الكاتب وأستاذ الأدب الانجليزي في الجامعات الأردنية الفلسطيني الأصل الدكتور محمد شاهين الذي صدر له مؤخراً أكثر من كتاب حول المفكر المعروف الدكتور ادوارد سعيد يحاول الإجابة في كتابه «ادوار سعيد:رواية للأجيال الإجابة عن سؤال مركزي يطرحه في مقدمة الكتاب حول الأسباب التي جعلت منه مفكراً يحرز كل المجد الذي استطاع أن يحرزه كمفكر ريادي، ومناضل وطني وإنساني ضد الاغتصاب والظلم والاستبداد وفي الإجابة عن هذا السؤال يؤكد شاهين أن سعيد شكل ظاهرة قابلة للتأمل أكثر منها للتأويل.
ولعل المتأمل في فكره يلاحظ أن هذا الفكر ثنائي التركيب، ومفتوح على العلم بعيداً عن أحادية المكان أو الزمان، ومن أبرز ملامح هذه الظاهرة تحويل سعيد ذاته الفردية إلى ذات جماعية امتزجت مع قضيتها الفلسطينية، واستطاعت أن تنقل هذه القضية إلى مستوى عالمي إذ قام بنحت صورة كونية لها.
ويضيف أن هذا المفكر عبر عن هذه الكونية في مواقفه وأفكاره في أوائل الثمانينات تحت عنوان «العالم، النص والناقد» وفي هذا الكتاب أكد أن النص الأدبي أو الثقافي لا يولد من فراغ ولا يعيش في فراغ، وتحده ظروف معينة ترتبط بسيرة المؤلف!
وتاريخ مجتمعه دون أن ينكر دور المؤلف الماهر في ايجاد أدواته التي يستخدمها في بناء النص، كما لا ينكر فرديته وتميزه، لكن هذا النص عملياً كان أم نظرياً هو في حالة سفر مما يمنح النص ديناميته الدائمة.
ويشيرالكاتب إلى أن (ادوارد) تميز عن باقي السياسيين والمفكرين برؤيته الكونية، وبقدرته على توظيف شتى أنواع المعرفة لتأسيس معنى لحياتنا في العالم من خلال تفعيل هذه المعرفة وقد رفض الفصل بين الجماليات والعالم المعاش الذي تملي علينا الحياة اختباره، واختبارنا فيه.
ثم يبرز شخصيته الموسيقية كناقد موسيقي معروف وعازف بيانو اضافة إلى ذوقه الموسيقى المتمثل في الميل إلى الموسيقى التي تتألف من أصوات عدة كموسيقى باخ، وعن دور الوثيقة، وعلاقتها بالحقيقة ينقل عنه تساؤله هل غياب الوثيقة يعني غياب الحقيقة، كما هو الحال بالنسبة لقضية فلسطين، الأمر الذي يستدعي استنطاق الصمت، وهو ما حاوله في توظيف الصورة للوصول إلى هذه الحقيقة.
يتألف الكتاب من عدد من الدراسات التي تتناول جوانب مختلفة في فكر ادوارد وطروحاته، ومواقفه، ومؤلفاته يبدأها أولاً بدراسة حملت عنوان «اشراقة عربية في عالم الفكر يستهلها بوصف مكتبه وشخصيته التي تطالع الزائر، وتشعره لأول وهلة بالارتياح الشديد حتى يستدرجه الى نسج وشائج مودة انسانية معه.
ثم يتحدث عن نشأته المقدسية، ودراسته في احدى مدارسها أولاً وانتقاله بعد ذلك إلى القاهرة والولايات المتحدة لمتابعة دراسته العالية التي أهلته للتدريس في الجامعات الأميركية، والحصول على أرفع الزمالات العلمية واستضافته من العديد من الجامعات العالمية، وفي حين ظهرت كتاباته في أرفع المجلات والصحف العالمية، بالإضافة إلى كتبه العديدة التي حظيت بشهرة كبيرة في العالم ككتاب الاستشراق، كتاب المسألة الفلسطينية والأدب والمجتمع.
بعد هذا التعريف بمكانته العلمية والفكرية يتحدث عن كتاب الاستشراق الذي قدم أدلة مستقاة من كتابات عدد كبير من المستشرقين في القرنين الماضيين يظهر فيها المستشرق الغربي وهو يحاول تطويع مجموعة من المعارف تعينه على تهجين المستهجن عندما يحصل تماس بين الغرب والشرق، ثم يناقش الكاتب رد الدكتور محمد جابر الانصاري على مقالة لادوارد نشرت في جريدة «الحياة» تتحدث عن مذابح اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية مبيناً أن تأسيس الروابط والتماهي والصلات هو أسلوب مشروع وعلمي مؤثر في اطار الفكر والجدل والحوار.
