فائق بطي هو من الشخصيات السياسية والإعلامية العراقية البارزة، سار على خطى والده روفائيل بطي صاحب صحيفة «البلاد» التي اشتهرت في العراق إبان العهد الملكي وآلت، فيما بعد، إلى الابن فائق الذي ترك بصمة لا تمحى في مضمار الصحافة في هذا البلد، فإضافة إلى هوسه بالمقال الصحافي استطاع أن يوثق لتاريخ الصحافة العراقية وابرز أعلامها، وأهم محطاتها...
وذلك عبر مجموعة من الكتب منها : «الصحافة العراقية ـ ميلادها وتطورها»، «قضايا صحفية»، «صحافة العراق ـ تاريخها وكفاح أجيالها»، «أعلام في صحافة العراق»، «الموسوعة الصحفية العراقية»، «الصحافة اليسارية في العراق» وسواها، فضلا عن كتب تناولت قضايا أخرى مثل كتاب «أبي»، و«الخيانة الكبرى».
في كتابه «الوجدان» الصادر أخيرا عن دار المدى بدمشق، والمكون من جزأين مطبوعين في مؤلف واحد، يقدم فائق بطي مذكراته، في مجالي السياسة والصحافة غير أن هذه المذكرات تتسع وتتشابك لتكون ذاكرة وطن بكل خيباته، وانتصارته، وهمومه، وأحلامه، وانقلاباته، وثوراته...
فرغم كونه يقدم كتابه، كما يظهر على الغلاف الأول، على انه مذكرات، بيد ان هذه المذكرات تتخطى الجانب الذاتي الشخصي الخاص للكاتب لتكون توثيقا لمراحل، وأحداث، ووقائع شهدها العراق في النصف الثاني من القرن العشرين، فالمذكرات كما تشير التواريخ التي يحرص بطي على تدوينها في بداية كل فصل تبدأ من نهاية الأربعينات لتنتهي في عقد التسعينات.نصف قرن من الأحداث يسردها بطي في كتابه بحساسية أدبية وسياسية، وبلغة سلسة صافية، وليس هذا غريبا على رجل أمضى سني عمره في ميدان الكتابة الصحافية.
وخاض حروبا طويلة وشاقة في ميدان «مهنة المتاعب»، فاكتسب عبر هذه الممارسة الطويلة أسلوبا يعنى برشاقة العبارة، وبلاغة الجملة، وسلاسة المفردة...وها هو الآن يقدم كتابه لا من باب التباهي والتفاخر بل من موقعه كشاهد عاصر الأحداث. وراح يختزنها في ذاكرته الخصبة التي تتدفق، الآن،
بعد أن بلغ من العمر عتيا. يعود كشيخ وقور يضج بالحكمة والخبرة، إلى ذلك الأرشيف المخبوء في ثنايا الذاكرة ليستحضر منه محطات مشرقة وأخرى مظلمة في تاريخ العراق وانعكاساتها على حياة العائلة، وعلى رفاق الدرب وما أكثرهم في هذه الصفحات. يتناول بطي في كتابه الأحداث التي عصفت بالعراق بدءا من المرحلة الملكية والانتداب البريطاني ويرصد طبيعة التدخلات الخارجية التي كانت تبحث آنذاك عن نصيب في الكعكة العراقية تجعلنا نتيقن من أن التاريخ يعيد نفسه
ولكن بآليات أخرى وفي لبوس مختلف، ويقف عند الرفض الشعبي العارم لمعاهدة بورتسموث 1948 وما أدى إليه من أحداث، وصدامات، ويكتب بطي بنبرة حانية عن ثورة 14 تموز 1958 التي قادها الزعيم عبد الكريم قاسم، وأنهت الملكية في العراق منتقدا موقف الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر السلبي منها وهو ما كان موضوع كتابه «الخيانة الكبرى»، وهو يعتبر بان هذه الثورة «الوطنية الديمقراطية» ـ بحسب وصفه ـ شيدت صرح نظام جمهوري معاد للاستعمار،
وقضت على حلف بغداد العسكري العدواني، وطبقت قانون الإصلاح الزراعي، وضربت الاحتكار النفطي إذ أرست الثورة بذلك لبنات صناعة وطنية بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي، وتحقق في ظل هذه الثورة مبدأ التعايش السلمي والحياد الإيجابي، ووطد الثوريون العلاقات مع المعسكر الاشتراكي، وقاموا بتسليح الجيش الوطني...
