ادوارد هوسون، هو خريج مدرسة المعلمين العليا التي كان جان بول سارتر وريمون آرون وسيمون دوبوفوار وكثيرون غيرهم من طلابها.. ويحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ.. عمل لفترة في احد مراكز الأبحاث بمدينة ميونيخ الألمانية لينتقل بعدها للتدريس في جامعة السوربون وهو باحث اقتصادي أيضاً.
المؤلف هو أحد أهم الأخصائيين الفرنسيين، بل والعالميين بالشأن الألماني حيث سبق له ونشر عدداً من الكتب أصبحت بمثابة مراجع في ميدانها ومن أهمها «أوروبا ضد الصداقة الالمانية ـ الفرنسية، من أشكال سوء التفاهم الى الخلاف» و«مؤرخو الجمهورية الفيدرالية الالمانية واليهودية الالمانية منذ عام 1949».. الخ.
اشتهرت المانيا «الغربية» بأنها قد استطاعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 بأنها كانت نموذجاً لا سابق له في قدرة النهوض من الانقاض التي خلفتها الحرب التي كان الفوهرر الألماني أدولف هتلر وراء نشوبها، لقد أنجزت عملية إعادة البناء بسرعة مذهلة ثم أكدت نفسها كأحد أكبر القوى الاقتصادية الأوروبية والعالمية كما يدل حجم صادراتها اعتباراً من سنوات الخمسينات، وذلك على قاعدة إحياء روح العمل وتخفيض نفقات الدولة ووجود نقابات تتمتع بحس عقلاني في مطالبها وخاصة فيما يتعلق ب«ضبط» هذه المصالح على ضوء المصالحة العليا للبلاد. وكان «المارك» الالماني احد رموز قوة المانيا الاقتصادية على الصعيد العالمي.
هذا الكتاب «المانيا اخرى» يمثل دعوة موجهة للفرنسيين خاصة وللعالم كله عامة، من اجل محاولة الوصول الى «فهم جديد» لهذه البلاد على ضوء المستجدات الدولية التي كان سقوط جدار برلين في خريف عام 1989 هو نقطة انطلاق أساسية فيها.
والمعروف ان العلاقات الالمانية ـ الفرنسية كانت لها دائماً خصوصيتها «اذا اتسمت خلال فترات طويلة بالعداء فألمانيا احتلت فرنسا خلال السنوات الاولى من الحرب العالمية الثانية.. وكانت المانيا بالنسبة للعديد من قادة فرنسا ومواطنيها مصدراً لـ «الغيرة» و«الخوف».. لكن اعتباراً من نهاية الحرب الكونية الثانية ثم الشروع بتقارب كبير بين «أعداء الأمس»..
وذلك على قاعدة تكامل قوة البلدين حيث ردد العديد من القادة الفرنسيين بأن ألمانيا هي «عملاق اقتصادي» و«قزم سياسي».. هذا «القزم السياسي» يمكنه إذن أن يعتمد على القوة السياسية و«العسكرية» للجار الفرنسي ليشكلا معاً «المحرك الأساسي في مسيرة التوحيد الأوروبي.
مع نهاية الحرب الباردة التي طبعت العلاقات الدولية بطابعها خلال عدة عقود من الزمن، ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، استعادت المانيا وحدتها بعد عودة المانيا الديمقراطية «الشرقية» الى الوطن الأم، لتستعيد بالوقت نفسه دورها كقوة سياسية كبيرة «القوة الأكبر» على الصعيد الأوروبي، لكن منذ منتصف سنوات التسعينات دخلت المانيا في دهاليز أزمة اقتصادية كبيرة أدت الى التشكيك ب«الموديل» الالماني.
وتبدى بأن عملية إعادة توحيد المانيا لم تكن «متوازية» مع تزايد القوة الاقتصادية بل انها شكلت ورقة ضغط كبيرة على الوضع المالي فيها. وذلك بسبب الوزن الكبير الضاغط للنفقات العامة وللإعباء الاجتماعية بحيث ثم التقارب كثيراً مع «الموديل» الفرنسي الذي تأخذ فيه الدولة دور «الدولة المانحة» التي «تجزل» المساعدات.