وفي دراسة أخرى يناقش محاولات تشويه المفكر الذي تعرض لهجمات كثيرة من المفرضين، لكنه واصل نشاطه الفكري فكانت ولادة كتابه «الثقافة والامبريالية» الذي حاز اعجاب مختلف الدوائر الفكرية التي رأت فيه طرحاً للثقافة ضمن سياق الحداثة وما بعد الحداثة ثم يتحدث عن كتابه «خارج المكان» الذي يحكي حكاية فلسطيني فقد وطنه.
وقد أثار هذا الكتاب عاصفة هوجاء، حيث نفدت الطبعة الأولى منه في أقل من شهرين، أما كتابه الاستشراق الذي ظهر عام 1978 فيعد الكتاب الأول الذي جعل من الاستشراق أطروحة داعمة ومدعومة سعت إلى التعمق في مناقشة طبيعة العلاقة بين الشرق والغرب بجرأة وذكاء الأمر الذي جعل منه حجر الزاوية في كل دراسة لها علاقة بالاستشراق.
ويعرض الكاتب لأطروحة الكتاب المتمثلة في أن معظم ما كتب عن الشرق هو صورة وهمية تتكون من مجموعة من التصنيفات، والتنميطات التي تظهر الشرق من زاوية فهم غربية افترضت أن الشرق مختذل في كونه شيئاً غير أوروبي، إذ أخذ الغرب يمارس من خلال هذه المعرفة قوته وهيمنته على الشرق، ويوضح المفكر ادوارد أن المستشرقين استغلوا في تصويرهم للشرق ناحيتين فنيتين أولاهما: ناحية أكاديمية شكلت غطاء شرعياً ساهم في تسهيل مهمة الاستعمار والناحية الثانية التي تتمتع بقيمة كبيرة في التأثير فهي الخيال.
وقد صاغ هؤلاء المستشرقون صورة الشرق بحيث بدت كأنها تمثيل أو انعكاس خفي للواقع وكان لذلك دوره في تسويق الاستشراق، ثم ينتقل الكاتب إلى كتاب آخر هو رواية الطيب صالح التي تتحدث عن العلاقة بين الشرق واغرب بصورة معاكسة للاستشراق، ويشير الكاتب في هذا الصدد إلى المرجعيات الفكرية الغربية التي استعان بها ادوارد وفي طليعتها كتابات ميشيل فوكو الذي يقوم جدله على أن المجتمع الحاضر الذي نعيش فيه هو مجتمع منظم يمارس وظائفه ليس من خلال ممارسة القوة، وإنما بالاستكانة إلى التنظيم فكل فرد يعيش داخل مجموعة يعرف مكانته فيها، ووظيفته ومهمته.
يفرد الكاتب لصورة المثقف في فكر ادوارد سعيد دراسة خاصة يبرز فيها طروحاته حول تداخل الثقافات، واعتماد محتوياتها، وتاريخها على بعضها البعض، إضافة إلى تعريفه للمثقفين بأنهم شخصيات تمارس نشاطاً شعبياً لا يخضع للتنبؤ، ولا يكون تحت ضغط الشعارات ولا ينتج عن التعصب الجامد، على أن تكون الكونية ضرورية للمثقف لأنها تحميه من الثوابت السهلة.
ويتحدث عن تركيز ادوارد على العلاقة بين المثقف والمجتمع، وعلى تلازم الثقافة والحرية ثم يبين فضله على الثقافات الغربية، ومفهوم المثقف والثقافة، يعرض بعد ذلك للكتابات المهمة التي كتبت حول شخصيته، ومؤلفاته، ومن أهمها ما كتبه كريستوفر هتشنز صديقه إذ وصفه بالأنفة الشامخة النبيلة، وكذلك ما قالته جاكلين روز أستاذة المسرح في جامعة لندن التي رأت فيه مناضلاً حمل آلام الناس في هذا العالم.