إلى غير ذلك من الإنجازات والمكاسب التي تمتع بها الشعب في ظل حكم عبد الكريم قاسم الذي يقول عنه بطي «كان قاسم ضابطا بسيطا، رقيق القلب، أمينا، زاهدا في الحياة، نصيرا للفقراء، لم يستغل مركزه، ولم يسمح لأهله وأقاربه استغلال منصبه كقائد للبلاد. كانت طيبته، ونواياه الحسنة، وثقته العمياء بالأصدقاء، ورأفته حتى بأعدائه إلى حد السذاجة، عاملا رئيسيا في ضعف قيادته التي أدت إلى تخبطه وتأرجحه وعدم إدراكه متطلبات المرحلة الديمقراطية الثورية بعد كنس العهد البائد»، ويضيف «كرس الرجل جل حياته من اجل خدمة الشعب والوطن ومات بطلا وضحية لنزاهته وإخلاصه».
لكن بطي المعروف بفكره اليساري يعتبر ثورة 8 شباط 1963 أو (انقلاب شباط بحسب وصفه) عندما تسلم البعثيون الحكم من المحطات السوداء في تاريخ العراق بل يصفها بأنها نكسة 1963 التي شكلت الفصل الأول من النكسة العربية العامة في 5 حزيران 1967 م، فقد خسر الشعب العراقي نتيجة هذا الانقلاب «البعثي» الكثير من المكتسبات والإنجازات: الحريات العامة، النقابات المهنية، الجمعيات الفلاحية،
تجميد قانون الإصلاح الزراعي، محاولة تصفية الأحزاب الثورية والوطنية...وغيرها من الممارسات التي وأدت مبادئ ثورة 1958 الوطنية، إذ يظهر بطي كيف ان الانقلابيين قتلوا رموز تلك الثورة الديمقراطية من الشيوعيين، والتقدميين، والوطنيين..وفرضوا نظاما إرهابيا بوليسيا ضد طبقات الشعب الوطنية الاجتماعية.
واستأثر«البعث» بالحكومة الجديدة التي زجت الآلاف في السجون والمعتقلات وصل عددهم إلى 120 ألفا كان بينهم فائق بطي نفسه الذي يسخر بمرارة من الشعارات التي رفعها البعثيون وهي (الوحدة، الحرية، الاشتراكية) فيعلق: «أين الحرية وعشاقها في السجون والمعتقلات...، وأين الاشتراكية ومكاسب الشعب تبدد على يد حلفاء اليوم من أيتام العهد الملكي، والإقطاع، وعملاء الاستعمار...، وأين الوحدة وقادة البعث يتنصلون من ميثاق الوحدة المبرم بين دمشق وبغداد والقاهرة»...
ثم يتحدث عن الانقلابات التالية وعن عهدي: عبد السلام عارف، وعبد الرحمن عارف، فيقول: «في عهد (العارفين) سيطرت الانتهازية والوصولية على مقاليد الحكم بعد محاولة تصفية آثار انقلاب شباط سيئ الصيت وتبرئة ذمة من اشترك منهم في ذلك الانقلاب الأسود كعبد السلام عارف نفسه، وطاهر يحيى، ورشيد مصلح، وسعدون غيدان، وسعيد صليبي وغيرهم...وحاول المسؤولون في العهدين ردم المستنقعات النتنة التي أوجدتها العناصر المعادية للشعب لتسبح فيها وتعشعش عناصر طفيلية جديدة.
