مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ والصحافي الفرنسي ايف بينو، وكان قد نشر سابقاً كتباً عدة، نذكر من بينها: الأيديولوجيات والاستقلال الافريقي (1969)، ديدرو، من الإلحاد إلى معادة الاستعمار (1970)، الثورة الفرنسية ونهاية المستعمرات (1988)، الجنون الاستعماري في ظل نابليون (1992)، المجازر الاستعمارية (1994).
وهو الآن رئيس الرابطة العالمية المختصة بدراسة الاستعمار الأوروبي (1750 ـ 1850) وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن تاريخ الرق أو الاستعباد في العصور القديمة والحديثة ومنذ البداية يستشهد المؤلف بالفيلسوف الألماني الكبير غادامير تلميذ هيدغر الذي يقول: «ينبغي أن يكون جميع الناس أحراراً وألا يبقى هناك عبيد ولا استعباد.
هذا شيء مفروغ منه في العصور الحديثة أو متفق عليه» ثم يقول إن الرق قد انتهى منذ قرنين:أي منذ هيغل والثورة الفرنسية، وهذا شيء صحيح وينبغي أن يملأ قلوبنا بالفرح، ولكن إذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن البشر لم يكونوا أحراراً في العصور القديمة، والواقع أن كتب التاريخ تقول لنا إن أول تجليات العبودية حصلت قبل 2600 سنة ولم تتعرض لإدانة أخلاقية صارمة.
ونقصد بذلك أنه ينبغي أن ندين كل استعباد للإنسان من قِبل أخيه الإنسان، ينبغي أن نعتبر ذلك عملاً لا أخلاقياً بشكل مطلق، فعقلية العصور الحديثة لا يمكن أن تقبل بذلك لكن يجب أن نعترف بأن إدانة أناس العصور الغابرة عملية سهلة ولكن غير مجدية.
فالواقع أن العبودية كانت تُعتبر شيئاً طبيعياً آنذاك، وبالتالي فلا يمكن أن نلومهم لأنهم كانوا يمارسونها في حضارة أثينا أو روما أو بقية الحضارات القديمة لا ينبغي أن نسقط على عقلية العصور الغابرة عقليتنا نحن..وهذا لا يعني أننا نوافق على سلوكهم وإنما فقط نضعه ضمن إطاره التاريخي.
والسؤال الذي يطرحه المؤلف هو التالي: متى ابتدأ الاستعباد يطرح مشكلة على الناس؟ والجواب هو: بدءاً من القرن السادس عشر إلى عصر النهضة، فقد ابتدأ بعض الناس يشكون في صلاحيته أو في جوازه من الناحية الأخلاقية ولكنهم كانوا أقلية ويمثلون نخبة الفلاسفة والعلماء. أما جمهور الشعب فكان مع نظام العبودية ولا يرى فيه أي خطأ أو مشكلة.
ولهذا السبب فإن أصوات المفكرين المعزولين لم تستطع أن تغير مجرى التاريخ ولا أن تلغي نظام الرق والاستعباد. كان ينبغي أن ننتظر حتى القرن التاسع عشر لكي تنتصر هذه الأصوات ولكي يتم إلغاء هذا النظام المشين الذي يشكل لطمة عار في جبين البشرية.
ثم يردف المؤلف قائلاً: بالطبع فإن استحسان نظام الرق لم يكن كلياً ولا مشروطاً. فالبعض كان يطالب الأسياد بمعاملة عبيدهم معاملة حسنة. والبعض الآخر ذكّرهم بأن العبيد هم بشر أيضاً، والبعض الآخر شجعهم على تحريرهم وإطلاق سراحهم بقدر الإمكان.
ولكن لم يعترض أحد على المبدأ بحد ذاته. فمعظم البشر كانوا يعتبرون أنه من الطبيعي أن يوجد أسياد من جهة، وعبيد من جهة أخرى، وبالتالي فإن العقلية البشرية تطورت على مدار قرنين أو ثلاثة حتى توصلت إلى مرحلة رفض العبودية رفضاً قاطعاً.
وهذا يعني أن التطور حقيقة واقعة، انه شيء موجود في التاريخ، ولا ينبغي أن نيأس منه. والشيء نفسه ينطبق على التعذيب: أي تعذيب الأسرى أو المساجين. ففي السابق كان يُعتبر بمثابة شيء طبيعي، وكان ممارساً على أوسع نطاق. ولكنه الآن أصبح محرماً وممنوعاً ويصدم الحساسية البشرية هذا لا يعني بالطبع أنه انتهى من على سطح الأرض!
فللأسف الشديد لا تزال بعض الأنظمة الاستبدادية المتخلفة تمارسه حتى الآن بل إن أميركا نفسها مارسته مؤخراً في سجني أبي غريب وغوانتانامو ولكن هناك إدانة كونية لهذه الممارسة سواء من قبل الأمم المتحدة أو منظمة العفو الدولية أو بقية جمعيات حقوق الإنسان الموجودة في شتى أنحاء العالم.
لإعطاء فكرة عن الهيكلية العامة لهذا الكتاب، ينبغي القول إنه ينقسم إلى سبعة عشر فصلاً مع مقدمة وخاتمة، فالمقدمة تتحدث عن كيفية تحديد نظام الرق، وعن هاييتي وانتهاء نظام الرق هذا وفتح صفحة جديدة في التاريخ، وعلى الوضع الحالي لاستعباد السود في القارة الأميركية.
أما الفصل الأول، فمكرّس لمعالجة الموضوع التالي: توسع نظام الاستعباد وتراجعه على مدار التاريخ وحتى القرن الخامس عشر، وهنا يتحدث المؤلف عن كيفية ممارسة الحضارات القديمة لنظام الرق: كالحضارة المصرية الفرعونية، والحضارة الإغريقية، والحضارة الرومانية، وحضارة العصور الوسطى المسيحية في أوروبا، والحضارة العربية ـ الإسلامية، كما ويتحدث عن كيفية المتاجرة بالسود الأفارقة.
