الباحث والاكاديمي العراقي الدكتور ابراهيم جنداري جمعة يرصد في كتابه النص المسرحي العربي ونكسة حزيران/يونيو الكبيرة والواسعة التي خلفتها هذه النكسة على الوعي الفكري والجمالي العربي نظرا لارتباط المسرح بقضايا الأمة والواقع وسعيه للتعبير عن هذه القضايا واعادة طرح الأسئلة المصيرية التي اثارتها هذه النكسة ومن اجل ادراك الرؤية التي قدمها المسرح للواقع ومدى تمثله جماليا لتحولات الواقع وسياقاته الاجماعية والسياسية التي كانت تحدد مساره.
عمد الباحث إلى تقسيم الكتاب الى قسمين اساسيين اولهما الاتجاهات المسرحية العربية قبل النكسة، وثانيهما المسرحية العربية والنكسة في حين خصص الفصلين الآخرين للبحث في الكيفيات التي حاول النص المسرحي العربي تجاوز اثار النكسة والبحث عن صيغ واشكال جديدة للكتابة المسرحية بهدف تأصيل هذه الكتابة وتطويرها.
يبحث الفصل الأول من الكتاب في الاتجاهات المسرحية العربية قبل النكسة ويقسم هذه الاتجاهات إلى اتجاهين أساسيين، هما الاتجاه الوطني الذي لجأ فيه الكتاب المسرحيون إلى احياء الماضي والى توطيد علاقة المسرح بالمجتمع اما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه القومي الذي عني بالقضية الفلسطينية وبحركات التحرر والثورات العربية.
ويؤكد الباحث ان العالم العربي في المرحلة التي سبقت النكسة عام 1967 كان يعيش حالة تفاعل دينامية وانتعاش اقتصادي في حين انه على المستوي السياسي كان يعاني من القلق بعد ان تنازل الكتاب عن حقهم في ابداء الرأي وعن واجباتهم تجاه المجتمع وانشغلوا بالدعاوى والتبشير.
لكنه قبل ان يناقش هذه القضية يشير إلى صعوبة الفصل بين الاتجاه الوطني والاتجاه القومي اذ انهما يتداخلان احيانا إلى درجة كبيرة ولتلافي ذلك يحاول التركيز على الحلقات الأقل تداخلا مبينا دوافع الخلق الفني وأثره في تحديد اصالة المادة الفنية.
يوزع الباحث دراسته للاتجاه الوطني على محوري التاريخ والمجتمع ويرى ان الكتاب المسرحيين اتجهوا في معالجتهم لموضوع التاريخ اتجاهات شتى منها ذكر، الابطال وعرض بطولاتهم أو توظيف المأثور من وقائع العرب واخبارهم وبعد ان يقدم تعريفه للمسرحية التاريخية يبين ان هؤلاء الكتاب توزعت اهتماماتهم على محاور عدة اهمها التاريخ العام وتاريخ العرب القديم والكتب المقدسة وتاريخ الشرق الإسلامي الحديث والقصص الشعبي.
ويأتي الشاعر أحمد شوقي في مقدمة هؤلاء الكتاب وكذلك عزيز اباظة، وقد شكلت الاندلس ومرحلة نهاية الحكم العربي فيها موضوعا للكثير من الكتاب والاعمال المسرحية، ومن الكتاب الآخرين الذين يعرض لاعمالهم الكاتب عبدالرحمن الشرقاوي والفريد فرج وخليل الرحيمي وعلي احمد باكثير ونعمان عاشور من مصر وعبدالمجيد شوقي وحنا رحماني وسليمان الصائغ وعادل كاظم من العراق.
وعن علاقة النص المسرحي بالمجتمع يقول ان الثورة كانت نقطة انطلاق المسرح في مصر كما تجلى ذلك في نصوص محمود تيمور التي صورت حالة المجتمع في تلك المرحلة وتوفيق الحكيم الذي نظر إلى علاقة الفرد بمجتمعه على انها اشبه بعلاقة السجين بالسجان في حين ان يوسف ادريس ركز على العلاقات الطبقية ومسألة استغلال الفلاح وقدم سعد الدين وهبه الفلاح المصري ثائرا متسامحا لكنه لا يقهر.