كما يتحدث عن انقلاب 17 تموز 1968 ومجيء احمد حسن البكر إلى سدة الحكم في العراق وهو ينتقد هذا الانقلاب أيضا رافضا وصفه بالثورة، ويقول عن هذه المرحلة زكان الحكام يختطفون ويعذبون ويقتلون المناضلين في الظلام وينعونهم في الصباحس في جريدتهم (الثورة) البعثية التي كان يشغل رئاسة تحريرها، آنذاك، طارق عزيز.
ويسلط الضوء على تجربته وعمله في الصحافة الكردية ولقائه جلال طالباني (رئيس العراق الحالي) وبعض الشخصيات الكردية مثل سامي عبد الرحمن، ومحمود عثمان، وصالح اليوسفي، وحلمي شريف، ودارا توفيق رئيس تحرير جريدة «التآخي» الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان يتزعمه، آنذاك، الملا مصطفى البارازاني والد مسعود البارازاني (رئيس إقليم كردستان الآن)،
ويتناول في صفحات كتابه المسألة الكردية والمراحل التي مرت بها بوصفها جزءا من المشهد السياسي العراقي العام، ويتحدث عن اتفاق 11 آذار 1970 بين السلطة البعثية والحركة الكردية بعد سنوات طويلة من الاقتتال، إذ ينتقد هذا التحالف الكردي البعثي بين عامي 1970 و1973 لكن موقفه من القضية الكردية واضح في صفحات الكتاب فهو كان من الداعين إلى منح الأكراد حقوقهم القومية في إطار نظام فيدرالي، وبعد سنوات نجد ان وجهة النظر هذه كانت صائبة إذ أن النقاشات المستفيضة التي جرت في بغداد بعد سقوط النظام أفضت إلى اعتماد صيغة النظام الفيدرالي.
وقد اضطلع بطي بدور مهم في صحافة الحزب الشيوعي العراقي، ويستعيد هنا جانبا من عمله السياسي الإعلامي في صفوفه، ويذكر بصورة خاصة عمله في صحيفة «الثقافة الجديدة»، و«الفكر الجديد»، وكذلك «طريق الشعب» وهي مطبوعات أصدرها هذا الحزب إذ يستحضر بطي ظروف العمل المضنية، والنقاشات الصاخبة التي كانت تدور بين الأصدقاء والرفاق الذين يفرد لهم الكاتب صفحات مطولة.
يتحدث عن إخلاصهم، وحماستهم، وأحلامهم: زهير الجزائري، منير رزوق، وائل العاني، عزيز سباهي، فالح عبد الجبار، يحيى علوان، رشدي العامل، فاطمة المحسن، سعدي يوسف، شمران الياسري (أبو كاطع) وغيرهم فضلا عن فخري كريم الذي يعتبره رفيق درب مخلصا، فقد عملا معا في ظروف القمع، وتقييد الحريات، والعمل السري وجمعتهما أسفار كثيرة ولقاءات وسهرات يسردها بطي بحميمة ومودة خاصة. غير أن سنوات النضال هذه والشعارات الكبيرة انتهت بالفشل مع انتهاء شهر العسل البعثي الشيوعي الذي استمر ضمن صيغة «الجبهة الوطنية والقومية التقدمية» من العام 1973 إلى العام 1979 لدى وصول صدام حسين إلى الحكم وتضي��ق الخناق على الشيوعيين، والديمقراطيين، والأكراد وحتى البعثيين من أصحاب الرأي المختلف،
فصدام حسين لم يكن عادلا إلا في القمع، وزع إرهابه على جميع أبناء الشعب العراقي الذين رحلوا قسرا إلى المنافي القريبة والبعيدة وكان بينهم بطي الذي اختار لندن منفى له، واصدر من هناك جريدة «عراق الغد»، ثم سافر إلى الولايات المتحدة ليصدر جريدة «الاتحاد الديمقراطي»، وساهم في تأسيس «رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين» التي كانت مقرها بيروت ثم دمشق، وأصدرت الرابطة دوريات ومطبوعات عدة، وضمت في عضويتها الكثير من المثقفين: مجيد الراضي، فيصل لعيبي، مؤيد الراوي، قيس الزبيدي، قاسم حول، فاضل العزاوي، حميد الخاقاني، صادق الصائغ، فلك الدين كاكائي وسواهم.
