يعتبر النقاد أن أفضل ماكتبته نيليدا بينيون يتجسد في روايتها «جمهورية الأحلام» الصادرة عام 1984 والتي تتناول موضوع النزوح الجماعي للمهاجرين الأسبان الى الطرف الآخر من المحيط الأطلسي وتروي قصة شابين يركبان البحر من مدينة فيغو الاسبانية عام 1913 باتجاه البرازيل ويمثلان في الوقت نفسه، مئات الآلاف من أولئك «الاشخاص الذين يهابون البحر، لكنهم يعبرون المحيط في سبيل تحقيق أحلامهم» على حد تعبير بينيون.
هذه الصورة لا تعكس فقط مرآة الكثير من مضامين أعمال نيليدا بينيون الأدبية، بل تعكس أيضا الكثير من الواقع الخاص بالأدب البرازيلي عموما، إذ أنها تعبر، من جانب، عن استمرارية التأثيرات البرتغالية والأوروبية، ومن الجانب الآخر فإنها تعبر عن الروح الباحثة عما يعرف بأدب «السيرتون» (الرواية الريفية التي تصور المناطق النائية من الهضبة الهائلة التي تشكل ثلث مساحة البرازيل) في أعمال أساسية مثل رواية «لوس سورتينس» للكاتب ايوكليدس دي تشونا، التي أثار تشابهها مع عمل للكاتب البيروفي ماريو فارغاس لوسا إشكالية كبيرة منذ بضع سنوات.
كما يمكن القول إن «جمهورية الأحلام» تعكس أدب الشخصيات البدائية والعاطفية، التي تحدثنا إلى حد كبير عن سراب الجانب الهمجي الحسن في شخصية روسياو الذي لم يتخل عما كان يبحث عنه الكثير من الأوروبيين في بداية القرن وهم يغادرون إلى أميركا.
ويعرف عن نيليدا بينيون، المولودة في ريو دي جانيرو عام 1937، أنها مدافعة شرسة عن التهجين وعن جذورها الاسبانية والعلاقات الوثيقة التي تجمع بين البرازيل واسبانيا، وتحديدا في روايتها «جمهورية الأحلام» تتجسد تلك المسيرة الإنسانية التي تحمل طفلين على البحث عن فردوسهما البرازيلي «الأمر الذي يبين لنا النزاع الدائم بين الحلم والواقع، بين «السيرتون» الريفي والمدن الرأسمالية، بين العاطفة والمنطق.
إن أدب الحدود، والذي يتركز حسب بعض النقاد في «جمهورية الأحلام» كأحد أهم المقترحات في الرواية الوطنية، يعطي أهمية خاصة للمهاجر وذلك كعنصر بناء للهوية الوطنية البرازيلية.
وبذلك فإن نيليدا بينيون تحدثنا في «جمهورية الأحلام» عن الإنسان كمهاجر، الإنسان المهاجر عن نفسه وعن اللغة كطريقة لحب الأشخاص الآخرين، ولكن أيضا كأداة للكراهية.
وهي تدرك ان البرازيل كانت بالنسبة للكثيرين جمهورية الأحلام، وعلى الرغم من أن الكثير من تلك الأحلام تتحول إلى كوابيس، إلا أنها تتمتع أيضا بتلك القدرة الرائعة التي تمكننا من حمل أنفسنا إلى مسرح العالم الكبير، ذاك الذي حدد موضعه كافكا في أميركا.
احتلت أعمال نيليدا بينيون عموما مكانة مرموقة في الطيف الفني العالمي وهي تصنف ككاتبة نثر معقد وغريب ولقد وصل الأمر ببعض النقاد إلى حد مقارنتها ومصاهرتها مع ذلك الكاتب البرازيلي الآخر والمعلم الكبير في سرد حياة وألم «السيرتون» جواو جويمارايس روسا.
وعلى الرغم من أنها استهلت عملها الأدبي منذ نعومة أظفارها، إلا ان نيليدا بينيون نشرت روايتها «خارطة غابرييل أركانهو» عندما ناهزت السادسة والعشرين من عمرها ومن ثم ظهر إلى النور نصين أدبيين طويلين لم يحظيا بأهمية كبيرة في سوق النشر.
ومنذ بدايتها وحتى بضعة أعوام خلت، اضطرت الكاتبة إلى خوض غمار معارك كفاحية طويلة لأن الناشرين في بلدها بالذات قبلوا أعمالها بوصفها «غريبة ومعقدة» فشعرها جميل ومتشابك، مما يحول دون تقبل القراء والناشرين لذلك النوع من المواد الأدبية.
وأمام هذه المواقف، عرفت بينيون نفسها بجمل تشكل جزءاً من الفلسفة الجمالية لهذه المرأة والكاتبة البرازيلية: «يقول الناس إنه لابد من السيطرة على بلدتهم، لكن هذا ليس صحيحا، إذ أن البلدة غير كافية من وجهة نظري. لابد من خلع مفهوم الحدود عن العرش ومعرفة الكثير. لابد من السفر طوال الوقت ومن دون حدود أو قيود كما لو أن للمرء أجنحة».
وتواصل بينيون عملها الإبداعي والفكري وتنشر، رغم برودة النقد الداخلي، رواية «مؤسس» عام 1969 وتبعتها «كاسادي باكاو» في عام 1972، لكن هاتين الروايتين حظيتا بمصير مختلف تماما عن أعمالها السابقة، لأنهما حازتا عام 1973 على جائزتي «ويلماب» و «ماريو دي أندرادي» وهذه هي البداية العالمية لأعمال هذه الكاتبة، التي راحت أعمالها تترجم إلى عدة لغات أخرى وتعاقب أعمالها الأدبية التي تأرجحت بين الرواية والقصص، فكانت مجموعة «قاعة الأسلحة» القصصية في عام 1973 نفسه، و «قوة القدر» في عام 1978.
