مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفرنسي المعروف توما فيرينزي. وهو أحد أعمدة جريدة «اللوموند» ومن كبار المحررين السياسيين فيها، وكان قد دخلها عام 1971، أي منذ حوالي خمسة وثلاثين عاماً. وهو الآن مراسلها في بروكسيل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، وكان قد شغل في السابق منصب مراسلها في موسكو،

ثم أصبح بعدئذ رئيساً للقسم السياسي ومديراً للتحرير في الجريدة الفرنسية العريقة. وفي هذا الكتاب الجديد يستعرض المؤلف مهنة الصحافة بكل أبعادها ومنذ البداية يقول بما معناه: ان الصحافة تتعرض للهجوم غالباً، ولكن أحياناً محط إعجاب وحسد من الآخرين. وفي كل الأحوال فإنها تمارس سلطة كبيرة على العقول.

ولذلك يدعونها السلطة الرابعة بعد السلطات الثلاث التي تحدث عنها مونتسكيو: أي السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية. ولكن من كان أول من أطلق عليها هذه الصفة: أي السلطة الرابعة؟ انه المفكر البريطاني إدموند بورك،

وكان ذلك في نهاية القرن الثامن عشر وبالتحديد عام 1787. وهذه التسمية تدل على النفوذ المتزايد الذي تمارسه الصحافة على الناس في المجتمعات الحديثة. وكانت أولى الصحف قد ظهرت في بدايات القرن السابع عشر في أوروبا، وأما الجرائد اليومية فلم تظهر إلا في بداية القرن الثامن عشر. وكان ذلك عام 1702 في لندن،

حيث ظهرت جريدة الأخبار اليومية. وأما في باريس فلم تظهر أول جريدة إلا عام 1777، تحت عنوان «جريدة باريس»، ولكن لم يتم الاعتراف بمشروعية الصحافيين وتأثيرهم إلا بعد الثورة الفرنسية، وأما كلمة صحافة نفسها فلم تظهر في اللغة الفرنسية إلا عام 1778. هذا في حين أن كلمة صحافي أو صحفي تبدو أقدم عهداً، فهي تعود إلى عام 1703.

ولكن الصحافة لم تصبح مهنة حقيقية في فرنسا إلا في نهاية القرن التاسع عشر. قبل ذلك كان عبارة عن هواية فقط. وعندئذ تأسست المؤسسات الصحافية الكبرى وأصبح الصحافي شخصاً مهماً بالإضافة إلى الكاتب والروائي أو الفيلسوف أو رجل السياسة. ولم يعد طفيلياً يتطفل على الثقافة، والفكر، وقد صدر ميثاق الصحافيين المهنيين الفرنسيين عام 1918: أي بعد الحرب العالمية الأولى مباشرة، وقد ركز على النقاط التالية: ينبغي على الصحافي المحترف أن يتحاشى النميمة والكذب وإلقاء التهم جزافاً من دون برهان، كما ينبغي عليه ألا يزور الوثائق، وألا يحرّف الوقائع. فهذه أشياء قبيحة ولا تليق بالعمل الصحافي الجيد.

ثم يضيف المؤلف قائلاً: وقد ركز الميثاق على واجبات الصحافيين الآخرين المتمثلة باحترام الحقيقة وعدم استخدام أساليب ملتوية في العمل الصحافي وتصحيح أي خبر منشور إذا كان كاذباً أو خاطئاً وعدم التدخل في الحياة الشخصية لرجال السياسة، أو لمن يكتبون عنهم بشكل عام.

بمعنى أنه ينبغي عدم التحدث عن حياتهم العائلية أو زوجاتهم أو أطفالهم عن طريق التشهير بهم، ومن أجل الضغط عليهم. ويبدو أن الصحافة الفرنسية تهتم بالتعليق أكثر مما تهتم بالحدث أو الواقعة على عكس الصحافة الإنجليزية. كما انها تهتم بالافتتاحيات الصحافية البليغة أكثر مما تهتم بالتحريات أو التحقيقات الصحافية الواسعة. وبالتالي فهي أكثر أدبية وفلسفية من الصحافة الانغلوساكسونية.