ويروي بطي في ثنايا الكتاب صفحات من نشاطات المعارضة العراقية في الخارج في لندن، وبيروت، ودمشق، وفيينا... وبعد ذلك في كردستان عندما أقام الأميركان والبريطانيون جيبا آمنا للأكراد في أعقاب حرب تحرير الكويت وانتفاضة آذار الكردية والشيعية، حيث نعم الأكراد بالأمان،
فاستطاع بطي ولأول مرة زيارة كردستان كجزء من التراب العراقي ويصف شعوره بالفرح العارم لدى رؤيته العراق بعد غياب دام أكثر من عشر سنوات لينهي الكتاب بالحديث عن فعاليات المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي الذي انعقد في كردستان في تشرين الأول 1993 في شقلاوة حيث انتخب حميد مجيد موسى سكرتيرا عاما للحزب بعد ان استنكف فخري كريم عضو المكتب السياسي عن ترشيح نفسه وآثر أن يتفرغ لمشروعه الثقافي والفكري في مؤسسة «المدى» ومطبوعاتها المتعددة.
وفي كل هذه المحطات لا يغفل بطي الحديث عن صحيفته «البلاد» والدور الوطني الذي لعبه والده، وإصراره رغم الظروف الصعبة على الاستمرار في إصدارها دون خضوع لأي اعتبار سوى الحرفية والموقف الوطني المبدئي. كان مغرما بالصحافة إلى حد الهوس «انه يعشق هذه المهنة، ويطرب لأصوات أدواتها، وتكتحل عيناه بمنظر الصفحات التي يساهم في وضع بصماته عليها»... كما يقول بطي الذي يسرد مذكراته بضمير الغائب لا بضمير المتكلم كما جرت العادة في المذكرات،
ولعل ذلك نابع من كونه لا يرغب في إظهار الجانب الذاتي بقدر ما يحاول ان يبين الحقائق متجنبا العواطف والانفعالات التي قد تؤثر على رؤيته، هو حريص على وجهة نظره فينحاز إلى هذا الرأي دون ذاك لكنه يقدم دائما المبررات والذرائع التي يمكن اختزالها في «الحرص على وطنه العراق وعلى شعبه».
والواقع ان من يقرأ الكتاب يدرك انه أمام شخصية ديدنها في الحياة هو «الوجدان» كما عنون كتابه، فهو دائما في صف المظلومين والفقراء والبسطاء... لا يساوم على القضايا الوطنية، ولا يقصر عن أداء الواجب، ولا يفضل مصحلته الشخصية على مصلحة الوطن. إنه نموذج لرجل انصهر في الهم الوطني وكرس حياته لخدمة العدالة والحقيقة ودفع ثمنا باهظا ـ سجنا، وتحقيقا، واعتقالا ـ نتيجة مواقفه المبدئية، وثمة أكثر من موقف تعرض له بطي يبرهن على وطنيته وإخلاصه.
فصول مهمة، وأحداث متشابكة، وصفحات مليئة بالدروس والعبر يسردها بطي في قالب قصصي لا يفتقر إلى التوثيق، وهي تظهر في النهاية تاريخ رجل تفاعل مع أحداث وطنه ولعب مع كثيرين مثله دورا في الأحداث، والمنعطفات الحاسمة، دافعوا عن حقوق الشعب وحاولوا ان يقولوا الحقيقة في زمن التعتيم، والقمع، وكم الأفواه ولئن كانت النظم الديكتاتورية صنفتهم، آنذاك، كمتمردين وخونة، فان، التاريخ سينصفهم حتما، فقد سقط الطغاة، وبدأت الحقيقة تتوضح، تلك الحقيقة التي تقول بان من ناضل وعانى وسجن، واعتقل لا بد وان يحصل على الثمن الذي يتمثل في بقاء صورته حية ناصعة في ذاكرة من دافع عنهم ذات يوم.
إبراهيم حاج عبدي
الكتاب: الوجدان
الناشر: دار المدى ـ دمشق 2005
الصفحات : 400 صفحة من القطع المتوسط