عن اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، صدر كتاب «صورة المرأة في الكتابات النسائية الإماراتية» لـ عبد الفتاح صبري، القاص والروائي المصري المقيم في الإمارات منذ نحو عقدين من الزمن، ساهم خلالهما في الحياة الثقافية شأنه في ذلك شأن العديد من الكتّاب العرب الذين عاشوا في المكان وتفاعلوا معه كتابة وإبداعاً ونشاطاً ثقافياً متميّزاً عبر الكثير من الأنشطة التي رعتها المؤسسات الثقافية المعنية، ولابد لدى الكتابة عن «عبد الفتاح صبري» من الإشارة إلى إسهاماته الكثيرة في هذا الصدد، ومن ذلك نشاطه المتميّز في اللجنة الثقافية لاتحاد الكتاب ورعايته لمنتدى نادي القصّة الأسبوعي،

هذا بالإضافة إلى كونه عضو هيئة تحرير مجلة «الرافد» الثقافية الشهرية، وتأليفه لمجموعة من الكتب في القصة والرواية منها: صحوة الجماجم والحزن، العريان، حكايا أنثوية في القصّة القصيرة، وصراخ التداعي، والغربان لا تختفي أبداً في الرواية، هذا بالإضافة إلى العديد من المساهمات النقدية في الندوات التي أقامتها دائرة الثقافة واتحاد الكتاب.

كتابه الجديد، يستكمل جانباً مهمّاً من الدراسات النقدية التي اهتمت بأدب القصّة في الإمارات، والأدب النسائي على نحو خاص، سيما وأن الكتابات النقدية السابقة تناولت الكاتبات الأوائل، ليأتي هذا الكتاب ويستكمل المشهد الإبداعي القصصي، فنتعرّف على كثير من الأسماء الجديدة لوجوه شابة لا نعرف كيف بزغت هكذا فجأة بمجموعات قصصية تشي بوضوح بتواصل الكاتبة الإماراتية مع الحراك الثقافي العربي والعالمي، وتبيان رأيها في كثير من القضايا ذات الصلة بالمرأة والرجل على نحو واضح وجريء وخصوصاً في جانب التعبير عن الذات الأنثوية في مجتمع ذي خصوصية.

ينقسم الكتاب إلى خمسة فصول رئيسية، ويمكن اعتبار فصله الأوّل: «القصّة الجديدة في الإمارات/ علامات أولى» كخاتمة جاءت بمثابة مقدّمة لاحتوائه على مجموعة من الاستنتاجات والملاحظات التي طاولت القصّة الجديدة من حيث الشكل والمضمون، حيث رأى المؤلّف أن بعض النصوص الجديدة لا تلتزم أحياناً بشروط كتابة القصّة، ناهيك عن سذاجة المضامين التي تطرحها على العكس من القصّة التي كتبها القصاصون الأوائل، والتي جاء تطوّرها طبيعياً ومتماشياً مع المنجز العربي.

ومن جانب ثان، فإن القصّة الجديدة تميّزت باتساع هامش البوح الأنثوي، بما اعتبره يشكّل مفتاحاً مهمّاً لفهم مناخات القصّ «حيث إن وعي المرأة الكاتبة بجنسها جعل منها مادة خصبة» ونظراً لأنها «ما زالت مهمّشة في مجتمع متغيّر، ولكنه مزدوج النظرة والمعايير، فهي تتعلّم وتتقلّد الوظائف وتمتهن الكتابة، ولكنها مازالت تتوارى خلف «قناع الاسم المستعار» خوفاً من تنين القيم الذكورية، والغريب أن المرأة ذاتها تساهم في استمرار هذه الظاهرة بالرغم من وطأة التهميش والنظرة الدونية لها.

وإلى ذلك فإنه من جانب آخر سينوّه أيضاً إلى قلّة النتاج القصصي، بالإضافة إلى تركيز هذا النتاج على قضايا الذات الأنثوية وتجاهلها للكثير من القيم والقضايا الاجتماعية التي كان تبناها القصاصون الأوائل.

وفي مستهل مبحثه الأوّل سوف يؤكّد المؤلّف أن نهضة الأدب في الإمارات ارتبطت بنشوء الدولة، ومن ثمّ بروزها كقوّة اقتصادية دفعت بدورها المجتمع إلى التطوّر، حيث توجّهت المرأة إلى التعليم، ولم تتوقّف عند مراحل دراسية معيّنة، بل سافرت إلى الخارج للتخصّص والحصول على الشهادات العالية، الأمر الذي ساعد على تفهّمها لقضيتها ومسئوليّتها في ذلك، لأنها بتعبيرها أقدر من الرجل على معالجة قضاياها ومشاكلها وسبر أغوارها الذاتية وإبراز معاناتها وبلورة همومها، كما أنها تظلّ الأقدر على تصوير لحظة التطوّر الاجتماعي وأثر هذا التطوّر على ذاتها وكيانها بالتعبير عن مختلف أحاسيسها داخل وخارج المنزل.

ومن هنا فإنه سوف يؤكّد أن الكتابات القصصية ستحفل بالكثير من القضايا ذات الصلة بما سبق، وسيعمد إلى دراسة «صورة الأنثى» من قبل المرأة الكاتبة من خلال ما يأتي:

1 ـ الأنثى في نصوص الجيل الأول.