لكن ما هو هدف العمل الصحافي؟ ما هي غايته؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً انه يهدف إلى تقديم معرفة ما عن المجتمع وكذلك معلومات مضيئة عن الأوساط السياسية وما يحدث في البلاد أو في العالم ككل، ولكن هناك علوماً أخرى تقدم معرفة أكثر دقة كعلم الاجتماع وعلم التاريخ وعلم السياسة. يضاف إلى ذلك أن الأدب يقدم معرفة أكثر عمقاً،

وأما التحقيق البوليسي فيقدم معرفة أكثر تخصصاً وكذلك التحقيق القضائي. ولكن على الرغم من ذلك فلا غنى عن الصحافة في العالم الحديث. فنحن نبتدئ حياتنا اليومية بقراءة الصحف قبل أن نذهب إلى العمل. لقد أصبحت بمثابة صلاة الصبح كما يقول هيغل. ولا يوجد رجل سياسة أو مثقف إلا وهو يقرأ الصحف يومياً. هذا ناهيك عن الشعب والناس العاديين وبخاصة في الأمم المتقدمة.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وبالنسبة للصحافي فإن أهم شيء هو الحصول على المعلومة، فمن يحصل عليها قبل الآخر يحقق سبقاً صحافياً. ولذلك ينبغي على الصحافي أن يكون ذا اطلاع واسع على شؤون السياسة وما يحصل في المجتمع. كما ينبغي عليه أن يمتلك شبكة واسعة من الصداقات والعلاقات العامة لكي يتوصل إلى المعلومة بأسرع وقت ممكن وقبل غيره. ولكن لا يكفي أن يقدم الصحافي المعلومة الجديدة إلى صحيفته لكي يصبح صحافياً ناجحاً.

لا ريب في أن ذلك يشكل نصف الطريق نحو النجاح، ولكن يبقى نصفه الآخر: ألا وهو طريقة تقديم المعلومة أو كيفية التعليق عليها وشرحها ووضعها ضمن سياقها لكي يفهم القراء كل مغازيها ودلالاتها.

وهنا تتفاوت إمكانيات الصحافيين سلباً وإيجاباً، فكلما كان اطلاعهم واسعاً، وكانت ثقافاتهم كبيرة استطاعوا أن يقدموا المعلومة بطريقة جذابة، مفيدة، ذات معنى فالذي يعرف كيف يشرح الخبر غير الذي يقدمه هكذا على هيئة مادة خام من دون أي تعليق، أو مع تعليق رديء وضعيف.

ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن الوجه المزدوج للصحافة السياسية ويقول: بما أن حرية الصحافة هي إحدى أسس الديمقراطية فإن السياسة هي أحد الأبعاد الأساسية للصحافة. بالطبع فهناك صحافة ثقافية، وصحافة اجتماعية، وصحافة اقتصادية، ورياضية، الخ.. ولكن الصحافة من دون سياسة لا معنى لها. وفي فرنسا هناك صحف تدافع عن أحزاب اليمين، وصحف تدافع عن أحزاب اليسار. وفي الخمسينات قالت سيمون دوبوفوار ما معناه: إن الصحيفة من دون برنامج سياسي لا معنى لها!

فجريدة «الفيغارو» مثلاً تدافع عن اليمين الفرنسي المعتدل وبخاصة اليمين الديغولي أو الشيراكي، وصحيفة «ليبيراسيون» تدافع عن خط اليسار الاشتراكي، وصحيفة «لومانيتيه» تدافع عن تيار الحزب الشيوعي، وصحيفة «اللوموند» ترتفع فوق الأحزاب بجديتها، الخ.

والفرنسي قبل أن يذهب إلى عمله يشتري الجريدة التي يحبها لكي يقرأها في الميترو أو الباص، فإذا كان ذا ميول يمينية اشترى الفيغارو أو الباريزيان، وإذا كان يسارياً اشترى «ليبراسيون» وإذا كان مثقفاً اشترى «اللوموند»، الخ.

ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن الصحافة الحرة لا يمكن أن تتوافر إلا في البلدان الديمقراطية. وأما في البلدان المحكومة من قبل أنظمة الحزب الواحد والقادة الديكتاتوريين فلا توجد إلا صحيفة واحدة تتحدث باسم النظام. بالطبع فإنه قد توجد عدة صحف أو مطبوعات ولكنها كلها تقول الشيء نفسه وإن بأشكال مختلفة، إنها أبواق متعددة لصوت واحد.

