مؤلف هذا الكتاب هو الباحث إيان دافيدسون المختص بتاريخ الفلسفة الحديثة وبخاصة فلسفة التنوير. وهو يقدم هنا سيرة ممتعة عن حياة فولتير الذي عاش في المنفى أكثر من ثلاثين سنة قبل أن يسمحوا له بالعودة إلى باريس، مسقط رأسه، ومعلوم أن اسم فولتير ملأ الدنيا وشغل الناس على مدار القرون الماضية ولا يزال، فهو رمز على محاربة الكنيسة والتعصب الديني ومحاكم التفتيش.

وقد ولد في باريس عام 1694 ومات فيها عام 1778 عن عمر يناهز الرابعة والثمانين. وبعد أن درس في أفضل المدارس الفرنسية على يد اليسوعيين، راح يتفرغ للقراءة والكتابة، وأخذ ينظم الشعر في مدح الكبار من أمراء وسواهم لكي ينال المجد والشهرة والمال أيضاً، فقد كان يعتقد أنه شاعر، ولكن التاريخ كشف عن خطأ هذا الاعتقاد، فقد كان مفكراً لا شاعراً.

ولكن في عام 1725 حصلت له حادثة أثرت عليه كثيراً، فقد اختلف مع أحد النبلاء الإقطاعيين حول قضية معينة، وحصلت بينهما ملاسنة حادة، وعندئذ أرسل له هذا الشخص بعض أزلامه لضربه وإهانته ثم لم يكتفوا بذلك وإنما وضعوا الحق عليه وسجنوه في سجن الباستيل الشهير!

وقد قال له أحد أصدقائه:لقد أخطأت إذ اختلفت مع ابن عائلة إقطاعية كبيرة، كان ينبغي عليك أن تسكت فلا ترد عليه، فالنبلاء لا أحد يرد عليهم، ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه:والواقع أن فرنسا كانت محكومة آنذاك من قبل طبقة النبلاء الإقطاعيين، أي أبناء العائلات الكبرى، وأما أبناء الشعب فكانوا أقل من اللاشيء، وهذا ما لم يفهمه فولتير، وما لم يرد فهمه فدفع الثمن باهظاً.

فالقانون في ذلك الزمان كان اعتباطياً وتعسفياً ولصالح الأقوياء ضد الضعفاء بعد أن خرج من سجن الباستيل سافر فولتير إلى انجلترا لكي ينسى هذه المحنة، أو بالأحرى الإهانة وقد اطلع هناك على النهضة الانجليزية في المجالات كافة من مسرح وفكر وعلم وفلسفة، وكانت انجلترا آنذاك متفوقة على الدول الأوروبية كافة من حيث التقدم العلمي والصناعي والسياسي.

ثم يردف المؤلف قائلاً:وكانت انجلترا تعيش آنذاك في جو من التسامح الديني والانفتاح الفكري، هذا في حين أن فرنسا كانت تعيش في ظل نظام أصولي، إقطاعي، متعصب وبقي فولتير هناك سنتين أو أكثر حيث اطلع على علم نيوتن وفلسفة جون لوك، وعاد إلى فرنسا وهو مليء بالحماسة للفلسفة العقلانية الانجليزية، وفي ذات الوقت كانت نقمته عارمة على تخلف الفرنسيين.

وقد شرح كل ذلك في كتابه الفلسفي الأول:رسائل انجليزية، أو رسائل فلسفية ولكن السلطة صادرته فوراً وأمرت بحرقه وملاحقة مؤلفه، لحسن الحظ فإن فولتير قد احتاط لنفسه هذه المرة فهرب من فرنسا لكيلا يدخل في غياهب السجن مرة أخرى.

والواقع أن المقارنة التي أقامها فولتير بين وضع فرنسا ووضع انجلترا آنذاك كانت مزعجة جداً للسلطات الفرنسية، ففي الرسالة الأولى قال إن فرنسا لا تسمح إلا بوجود مذهب مسيحي واحد هو المذهب الكاثوليكي، هذا في حين أن انجلترا تسمح بعدة مذاهب وتيارات فكرية، وهذه المذاهب تتعايش مع بعضها البعض بكل محبة وسلام ووئام.