«ألمانيا الأخرى» هذه هي التي يوليها المؤلف اهتمامه في هذا الكتاب.. وذلك على اعتبار انها لم تعد قوية الى درجة يمكن معها ان تثير خشية جيرانها، وفي مقدمتهم فرنسا، بل انها أصبحت ضعيفة، الى درجة أن «ضعفها» هو الذي يمكن ان يكون مصدر «الخشية» ومن خصائص «المانيا الاخرى» هذه انها امة مهددة من حيث «انحطاطها الديمغرافي» وفي المحصلة يرى المؤلف بأن هذا «القلب الصناعي» لأوروبا قد اصابه الوهن ويخشى ان يكون الخاسر الأكبر، ومعه القارة كلها، من العولمة واقتصاد السوق السائد في ظلها.
مؤلف هذا الكتاب ليس ضد الليبرالية، بل انه «ليبرالي أصيل» كما يبدو من خلال الدراسات والأعمال التي قدمها، بل انه يعيد الى «ليبرالية» الدولة الألمانية الغربية في المراحل الأولى لما بعد الحرب العالمية الثانية وفي ظل الحرب الباردة ، سر نجاح «الموديل» الألماني «الغربي» والذي اصبح الآن بـ «رسم العطالة» إلى حد كبير مع اقترابه من «الموديل» الفرنسي؟
وحيث يتم تحديد الدخول في هذا الاتجاه مع المستشار الألماني الراحل «ويلي برانت»، بهذا المعنى، وانطلاقاً من المفهوم الواسع لـ «الموديل الألماني» يميز المؤلف بين مرحلتين أساسيتين في التطور الألماني بعد الحرب.. المرحلة الأولى يصفها بأنها «لبرالية» في ظل المستشارين «اديناور» و«ايرهارد».. والمرحلة الثانية بعدهما ويضعها بتوجه الدولة أكثر فأكثر نحو «المساعدة» المرحلة الأولى تتناظر دراستها في الكتاب مع القسم الأول الذي يحمل عنوان: «ألمانيا والبحث عن القوة» بينما يحمل القسم الثاني منه عنوان «بحثاً عن النموذج الضائع».
يحلل المؤلف على مدى صفحات عديدة من الكتاب ما يسميه بـ «المسؤولية الألمانية» في كارثة تفجر يوغسلافيا حيث يؤكد على الأخطاء الكبيرة التي تم ارتكابها على خلفية ارادة التواجد على المسرح العالمي كقوة تريد أن تقول رأيها، بل بأن يكون لها كلمتها، في قضايا القارة الأوروبية عامة وقضايا الجوار بشكل خاص، ومن الأخطاء التي يعددها حالة «العماء في العداء المفرط حيال الصربيين» والتي كانت، أي حالة العماء، لها مبرراتها التاريخية والايديولوجية بل و«المذهبية»، وإنما كانت أيضاً وراء كل أشكال «الانحراف».
كذلك يؤكد المؤلف بأن الألمانيين لم يعودوا يملكون امكانيات القوة غير المحدودة، وبأن «الضرورة، قد دفعتهم إلى إعادة النظر بوقعهم وبتطلعاتهم وبدورهم في أوروبا. وبالتالي ينبغي على الأمم الأخرى. وفي مقدمتها فرنسا، أن تعيد النظر برؤيتها للسياسة الألمانية. يقول بالحرف: «لقد حان الوقت الذي تتم فيه مراجعة كاملة لرويتنا للسياسة الخارجية الألمانية»..
وبعد أن يذكر المؤلف بقيام المحور الألماني ـ الفرنسي في مواجهة الموقف الأميركي والبريطاني أثناء أزمة ثم حرب العراق الأخيرة، يشير إلى شراء نوع من «الديغولية الألمانية» القائلة بالتقارب على موسكو على غرار ما كان قائماً في ظل «السياسة الواقعية حيال بلدان الشرق» التي أرسى المستشار الراحل «ويلي برانت» أسسها.