ومزج في لغته المسرحية بين الرمزية والواقعية في الوقت الذي تجلت الثورة فيه عند رشاد رشدي في التغيير السريع لكل ما لا يتفق مع العلاقات الإنسانية واعتبر نعمان عاشور الوحيد الذي عبر عن أهداف الثورة وينتقل الباحث لدراسة هذه العلاقة في المسرح العراقي عند شاكر خصباك وطه سالم ويحيى عبدالحميد ومحاولتهم تحديد معنى الحياة ، أما بالنسبة إلى الحركة المسرحية في الكويت والتي تعد أقدم حركة مسرحية في الخليج العربي فيجد انها ظلت تفتقد إلى التنوع وفي مرحلة البحث عن الذات حيث يمثل صقر الرشود ابرز رموزها.
على صعيد الاتجاه القومي يتناول أولا الموضوع الفلسطيني كما تجلى في المسرح العراقي وموضوع التحرر والثورات العربية في نصوص الكاتب محمود السعدني ومصطفى الحلاج، اللذين تناولا موضوع الثورة الجزائرية في حين ان الكاتب عبدالرحمن الشرقاوي حاول ان ينقل الحدث من اطاره المحلي إلى افقه الإنساني.
وينتقل الباحث في الفصل الثاني إلى دراسة علاقة النص المسرحي العربي بنكسة حزيران حيث يوزع هذه الدراسة على ثلاثة محاور يتناول في المحور الأول الاعمال المسرحية التي واكبت النكسة بسرعة وفي المحور الثاني السياسة خلف الاقنعة وفيه يبحث في الأسباب التي استدعت استخدام هذه الأقنعة والعودة إلى التاريخ اما المحور الثالث فيناقش فيه الموضوع الفلسطيني من جديد.
وقبل الإشارة إلى النصوص التي تناولت موضوع النكسة يشير إلى أن المسرحية العربية لم تتمكن من تقديم رؤية سياسية واضحة ومتكاملة للواقع العربي ومداخلاته التي قادت إلى النكسة وتتحمل هذه النصوص قسطا كبيرا من المسؤولية إذ مارست الخديعة التي أسرت المواطن العربي وعندما يتحدث عن المسرحيات المواكبة بسرعة للحدث يشير إلى مسرحية «المسامير»لسعد الدين وهبة.
ومسرحية « السيل»للشاعر علي كنعان ومسرحية «الطوف»لفؤاد التكرلي ينتقل بعدها الى دراسة الأسباب التي جعلت السياسي يتخفى وراء الأقنعة والعودة إلى التاريخ إما بحثا عن صفحاته المضيئة أو لإضاءة التجربة التاريخية واستخلاص العبر.
كما برز ذلك في أعمال عبدالرحمن الشرقاوي التي حاول فيها توظيف رمزية الحسين واستشهاده ، وعند ممدوح عدوان في مسرحيته «الرجل» الذي لم يحارب والتي اختار لها مرحلة غزو التتار ويرى أن مصطفى الحلاج في مسرحيته «احتفال ليلي خاص» لدريسدن قدم الحدث من منظور أكثر شمولية من الكتاب الآخرين.
في المحور الآخر الذي يتحدث فيه عن علاقة النص بالقضية الفلسطينية يعرض لأعمال مسرحية عربية عديدة طالبت بالمقاومة وحاولت مواكبتها كما عرضت لها بأسلوب مباشر ومن هذه الأعمال مسرحيات سهيل إدريس وعبدالرحمن الشرقاوي ومحيي الدين زنكنه وعلى العكس من ذلك ظلت أعمال معين بسيسو والفريد فرج في الإطار التاريخي كما في مسرحية بسيسو« ثورة الزنج».
ويبحث الفصل الثالث من الكتاب في البعدين العربي والعالمي اللذين اضاءتهما النكسة إذ انكب كتاب المسرح على البحث في الأسباب التي أدت إلى هذه النكسة ومن بينهم علي سالم في مسرحية «أنت اللي قتلت الوحش»ومصطفى الحلاج في مسرحية «الدراويش»حيث حاول الكاتبان البحث عن الحقيقة أما محمد الماغوط في «المهرج »ورياض عصمت في« لعبة الحب والثروة» فحاولا تجسيد واقع الحياة السياسية العربية التي قادت الى الهزيمة.
