لم يتعرض مبدع للتجاهل مثلما تعرض له السينمائي، والسيناريست، والممثل، والروائي الكردي التركي البارز يلماظ غوني (1937 ـ 1984 )، فهذا المبدع الذي عاش حياة صاخبة، ومؤلمة، وأبدع في مجال السينما، والكتابة لم ينل حقه من الاهتمام، والتقدير، والشهرة، ولعل السبب الرئيس في هذا الإقصاء هو مواقفه السياسية المعلنة من القضية الكردية في تركيا، فقد طالب غوني بحقوق الشعب الكردي، وعمل في هذا الاتجاه عبر الأفلام التي أخرجها أو مثَّل فيها أو كتب سيناريوهاتها، وكذلك من خلال الكتابات التي أنجزها.

وفي الوقت الذي يفتقد فيه الأكراد إلى ما يخولهم الاحتفاء بمدعيهم وكتّابهم لم يبق أمام غوني إلا ان يقدم للعالم عبر الإعلام التركي، والمؤسسات الرسمية التركية وهذه لم تكن من مصلحتها تسليط الضوء على شخص يعتبر من المغضوب عليهم، فهو، في عرف المؤسسة الرسمية التركية، متمرد ومنشق لا يني ينتقد ويحتج على السياسات التركية المطبقة بحق بني جلدته الأكراد، لذلك تم التعتيم عليه.

وكان بمقدور غوني أن يعيش حياة مرفهة وهادئة كسينمائي متميز إن هو خضع لوجهة النظر التركية في التعاطي مع الشأن الكردي خصوصاً، ومع الشأن العام التركي عموماً، لكنه لم يشأ أن يكون محايداً بل انحاز إلى قضايا الفقراء، والمهمشين، وطالب بحقوقهم، ووظف فنه لهذا الغرض، فنال الاحترام وخسر الحياة الهانئة!

رغم ذلك ورغم الظروف الصعبة التي مر بها غوني إلا انه عمل بإصرار، وبحماسة لافتة، واستطاع أن يثبت جدارته على المستوى العالمي عندما فاز فيلمه «الطريق» (YOL) في العام 1982 بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان الدولي الذي يتبارى فيه أهم الأفلام المنتجة المقبلة من كل أصقاع الأرض.

إن هذه الجائزة، وجوائز أخرى كثيرة، أثبتت أن غوني استطاع أن يتغلب على الظروف القاسية التي تعرض لها، من الملاحقات الأمنية إلى السجون إلى المنافي، وأن ينجز أعمالا سينمائية نافس بها أفلاما عالمية توفرت لها الإمكانات المادية العالية والاستوديوهات الضخمة، لكن غوني بإمكانيات مادية بسيطة، وضمن شروط عمل صعبة استطاع ان يقدم إبداعاً، ويحقق حضوراً في المحافل الدولية، وهنا جوهر الفن.

تنطوي أعمال غوني على الدعوة إلى الحرية، والمساواة، والعدالة، والى نبذ الاستغلال، والتسلط، والقهر وتعد سيرة حياته نموذجاً للجرأة، والنضال، ومثالاً لمبدع قل نظيره، فقد عاش يلماظ غوني 47 عاما قضى 11 منها في غياهب السجون، ونصف سنة في المنفى، وخدم في الجيش سنتين، وتشرد ثلاثة أعوام.

ولم يبق له سوى وقت قصير للإبداع الذي يشكل قياسا إلى هذه المدة القصيرة التي منحها له القدر إنجازاً خارقاً، فقد كتب السيناريو لـ 53 فيلماً، ومثَّل في 110 أفلام، وأخرج 17 فيلما، ونشر عشرات الدراسات، والمقالات، والروايات، والقصص لعل أهمها رواية «ماتوا ورؤوسهم محنية»، ورواية «صالبا» (SALPA) التي نحن بصددها.

في أواخر الستينات اخرج غوني أول أفلامه وعنوانه «اسمي كريم» ثم بعده فيلم «سيد خان»، و«الأمل»، و«المرثية»، و«الضيم»، و«اليائسون»، و«الأب»، و«القطيع» و«الطريق»، و«الجدار» الذي أخرجه في العام 1983 وكان آخر أفلامه، فقد توفي في العام التالي في باريس في 12 أيلول حيث دفن هناك في مقبرة (بير لا شيز).

رغم ان إبداعه السينمائي طغى على الجانب الكتابي لديه إلا ان غوني لم يهجر الكتابة يوما، وتعد صالبا إحدى أهم الروايات التي كتبها في مرحلة مبكرة من حياته القصيرة، فالرواية تعود إلى مطلع السبعينات، وطبعت في العام 1975 وخلال سنة واحدة طبعت منها سبع طبعات.

تتناول الرواية حكاية فرد من أعماق الريف الأناضولي التركي الفقير يخوض صراعاً داخلياً مريراً مع نفسه، ومع التاريخ، ومع المحيط بكل رواسبه الاجتماعية من العادات، والقيم، والتقاليد المتخلفة والبالية التي لا تتناسب مع وعيه وتساؤلاته القلقة.