وبالتالي فالتعددية ليست خطراً على وحدة الأمة على عكس ما يزعم أصحاب الوحدة الصارمة أو الأحادية الدينية والمذهبية، ولهذا السبب فإن انجلترا تشهد عصر الحرية الديمقراطية، هذا في حين أن فرنسا تبدو استبدادية بشكل مطلق، وفيها تسرح طبقة النبلاء الإقطاعيين وتمرح وتسيطر على كل الثروات تقريباً من دون أن تشتغل، فهي عاطلة عن العمل والآخرون هم الذين يشتغلون، وكانت هناك ثلاثمئة عائلة تسيطر على مقدرات فرنسا وثرواتها.

كما أن الفرنسيين يحتقرون التجارة على عكس الانجليز، بحسب ما يقول فولتير. ويضيف أيضاً: وكذلك الأمر فيما يخص الفلاحين، فهم مسحوقون في بلد كفرنسا في حين أنهم معززون مكرمون في انجلترا، وما هو السبب يا ترى؟ هل يعود إلى تفوق العرق الانجليزي على العرق الفرنسي؟ بالطبع لا، يقول فولتير، وإنما هو يعود إلى تفوق النظام السياسي الانجليزي على النظام السياسي الفرنسي.

فالأول يقوم على حكم القانون والبرلمان، أما الثاني فيقوم على الاستبداد وعدم الاعتراف بإرادة الشعب. في النظام الفرنسي لا يوجد حكم قانون وإنما حكم التعسف والاعتباط، فالطبقة الإقطاعية الارستقراطية تقف فوق القانون ولا ينطبق عليها، وبالتالي فتستطيع أن تفعل في الشعب ما تشاء دون أن يحاسبها أحد. والفلاح غني وفخور بنفسه وأوضاعه في انجلترا في حين أنه ذليل في فرنسا.

يضاف إلى كل ذلك أن الضريبة مقسّمة على الجميع بشكل عادل في انجلترا في حين أنها ظالمة كل الظلم في فرنسا، فالشعب الفقير المؤلف من جماهير الفلاحين هو الذي ينوء تحت وطأة الضرائب المرهقة، وهو الذي يدفع الأموال إلى الأغنياء والنبلاء الإقطاعيين لكي يستمتعوا بها ويترفهوا في قصورهم وصالوناتهم الباريسية، وأما الشعب فيموت من الجوع.

على هذا النحو راح فولتير يفرّغ جعبته ضد فرنسا وحكومتها عن طريق الثناء على غريمتها ومنافستها انجلترا، ولكي ينتقم فولتير من ملك فرنسا لويس الخامس عشر الذي احتقره واضطهده هاجر إلى بروسيا عند ملكها الكبير فريدريك الثاني، ومعلوم أنه كان صديقه ومعجباً به، فقبل أن يصعد فريدريك على سدة العرش كان يعتبر نفسه تلميذاً للفيلسوف فولتير، وكان يتراسل معه حول مختلف قضايا الأدب والفكر والدين والحياة.

وقد استقبله ملك بروسيا بالأحضان وخصص له راتباً كبيراً وعيّنه على رأس الأكاديمية وخلع عليه الهدايا والهبات، وهناك أنهى كتابه عن عصر لويس الرابع عشر وابتدأ بتأليف كتاب جديد تحت عنوان:التاريخ الكوني، ولكن الأمور سرعان ما ساءت بين الملك والفيلسوف لأسباب شتى، وعندئذ افترق فولتير عن ملك بروسيا وسافر في حال سبيله.

ولم يعد يعرف أين يستقر، فأبواب باريس مغلقة في وجهه بسبب حقد النظام والأصوليين المسيحيين عليه. والكنيسة الكاثوليكية تقلقه بعد أن شنّت هجوماً كبيراً عليه، فذهب إلى مدينة ليون، حيث استقبلوه بحماسة شديدة، وبعد أن أقام فيها بضعة أيام واصل سيره حتى وصل إلى الحدود الفرنسية ـ السويسرية، ثم عبر الحدود واختار أن يسكن داخل الأراضي السويسرية لكي يكون بعيداً عن باريس والأصوليين الحاقدين عليه.

وهناك اشترى بيتاً بالقرب من مدينة لوزان الجميلة الواقعة على شواطئ بحيرة «ليمان» وبعدئذ اشترى قصراً في منطقة «فيرني» داخل الحدود الفرنسية، ولكن دائماً بالقرب من سويسرا، وهناك عاش الفترة الأخيرة من حياته وكتب أجمل مؤلفاته.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعد عودته من بروسيا أصبح فولتير ملك الرأي العام، ليس فقط في فرنسا، وإنما أيضاً في كل أنحاء أوروبا، وطبقت شهرته الآفاق، وأصبح يتدخل في القضايا العامة ويدافع عن المضطهدين لأسباب دينية بشكل خاص، وأعلن الحرب على التعصب والمتعصبين.