المفارقة الأولى التي سيرصدها المؤلّف في هذا الصدد أن كاتبات الجيل الأوّل قد أزحن المرأة تماماً من قصصهنّ، فهي لم تظهر إلاّ نادراً ومن خلال إشارات عابرة كزوجة أو أم أو أخت، وفي كلّ الحالات التي تظهر فيها تبدو مهمّشة، مستلبة، مقهورة، تسير في ركاب الرجل السيّد، ويستعرض المؤلّف العديد من الأسماء:

شيخة الناخي، مريم جمعة فرج، فاطمة محمد، سعاد العريمي وغيرهنّ، ليؤكّد من ثمّ أنهنّ جميعاً حافظن على ذات التوجّه في تداول مضامين اجتماعية محددة تغيّب المرأة. وبالتالي فإنه يرى أنه ليس ثمّة ما يبشّر بالانطلاق نحو تغيير هذا الواقع، حيث ظلّت المرأة تعيش في الظلّ كما هو حالها في الواقع.

2 ـ الأنثى في الكتابات الجديدة.

مع دخول أسماء جديدة فضاءات القصّ الإماراتي، سيلاحظ المؤلّف أن هذه الأسماء الجديدة اتخذت موقفاً ضدياً من الخطاب القديم، وخصوصاً جانب الاحتفاء بالمكان ورموزه التي سادت في الخطاب القديم طويلاً، وذلك نظراً لمعايشة هذا الجيل لواقع جديد «صار لا يفترق عن بنية أي مجتمع آخر أصيب بلوثة التحديث، ومن ثمّ التغريب».

وإلى ذلك فإنه سيسعى لتحليل بعض النصوص القصصية لتبيان وجهة نظره، وليستنتج فيما بعد، أن هذه النصوص تميّزت ببحثها عن الذات، وعن علاقة هذه الذات بالآخر وإثبات الهوية، ولكن بأسلوبيّة شفّافة وحزينة، كنتيجة مؤكّدة لواقع استجدّ، حيث المدينة المتعملقة من جهة، والذكورة المتمادية من جهة ثانية، ثم ما تمليه كلتا الجهتين من ضغط على الذات الإبداعية، لتتفجّر مشاعر الغربة والرغبة المتفاقمة بالتحرر والانعتاق.

وعلى سبيل المثال سيستعرض قصص كلّ من: فاطمة المزروعي، عائشة عبد الله، حسنة الحوسني، وفاطمة الكعبي، ليبيّن مواضع الاتفاق والافتراق عن الخطاب القديم، وما يمكن التماسه من جرأة قصصية وفنية في تناول الذات الأنثوية وتفتيت الصورة التقليدية للرجل، وذلك كما في قصّة «إلى هذه الدرجة من الإعياء» لـ حسنة الحوسني، التي بحثت في إشكاليات الذات الأنثوية وعلاقتها مع الرجل، ليؤكّد بعد ذلك أن قصصها «لعبت على وتر المساحة المأزومة في الذات الأنثوية بين الرجل والمرأة».

وفي صدد رصده لأسباب القهر، فإنه سيتناول مجموعة «الرحلة رقم 8» لريا مهنّا التي طرحت الكثير مما يقهر المرأة، ولكنها إلى ذلك لم تتمكّن من رصد حالة الرجل الضعيفة والمشوّهة، وكأنّ الكاتبة اكتفت بالأسباب العامة للقهر، حيث إن الأسباب واحدة والمسبب واحد، أو كما جاء بتعبيره «كأن الأسباب المفضية لعذابات المرأة هي ذاتها التي تجعل الرجل جلاداً لها وسبباً من أسباب تعاستها». ومن جانب آخر سيعتبر مجموعة فاطمة الكعبي «مواء امرأة» نموذجاً للخطاب الأنثويّ الجديد،

حيث إنها بتعبيره استطاعت أن تعيد ترتيب الخطاب الأنثوي لتضعه بالتوازي مع الخطاب الذكوريّ، ثمّ التمرّد عليه لذات السبب، مما يدفع للاعتقاد بأنها محاولة لرفض التراتبيّة لجهة أعلى أو أدنى، وكذلك وضع الحالتين على تماس ثمّ ترك الآخر في حال اعتقاده بالامتلاك والانتصار ضمن المنظومة الثقافية السائدة التي تجعل من الأنثى تملّكاً وشهوة، مما يعني الهبوط بهذا الاعتقاد عكسياً، أي إن المبادرة ستكون من قبل بطلات القصّة، مما يعني امتلاك حرية القرار.

وفي الفصل الخامس والأخير من الكتاب، سيتطرق المؤلّف إلى ما اصطلح عليه بـ «الواقع الفني للقصّة النسائية الجديدة» وسيؤكّد في الاستهلال أن القصّة الجديدة تنوّعت أساليبها ما بين تيار الوعي والمونولوج الداخلي، والمناجاة، والتداعي الحر، والارتداد، والحوار الرمزي هذا إلى جانب الاستفادة من تقنيتي السينما والمسرح في التقطيع المشهدي، الأمر الذي يؤكّد وعي الكاتبات بأهمية الشكل إلى جانب ما طرحنه من مضامين.

عزت عمر

الكتاب: صورة المرأة

في القصّة النسائية الإماراتية/ مقاربة أولية

الناشر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات الشارقة 2005

الصفحات: 119 صفحة من القطع المتوسط