وبعد أن يعرض لمضامين هذه المسرحيات يتحدث عن مسرحية «حفلة سمر من أجل 5 يونيو »لسعد الله ونوس ثم يتناول البعد العالمي في مسرحيات الكاتب الجزائري كاتب ياسين الذي اتخذ من الثورة الفيتنامية موضوعا له والكاتب الفلسطيني معين بسيسو الذي استخدم شخصية غيفارا والعراقي جليل القيسي الذي ركز على أزمة الجيل العربي والسوداني رؤوف مسعد الذي تناول شخصية الزعيم الافريقي لومومبا.
وينتقل الباحث من عرض وتحليل أشكال الوعي الذي تجلى في تلك الأعمال المسرحية الى دراسة أثر هذه النكسة على البنية المسرحية وقد ظهر ذلك في تأرجح محاولات خلق بنية مسرحية جديدة وفي تأثر هذه المسرحيات بالتراث وسعيها للعودة الى أشكال المسرحية العربية القديمة ممثلة في حكايات ألف ليلة وليلة والمقامات والسير الشعبية إضافة إلي التقاليد المسرحية الشعبية القديمة.
كذلك يتناول موضوع اللغة والحوار والشخصيات في هذه الأعمال مشيرا إلى أن السمات الجريئة لتلك الأعمال لم تقف عند حدود مواضيعها بل تعدتها إلى أعماق الشكل الفني ومن أبرز هذه الآثار خلق ظاهرة مسرحية عربية تميزت بالجرأة في استعمال الأساليب والمنطلقات المسرحية الحديثة دون أن يعني ذلك التخلي نهائيا عن أساليب المعالجة التقليدية.
الظاهرة الثانية التي برزت في هذه الأعمال هي ظاهرة الهامشية التي تؤكد ارتباط الكاتب بقضايا المجتمع ويضيف الباحث ظاهرة أخرى هي ظاهرة التجريب ثم يتحدث عن المسرح التسجيلي عند سعدالله ونوس واستخدامه لمنطلقات وأساليب شتى في التعبير عن النكسة يخلص بعدها إلى ان المسرحية العربية لم تتمكن من رسم شكل واضح المعالم يميزها.
وظلت تحمل الرغبة في التجريب إلا أنها بقيت على صعيد آخر تمتلك نموا ذاتيا للفعل الدرامي من خلال فنون السيرة والقصص الشعبي اذ فرض هذا التراث نفسه على رواد المسرحية العربية منذ البداية ويقدم عددا من الأعمال تمثل أبرز محاولات الاستفادة من التراث هي مسرحية «شهرزاد» لتوفيق الحكيم و«سر شهرزاد »لعلي احمد باكثير.
ومسرحية «حلاق بغداد» لألفريد فرج ومسرحية «السؤال» لمحيي الدين زنكنه و«الزير سالم » و«الفرافير» ليوسف ادريس إضافة إلى مسرحية« ليالي الحصاد» لمحمود دياب الذي مزج في هذا العمل بين مسرح السامر ومسرح الحكواتي ومن التجارب المميزة الأخرى مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر» لسعد الله ونوس وقد اعتمد الكاتب فيها على شخصية الحكواتي أيضا.
الفصل الأخير من الكتاب يتناول الشخصيات المسرحية وبنية النصوص التي يجد أنها تتميز بكونها مسرحيات أحداث ومواضيع أكثر من كونها مسرحيات أنماط وشخصيات ويذهب إلى أن بعض الشخصيات ظلت تعاني من تناقض واضح بين طبيعتها ودلالاتها.
كما لم تبرز فيها شخصيات درامية لها ملامحها الانسانية الواضحة وأبعادها النفسية المميزة وفي الخاتمة يسجل الباحث مجموعة من النتائج التي توصل إليها البحث منها تزاوج القضايا الوطنية والاجتماعية واثر ذلك على المسرح العربي الذي شهد تطورا واضحا في الشكل واستفاد من المسرح العالمي فنياً وجمالياً.
مفيد نجم
الكتاب: النص المسرحي العربي ونكسة يونيو
الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2004
الصفحات: 255 صفحة من القطع الكبير