وبما أنه كان غنياً جداً فإنه كان قادراً على استقبال عشرات الزوار يومياً أو شهرياً، وساهم كرم الضيافة في زيادة شعبيته، وقد كانت خصوبة إنتاجه الأدبي والفلسفي ضخمة طيلة العشرين سنة الأخيرة من حياته، وكان يشغل الجمهور دائماً بمؤلفاته، فكلما صدر له كتاب اشتعلت المناقشات حوله بين كل الأطراف المؤيدة والمعادية.

وكان حزب التنوير العقلاني دائماً إلى جانبه، بل وكانوا يعتبرونه زعيم التنوير الفلسفي في فرنسا وكل أنحاء أوروبا، وأصبحت القضية الأساسية التي يناضل من أجلها هي قضية التسامح الديني، وراح يفسر الدين المسيحي بطريقة عقلانية مضادة لطريقة الأصوليين المتزمتة، ولكن بما أن طريقة الأصوليين كانت راسخة في العقول منذ مئات السنين فإنه لم يكن من السهل القضاء عليها، أما الطريقة التنويرية في فهم الدين فكانت لا تزال مبتدئة وفي أول عهدها.

ثم يردف المؤلف قائلاً:وفي عام 1764 نشر فولتير كتابه: القاموس الفلسفي المحمول، والواقع انه كان قد ابتدأ في كتابته منذ عام 1752، وهو يوضح فيه منهجه العقلاني في دراسة الدين والكتب المقدسة ويهاجم التفسير الأصولي السائد، وقد صودر الكتاب في جنيف، وباريس، وروما من السلطات الدينية، وتم حرقه في النار على الملأ.

واعتبروه كتاباً مارقاً، مليئاً بالكفر والتجديف والخروج على الدين، وعندما وجدوا الكتاب في مكتبة أحد الشباب الفرنسيين اتخذوه حجة لإدانة هذا الشاب بتهمة الكفر وعاقبوه أشد العقاب، وبالتالي فليس فولتير وحده كان ملاحقاً على كتبه، وإنما كل من يقرأ كتبه ثم اشتعلت المعارك أيضاً بين فولتير وجان جاك روسو، على الرغم من أنهما ينتميان كلاهما إلى الحزب الفلسفي التنويري.

ولكن روسو كان متقشفاً في أخلاقه ومتمسكاً بمبدأ الصدق والحق والحقيقة أكثر من فولتير، يضاف إلى ذلك انه نافس فولتير على الشهرة والمجد، وهو أصغر سناً منه بحوالي العشرين سنة. وهذا ما أزعج فولتير كثيراً، فقد كان يعتبر نفسه الملك المتوج على عرش الفكر والآداب الفرنسية.

وما كان يقبل بأن يبدي الناس إعجابهم بكاتب آخر غيره ولذلك فعندما نشر روسو كتبه ولاقت نجاحاً منقطع النظير شعر فولتير بالغيرة والحسد وأخذ يهاجم روسو ويدبر له الأفخاخ والمكائد للإيقاع به، وقد عابوا كثيراً على فولتير موقفه هذا فيما بعد، واعتبروا انه لا يليق به أن ينزل إلى هذا المستوى من التآمر على كاتب آخر.

نقول ذلك وبخاصة أن روسو كان ملاحقاً أيضاً من الأصوليين والمتعصبين، ولكن لكل جواد كبوة، كما يقال، ومسألة الحسد بين المثقفين قديمة، ولم تبتدئ مع فولتير ولن تنتهي عنده فالواقع ان الساحة الثقافية الفرنسية مليئة بالمناورات والمؤامرات بين المثقفين تماماً لكل الساحات الثقافية الأخرى ولكن كل هذا لا يقلّل من عظمة فولتير الذي عاش معظم حياته في المنفى قبل أن يعود إلى باريس بعد غياب طويل، وقد استقبل استقبال الفاتحين.

الكتاب: فولتير في المنفى

الناشر: أتلانتيك بوكس ـ نيويورك لندن 2005

الصفحات: 368 صفحة من القطع الكبير