وفي دراسة أخرى يتناول المراجعات التي كتبت عن مؤلفاته، ويصنفها في صنفين رئيسيين:
ـ الصنف الأول ويشكل الغالبية العظمى التي تتسم بتقديم اعتراف صريح لعبقرية المفكر الموسوعي أما المصنف الثاني فعبر عنه عدد محدود من المقالات كتبت انطلاقاً من ايديولوجية واضحة، وللرد عليها يقوم بعرضها، ثم مناقشة أطروحاتها والمغالطات التي وقعت فيها، إلا أنه يعود كما يفعل في أغلب دراساته إلى الحديث عن موضوع آخر هو كتاب ادوارد سعيد «الثقافة والامبريالية»حيث يعرض لطروحاته التي قدمها في مقال بعنوان «بين عالمين».
وفيها يلخص تجربته التي عاشها بين عالمين عالم الشرق وعالم الغرب، وفيها يركز على التماهي بينه وبين الروائي جوزيف كونراد لاسيما على مستوى حياتيهما بالمنفى مع التركيز على أن منفى ادوارد مختلف عن بقية المنافي في العالم والتاريخ كما يقدم عرضاً لقراءة ادوارد لرواية كونراد «قلب الظلام» وذلك في كتابه «الثقافة والامبريالية حيث يروي مدى التأثير الذي مارسته عليه هذه الرواية لاسيما ابداعها في وصف الاستعمار، أما ادوارد فقد عاش هوية عالمين لا مثيل لتعقيد العلاقة بينهما.
إن أهمية منهج ادوارد الفكري تكمن في عدم توقفه عن أي تأثير يصل إليه من أي كاتب متميز، إذ سرعان ما ينتقل بهذا التأثير إلى آفاق جديدة متعددة يكشف فيها عن الحقيقة التي تختفي وراء تلك الكتابات ويضيف الكاتب أن ادوارد ألف كتابه بدايات وبذهنه حرب 1967 التي تنشب أظفارها في أعماق وعيه، وقد تأمل الحرب على أنها ليست مجرد حدث أو واقعة، بل نص أحكم صنعه لاسيما عندما تم ادخاله إلى نصوص العالم عملاً وفعلاً.
وقبل أن ينتقل إلى الدراسة الأخيرة يعرض للنهج الذي قدمه في الفصل الثاني من الكتاب والذي حمل تأملات البداية، إذ رأى في النهج قانون استمرارية نجده بين الأشياء التي لا نستطيع فهم قانون الاستمرارية فيها، وقد أكد ادوارد أن العقل الإنساني لعب دوراً رئيسياً في تكوين نهج البداية وأن فيافي النفس تمتلك حيزاً فسيحاً يؤوي أعقد الأمور وأصعبها.
ثم يتحدث عن البداية في رواية جبرا إبراهيم جبرا «البحث عن وليد مسعود» إذ ان هذه الرواية هي خير تطبيق لما تضمنه بدايات ادوارد من أفكار في غاية العمق والتعقيد دحض فيها مزاعم الصهيونية التي ترتكز في ايديولوجيتها على أن التشبث بالوطن هو الأصل، وأن فلسطين هي منحة إلهية للصهيونية، وقد رأى في هذه الفكرة فكرة ساكنة، وأن المقدس هو إيمان بالوصاية على العالم.
في ختام الكتاب يعود الدكتور شاهين للحديث عن حياة ادوارد في أميركا ولبنان أثناء دراسته الجامعية، وعن أفكاره المختلفة التي قدمها في كتاباته ومقابلاته الصحفية والتي شكلت ملامح انجازاته الفكرية منذ البداية وحتى النهاية حيث تؤكد على أهمية التحول في كتابات القرن العشرين من الاعتماد على الأصول وإعادة سردها، والتسليم بها كمرجعية في الكتابة إلى الاعتماد على بنية تركيبية يقوم بإنجازها العقل بمساندة اللغة.
وفي النهاية يقدم سرداً لبعض الأعمال التي ألفها أصحابها ووظفت في خدمة الاستعمار مركزاً على نقد ادوارد سعيد لها الذي يقوم في أساسه على أن الأشكال الثقافية تكتسب شرعية اجتماعية دون أن تكشف عن الواقع الذي تكمن فيه الدوافع الاستعمارية وهنا تكمن خطورة مثل هذه الكتابات التي عمل على نقض طروحاتها باستمرار، والكشف عن حقائقها الخفية.
أحلام سليمان
الكتاب:ادوارد سعيد رواية للأجيال
الناشر:المؤسسة العربية للدراسات بيروت 2005
الصفحات:207 صفحات من القطع المتوسط