يشعر صالبا، وهو أسم البطل، بالحيرة، والخذلان إزاء التخلف، والفقر، والجهل، والاتكالية، والتردد، والخوف... وسواها من القيم السلبية التي تسيطر على نفوس الأفراد في محيطه الذي يعيش فيه، وفي ظل هذا القلق والتوجس يبحث صالبا عن عن نافذة تخرجه، وتخرج أفراد محيطه من حال السلبية واللامبالاة.

غير أن رياح الواقع لا تجري كما تشتهي سفن التمنيات، فيضطر الفتى إلى ترك الدراسة، وهو في المرحلة الثانوية لتورط ذويه في حوادث ثأر تودي بهم إلى السجن، وهنا تظهر المقولة الأولى للعمل إذ يريد غوني القول بأن البطل كان ضحية لعادة بشعة هي الثأر التي كانت سائدة، آنذاك، بقوة في الريف التركي.

يبحث الفتى عن مخرج ولا يجد أمامه سوى أحد رفاق الدراسة ممن تركوا المدرسة، فراحا يطرحان معا سؤالا موجعا: ما العمل؟؟ ثم يقرران سوية الذهاب باتجاه الغرب هربا من البؤس، باتجاه مدينة اسطنبول حيث الرفاهية، والأنوار الباهرة، وحياة الترف والبذخ، والسيارات الفارهة، والنساء السافرات الجميلات، والشوارع النظيفة...

وهناك ينشأ الصراع الحقيقي بين حقيقة الفرد القادم من الأصقاع النائية الفقيرة، وبين مظاهر الواقع في مدينة جميلة وجذابة مفتوحة كحديقة مليئة بالثمار الحلوة واللذيذة أمام الأبصار لكنها محرمة على صالبا المنبوذ الذي يعاني من عدم التأقلم، فيطرح على نفسه من جديد أسئلة مريرة أخرى هو الذي جاء يبحث عن اجابة.

لكن أسئلته، هذه المرة، تكتسب معنى آخر وتستحضر المقولات الكبرى التي قرأ عنها إذ يزداد وعيه بالصراع الطبقي، وبالحقوق، وبمعنى الاستغلال، فيعيش حرمانا مضاعفاً، وهو بذلك، في أسئلته وحرمانه وحيرته، يقدم نموذجاً لآلاف الشباب في دول العالم الثالث ممن يقتلعهم من بيئتهم الفقر، والتخلف، والحرمان، والبطالة، وعدم جدوى التعليم الذي لا يفيد إلا في توسيع وتعميق الهوة بين المعارف النظرية التي يتلقونها، وحقيقة الواقع البائس الذي يعيشونه.

في اسطنبول، تلك الحاضرة الأوربية الباذخة، يعيش الفتى حياة شديدة الصخب متنقلا من بؤرة للبؤس إلى بؤرة أخرى اكثر ظلاما، ويشارك «حثالة البروليتاريا»، والباعة المتجولين، وسائر العاطلين عن العمل حياة التشرد، والعوز إذ يلجأون إلى بيوت الصفيح، والخانات الرطبة، والأقبية المعتمة العتيقة بحثا عن الدفء المفقود.

فرغم البريق التي يشع في شوارع المدينة، لكن المدينة ـ وسكانها من الطبقات البرجوازية ـ لا ترأف بحال صالبا ورفاقه البؤساء ممن يعيشون حياة مريرة وسوداء ليس فيها أي بارقة أمل، بل ان صالبا يتهم بجريمة لم يرتكبها فيتعرض للضرب المبرح في أحد الفروع الأمنية في إشارة إلى احتجاج يلماز غوني على ممارسات الأجهزة الأمنية التي تحكم قبضتها على البلاد وتتمتع بسلطات لا محدودة.

وفي نهاية الرواية وبعد ان يفقد الشاب كل أمل في العيش الكريم وفي الحياة المرفهة يذوب في بحر من الجماهير في شوارع اسطنبول، وتنتهي الرواية بهذه الفقرة.. «يختفي (صالبا) بين الحشود المتزاحمة محملا بآلاف البراكين في قلبه، في وعيه، في لحمه وعظامه...ليذوب فيها...لكي يصبح عنصرا أكثر تقدما...لكي يتغير ويغيّر...»

وكما نلاحظ ان هاجس الكاتب هو التغيير في نهاية المطاف، وهو يقود بطله بعد كل هذه الأحداث، والتجارب الفاشلة إلى نهاية متفائلة تضع حدا للبؤس والاضطهاد، فهذا التغيير الذي ينشده غوني وبطله ينصب على الجوانب الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية في بلده تركيا، ومعروف عن غوني انه كان يساريا، وقد دفع ثمن هذا الالتزام كثيراً.

كان يحلم بثورة تغير وجه العالم، وتمنح المهمشين، والبسطاء، والعمال حقوقهم، وكانت المقولة التي يكررها دائماً هي: «حطموا الزجاج لكي تتحرر الطيور»، غير ان غوني رحل ولم يزل الكثير من الجياع في تركيا والعالم يطالبون بالحرية، والكرامة، ولم تزل الطيور أسيرة أقفاصها، ولم تزل القضية الكردية في تركيا تشهد تجارب مريرة، وفصولا دموية، ولا يبدو أن ثمة حلولاً قريبة!!

إبراهيم حاج عبدي