وفي اطار البحث عن «الموديل الضائع» يركز المؤلف في تحليلاته على القول بأن النخب الألمانية لعبت لفترة طويلة ورقة العولمة.. لكنها بدلت موقفها فيما بعد. إذ خلال سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف سنوات التسعينات انحازت السياسة الألمانية إلى المواقف الأميركية بشكل واضح، بما في ذلك ما يخص المنظومة الدفاعية الأوروبية التي اعتبرت فيها أن واشنطن تشكل مركز الثقل الحقيقي بينما كان الموقف الفرنسي يؤكد على «استقلالية» هذه المنظومة الدفاعية الأوروبية وعلى «أوروبيتها».. لكن الموقف الألماني الرسمي تطور بعد ذلك..
وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «لقد أصبح القادة الألمان أكثر تواضعاً.. وأخذوا بعض المسافة عن المنطق الامبريالي. وبدأوا يؤكدون اهتمامهم بالتلاحم الاجتماعي.. وشرعوا بالتقارب مع فرنسا».. وهذا ما يفسره المؤلف بإدراكهم أن الفوائد التي يمكن أن يجنوها من التقارب مع الولايات المتحدة الأميركية لم تتم ترجمتها في الواقع.
الفكرة الأساسية التي تتكرر بأشكال شتى في هذا الكتاب، والتي تأخذ في أحيان كثيرة صيغة «رسالة» موجهة للفرنسيين أولاً، باعتبار أن فرنسا هي الشريك «الاستراتيجي» لألمانيا في مسيرة الاتحاد الأوروبي، المتلكئة حالياً بعد رفض كل من فرنسا وهولندا التصديق على الدستور الأوروبي، تقول ما مفاده بأن ألمانيا لم تعد تشكل خطراً امبريالياً، وأن أحلامها التوسعية قد «دفنتها» مع سقوط المشروع النازي وأنها قد أصبحت تنتمي إلى الماضي.. بالمقابل تقوم في هذه البلاد دبلوماسية جديدة كان وراءها بشكل رئيسي ضغط الرأي العام الألماني المسالم.
لكن إلى أين يمكن لمثل هذا التوجه الجديد أن يذهب؟
في معرض الإجابة على هذا السؤال يرى المؤلف بأن الأمر يتعلق إلى حد كبير بـ «المخرج» الذي سوف تؤول إليه «الفترة القاتمة» التي تشهدها ألمانيا حالياً والتي يمكن أن يرمز لمدى عتمتها وجود ما يقارب خمسة ملايين عاطل عن العمل. لكن الاحتمال الأكبر الذي يقول به «ادوارد هوسون» يتمثل في القول بأنه في إطار أوروبا اليوم، وعلى ما هي عليه من تصدع فيما يخص مسيرة توحيدها وتوسيعها، فإن المحور الألماني ـ الفرنسي سوف يبقى ضرورياً ويصب في مصلحة الطرفين ومصلحة أوروبا كلها أيضاً.
ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أنه بمقدار ما تتوضح الأمور وينجلي منظور المستقبل تترسخ أهمية التنسيق الفرنسي ـ الألماني، ولا يتردد المؤلف في القول بأن ألمانيا «إلا إذا كانت ذات ميول انتحارية» لا تستطيع أن تتبنى خيار «العولمة المسلحة» التي يتم تمويلها من خلال الفوضى الدولية القائمة.
هكذا ويؤكد على نوع من وحدة «المصير» الألماني الفرنسي شريطة أن يعرف كل مجتمع من المجتمعين مداواة أراضه والتي يتمثل أقلها، حسب رأيه، في الافراط بنزعتي زيادة دور الدولة بالنسبة لفرنسا وزيادة النزوع السلمي بالنسبة لألمانيا، وذلك أن «تعاون الضعفاء» قد يكون الخطوة التي لابد منها من أجل امتلاك «مفتاح» درب القوة.
«ألمانيا أخرى» من خلال تحليل تاريخي واقتصادي وسياسي.
الكتاب: ألمانيا أخرى
الناشر: غاليمار ـ باريس 2005
الصفحات: 396 صفحة من القطع المتوسط
UNE AUTRE ALLEMAGNE
EDOUARD HUSSON
GALLIMARD - PARIS 2005
P. 396