يتم اعتباره كنتيجة للهيمنة «مع تلك الغطرسة الواعية إلى هذه الدرجة أو تلك التي تنتج عنها». ما يطالب به مؤلف هذا الكتاب يعبر عنه بشكل جيد العنوان الفرعي الذي اختاره والذي جاء فيه «من أجل انتفاضة».. وذلك في مواجهة الخطر الذي يمثله مشروع «غوغل» والذي أطلق عليه البعض تعبير «خصخصة» التراث الثقافي المشترك للإنسانية..
هذا ما يشير إليه أيضاً ما فعله «بيل غيتس» عندما اشترى وكالة للصور «كوربيس» وحولها إلى «بنك عالمي» للبيع. وضمن نفس الذهنية يمكن لـ «غوغل» ان يحتكر توزيع التراث الأدبي الفكري العالمي على الإنترنت.. وكما تمتلك شركة «ميكروسوفت» البرامج المعلوماتية وحيال مختلف الأخطار الصريحة منها والضمنية المترتبة على واقع الهيمنة تبرز محاولات لها دلالتها في كل من الصين، القوة الصاعدة، والهند، العملاق الآسيوي الآخر، اللتين بدأتها بالتفكير في مشاريع منافسة على صعيد «الترقيم» الالكتروني،
هذا لاسيما وان ثلاثة أرباع عمليات البحث على الإنترنت اليوم تمر عبر «غوغل»، ان الصين والهند وضعتا برنامجاً يخص مليون كتاب أصبح 50000 منها موجودة على الإنترنت ولا يتردد جان نويل جانوني، مؤلف هذا الكتاب، إلى التأكيد على شرعية مثل هذا الإجراء.
ويشرح جانوني، بأشكال مختلفة، بأن احد الأسئلة الكبرى تتعلق بمعرفة هدف أية عملية أرشفة، وبأي أفق تتم هذه العملية؟ انه يرى بأنه، وعلى الرغم من التأكيدات المتكررة لممثلي «غوغل» فإن طرق تنظيم المعطيات ليست حيادية لكنه مع ذلك بأنه قد يكون من الظلم محاكمة غوغل على النوايا واتهامها بالنفاق والفساد، وذلك على أساس انها تلعب لعبة المنافسة الاقتصادية» ثم يضيف: «يعود لنا إذن تأكيد اختلافاتنا وأن نلعب لعبتنا حسب طريقتنا».
وتتمثل إحدى وسائل الرد على أخطار قيام هيمنة ثقافية «قسرية» تفرض رؤية أحادية في زيادة «حضور» الانترنت في المدرسة وبحيث يتم تعليم الطلبة كيف «يتعلمون» وليس «تلقينهم كميات هائلة من المعلومات المتفرقة» وفي الإطار نفسه يتم طرح فكرة القيام بنوع من العمل الجماعي، الجهد الجماعي، تحت عنوان «إنقاذ كتاب» بحيث يقوم كل مستخدم للانترنت يقبل الانضواء في إطار عمل منسق بحفظ نسخة من كتاب مهدد بالتلف مع الزمن بسبب تدهور حالة أوراقه ..
وحفظها بتصويرها الكترونيا «سكاناج» كمساهمة في «سعادة الجميع» لكن فيما هو أبعد من أية جهود فردية أصبح مطروحاً بشدة على أوروبا منذ بروز مسألة «غوغل برنت» ضرورة تبني مشروع مقابل والبت بسرعة في احد خيارين فإما أن تطور «غوغل» أوروبي وإما تتبنى الاكتفاء بالقيام بعملية كبيرة لنقل الملايين من كتبها المطبوعة إلى لغة رقمية ـ ترقيم ـ مما قد يعطيها إمكانية فرض شروطها اذا أرادت «الانضمام» إلى مشروع «غوغل» وفي الحالتين عليها أن تقرر بسرعة ..
بل وبسرعة كبيرة ذلك ان «التاريخ يقفز» في هذا الميدان بكل الحالات ما يؤكده المؤلف هو أنه ليست هناك أية أمة أوروبية قادرة وحدها على أن تقوم «الانتفاضة» المطلوبة ولابد من عمل أوروبي جماعي فـ «الرهان هائل». «إن ثورة يتم تأخيرها يوماً واحداً قد لا تحدث ابداً» .. هذه الكلمات للمفكر الفرنسي الكبير «ديدرو» اختارها المؤلف كتقدير لخاتمة كتابه .. وهي تعبر تماماً عن مدى إلحاح مواجهة التحدي القادم من الجهة الأخرى للمحيط الأطلسي. وسؤال مشروع: أين مصير الكتاب العربي في هذا كله؟
الكتاب: عندما يتحدى «غوغل» أوروبا
الناشر: ميل اون نوي ـ باريس 2005
الصفحات: 114 صفحة من القطع الصغير
Quand Google defit leurope
Jean. Noel zeanneney
Mille Et une nuits - paris 2005
P. 114