أما في الفصل الثاني، فيتحدث المؤلف عن الفوائد الاقتصادية لنظام الاستعباد، فقد كان يعود بمردود اقتصادي لا يُستهان به على الأسياد المتحكمين بزمام الأمور، فكل الأشغال الشاقة في الحقول أو في البناء أو في الأعمال الأخرى كانت تقع على كاهل هؤلاء العبيد السود المساكين الذين فقدوا حريتهم وكرامتهم.
أما في الفصل الثالث، فيستعرض المؤلف آراء كبار المفكرين في مسألة العبودية:كأرسطو وسواه.. وهنا قد نُصاب بالدهشة إذا ما عرفنا أن المعلم الأول كان من مؤيدي الاستعباد!والواقع أنه لا يوجد مفكر واحد يدين هذا النظام بشكل قطعي في الحضارتين اليونانية والرومانية، فقد كان شيئاً شائعاً وطبيعياً إلى حد أنه لا يستحق المناقشة.
ولكن موقف أفلاطون أستاذ أرسطو كان أفضل من موقف تلميذه، صحيح أنه لم يدن بشكل قاطع مؤسسة الاستعباد والرق ولكنه لم يمدحها كما فعل غيره، أما موقف المسيحية في العصور الوسطى فلم يكن مضاداً لنظام الرق على عكس ما زعم بعضهم، فقد كانوا يعتبرون الظاهرة طبيعية، وكانوا بالتالي ضد ثورة الزنج أو العبيد لأنها تؤدي إلى تدمير المجتمع بلا فائدة. وقد اكتفى مفكرو المسيحية بالدعوة إلى معاملة العبيد بالحسنى ولكنهم لم يطالبوا بإلغاء هذا النظام.
ثم يخصص المؤلف الفصل الرابع في كتابه للتحدث عن موقف العبيد أنفسهم من هذا النظام الجائر واللاإنساني ويتحدث أيضاً عن انتفاضات العبيد أو الزنوج على مدار التاريخ وبخاصة ضد الجمهورية الرومانية، ويكرس فقرة خاصة للعبد سبارتاكوس الذي تحوّل إلى أسطورة بعد أن تمرد على أسياده، كما ويتحدث عن ثورة الزنج في العراق وإيران في القرن التاسع الميلادي.
وينتقل المؤلف في الفصل الخامس للتحدث عن متاجرة البرتغال وإسبانيا بالعبيد السود. وهنا يروي لنا قصة وصول الاستعمار البرتغالي إلى شواطئ افريقيا وكيف حاول شراء العبيد من أجل المتاجرة بهم عن طريق نقلهم إلى أميركا التي اكتُشفت حديثاً.
ويبدو أن الأفارقة قاوموا هذه العملية في البداية ولكنهم استسلموا بعد ذلك للمقادير ويقدر عدد السود الذين نُقلوا كعبيد إلى البرتغال وإسبانيا في القرن السادس عشر بسبعمائة أو ثمانمائة ألف شخص، وكانوا يريدون إرسالهم بعد ذلك إلى الجزر والمستعمرات الأميركية لكي يحرثوا الأرض ويستصلحوها.
وأما في الفصل السادس فيواصل المؤلف حديثه عن كيفية احتكار البرتغاليين في المراحل الأولى للمتاجرة بالعبيد. ثم انضمت إليهم بعدئذ فرنسا وإنجلترا وهولندا. وقد أمنت لهم هذه التجارة أرباحاً طائلة.
ويُقدر عدد العبيد الذين نُقلوا إلى أميركا الشمالية بخمسة عشر مليون عبد أو رق، وهو رقم ضخم حتى في حساباتنا الحالية فما بالك بحسابات ذلك الزمان، حيث يقل عدد سكان العالم عن عددهم الحالي بـ 27 مرة، وبلغت المتاجرة «الشرعية» بالسود ذروتها في القرن الثامن عشر عندما انخرط الإنجليز والفرنسيون في المتاجرة الرسمية بالسود.
أما الفصل السابع من الكتاب فمكرّس للتحدث عن وصول العبيد الأفارقة إلى أميركا بالملايين لزراعة القطن هناك وفلاحة الأرض، هذا في حين ان الفصل الثامن يتحدث عن متع الأوروبيين وملذاتهم التي كانت تتم على حساب السود الفقراء.
أما الفصل التاسع فيتحدث عن الفوائد الكبرى التي جنتها الرأسمالية الأوروبية من المتاجرة بالعبيد، أما الفصل العاشر فيذكر لنا بدايات الاحتجاج على هذا النظام البشع، وذلك بعد اندلاع الثورة الفرنسية التي أدانته باعتباره مضاداً لحقوق الإنسان، وهنا حصل تحول نوعي في التاريخ، فما كان مقبولاً ويُعتبر شيئاً طبيعياً أصبح مداناً باعتباره عملاً همجياً مضاداً للحضارة الإنسانية.
وهنا ظهرت القوانين المضادة للاستعباد والاستعمار وكل الممارسات اللاإنسانية التي ارتكبها الأوروبيون بحق افريقيا السوداء، ثم يختتم المؤلف كتابه في الفصول الأخيرة بالتحدث عن نظام الاستعباد على المستوى العالمي.
الكتاب :حداثة المتاجرة بالعبيد
مقالة عن العبودية الموجودة في قلب الرأسمالية
الناشر: لاديكو فيرت ـ باريس 2004
الصفحات: 296 صفحة من القطع الكبير