ومع مجيء عقد الثمانينات، راحت تظهر رؤية جديدة لدى الكتاب والنقاد البرازيليين حول عمل نيليدا بينيون الأدبي وراحت تنهال على عليها الجوائز متوجة هذا العقد الزمني برواية استثنائية حملت عنوان «جمهورية الأحلام».
عندما تكتب نيليدا بينيون، فإنها تؤلف بين الخلق والعلم الواسع وعندما تتكلم، فإنها تفتح بوابات قلبها. ولقد أظهرت ذلك العام الماضي في روساريو، في مؤتمر اللغة الاسبانية، عندما قالت: «كبرازيلية لها جذور عميقة، أنا أليفة هوميروس».
وفي حين تعد نيليدا بينيون إحدى أهم كتاب جيلها والأكثر ارتباطاً بالأدب الاسباني والاسباني الأميركي، فإنها نالت جائزة أمير استورياس للآداب أخيراً لأنه تلتقي في عملها تقاليد أدبية متنوعة تشكل بدورها نظرية فريدة حول التهجين، على حد تعبير فيكتور غارسيا دي لاكونشا.
كانت هذه الكاتبة البرازيلية أول امرأة في العالم تترأس أكاديمية للآداب وذلك بين عامي 1996 و1997 حين ترأست الأكاديمية البرازيلية للآداب، التي تنتمي إليها منذ عام 1989.
كما برزت بينيون من خلال نضالها ضد الديكتاتوريات العسكرية ودفاعها الشرس عن حقوق الإنسان، التي تعتبرها «ثورية». بالنسبة للعالم لأنها «تقيم نماذج جديدة للسلوك في المجتمع البشري».
وفي إشارة منها إلى جائزة أمير أستورياس قالت الكاتبة: إنه تقدير لأعمالي ولكل الذين ساعدوني على فهم الحياة وعلى ممارسة تلك الحرفة الساحرة للأدب، وعرفت نفسها بأنها «ابنة كل الأعراق» وأعربت عن امتنانها لتقدير لجنة التحكيم للطابع الخلاسي لأعمالها.
وأكدت على أنه «من الأهمية بمكان أن أبرزت لجنة التحكيم ذلك الجانب من أعمالي، فتلك كلمات تعرف إيماني بالإنسانية، نحن خلاسيون، إذ أننا لاتينيون وإيبيريون وأفريقيون في آن واحد».
وتعكس كتبها وموقفها حيال اللغة البرتغالية ذلك الحب الجم الذي تكنه المؤلفة للغتها، التي تقول فيها: «عندما أكتب باللغة البرتغالية، عن طريق لغة جمالية، فإني أثبت خيارات كل الوقت وأقبض على الواقع وأفضل واقع أعرفه هو الواقع البرازيلي». أما عشقها للكتابة، فإنه يتضح في أبهى صوره في رواياتها ومجموعاتها القصصية، المنشورة في أكثر من عشرين بلداً والمترجمة إلى عشر لغات.
وعلى الرغم من أنها تتمتع بعالم الأضواء والجوائز والنشر، إلا أنها تؤكد على أنها تكتب بعيداً عن ضغوط سوق النشر وتقول: «أود الاستمرار بالسرد والكتابة بهدوء، دون التفكير فيما إذا كنت سأفوز بجائزة أم لا أو إذا ما كانوا سينسونني أم لا».
وتشدد مؤلفة «جمهورية الأحلام» على أن إحدى مشكلات بلدان أميركا اللاتينية تكمن في نقص التقدير الذاتي، الذي يجعلها هشة وسريعة العطب لأنها تشعر بالخجل مما هي عليه وكذلك تشعر بالخجل لأن هذه الثقافة تتحول إلى ثقافة التقليل من القيمة النقدية، كما لو أن الفلكلور يتحول تعبير للفقراء والبؤساء،
حيث تتحول اللباقة والرشاقة إلى الاحتفاء بكل ما تفرضه نيويورك. وعلى الرغم من أنها تقر بأن الهجرة الثقافية وتناقضاتها هي مصدر سحر لها، إلا أن بينيون ترى أنه لا بد من امتلاك وعي واضح حول «من نكون» وربما بسبب هذا يروق لها إقامة تماثلات، تسميها هي «مستحيلات» كوضع، إذا كان ذلك ضرورياً، «الملك دواود بالقرب من رونالدينو لاعب كرة القدم، انطلاقاً من صورة تجعلهما أقرباء وتوحدهما، لأن العالم يثرى عن طريق هذه التشابكات».
والجميع يتذكر كلمات بينيون في مؤتمر اللغة الاسبانية في روساريو حين أعلنت بكل وضوح: «إننا عالميون بما نحن عليه، والحوار مع الآخر يقوم حتى عندما لا نتكلم، ونحن لا ننتبه إلى أن خطابنا دأب على كونه يمر عبر التعددية الغامضة المسمرة في نخاع ما نؤكده وما نعرفه بالذات. ففي نهاية المطاف، فإننا نأتي من جميع الأرجاء ونحن لسنا أجانب أبداً».
الكتاب: جمهورية الأحلام
الناشر: دار ألفاغوارا ـ إسبانيا 1984
الصفحات: 596 صفحة من القطع المتوسط
La republica de los suenos
Nelida pinon
Alfaguara- Espana1984
p.695