وفي العهد السوفييتي كانت توجد «البرافدا» في موسكو، وكانت ناطقة باسم الحزب الشيوعي وتنشر دعاية النظام بأسلوب ممل ومكرر لم يعد ينفع أحداً، وأما الآن فتوجد عشرات الصحف، وكلها تعبر عن مختلف الحساسيات السياسية أو الايديولوجية الموجودة في روسيا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

وهذا هو الوضع الطبيعي الذي تنتعش فيه الصحافة: أي وضع الحرية، وبالتالي فلا صحافة مبدعة وناجحة من دون حرية. هذه حقيقية مفروغ منها.

لذلك فإن صحافة الغرب ممتعة وجذابة وتثير اهتمام القراء فالديمقراطية متوافرة وتتيح لها ان تقول ما تريد قوله بكل حرية. هذا في حين ان صحافة البلدان الشيوعية مملة ويغلب عليها طابع الدعاية «او البروباغندا» وهو طابع مكرر ومكروه ينفر منه القراء. ولذلك فإنهم لا يشترون صحافة بلادهم.

والصحافة السياسية أما ان تكون مع السلطة واما ان تكون مع المعارضة. ولذلك تحدثنا عن الوجه الممزوج للصحافة السياسية. فهناك صحف متخصصة في نقد الحكومة وفضح أخطائها أو فسادها أو تجاوزاتها. وكثيرا ما كشف الصحافيون عن رشاوى يتلقاها هذا الوزير او ذاك، وأدى ذلك الى قاعة المحكمة او فقدانه منصبه. وبالتالي فالصحافة تلعب دوراً خطيراً في الحياة السياسية للبلدان الديمقراطية.

ولكن هناك صحفاً مختصة بالدفاع عن الحكومة وشرح قراراتها والإشادة بمنجزاتها وصد هجوم الصحف الأخرى عنها. وهذا ما تفعله الآن جريدة «الفيغارو» بالنسبة لشيراك. وهذا ما كانت تفعله سابقا جريدة «ليبراسيون» بالنسبة لميتران واليسار الاشتراكي عندما كان حاكما.

ولكن ينبغي ان تحذر الصحف من تأييد الحكومة على طول الخط. فعندئذ قد تتحول الى صحافة دعاية مملة ولا تعود تقنع احداً. ولهذا فقد تفقد قراءها أكثر فأكثر وتنخفض مصداقيتها في نظر الجمهور. وبالتالي فينبغي على الصحافة ان تكون ذات لهجة نقدية أو حرة حتى عندما تكون مؤيدة للحكومة. أو قل ينبغي ان تؤيدها بكل حرية فتشير إلى اخطائها. إذا ما ارتكتب بعض الأخطاء وتشيد بانجازاتها اذا ما نجحت وحققت بعض الانجازات وعلى هذا النحو تستطيع ان تحافظ على مصداقيتها. فتأييد الحكومة على طول الخط يضر كثيرا بالصحافة أيا تكن يمينية أم يسارية.

والناس ميالون للمعارضة والاحتجاج بطبيعتهم ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن موضوع خطير: ألا وهو تغطية الحروب من قبل الصحافيين ووسائل الأعلام. وهنا توجد عدة قواعد ينبغي ان يلتزم بهنا الصحافي نذكر من بينها عدم التعرض في مقالاته لأسرار عسكرية قد تضر بالعمليات الجارية. وهذا ما اشترطته الحكومة الفرنسية على الصحافيين الفرنسيين عندما رافقوا قواتها إلى الكويت. وكانت في البداية تريد ان تطبق عليهم قانون عام 1944 الخاص بمراسلي الحرب.

وهو قانون يقضي بمراقبة كل المقالات والصور التي يرسلونها الى جرائدهم قبل نشرها وحذف ما تريد الحكومة حذفه منها. ولكنها تراجعت عن تطبيق هذا القانون. واكتفت مقابل ذلك بإجبار الصحافيين على التوقيع على وثيقة تنص على عدم نشر أي شيء يهدد مصير العمليات العسكرية الجارية. وطالبتهم أيضا بعدم نشر أخبار أو صور تسيء إلى سمعة القتلى أو الجرحى. فهناك صور بشعة أو مرعبة قد تؤثر على معنويات الجنود وعائلاتهم إذا ما نشرت. كما انها مهينة للكرامة الإنسانية.

بالطبع فلم يكن أي صحافي مجبراً على الالتزام بهذه القوانين. ولكن في هذه الحالة كانوا يحرمونه من الدخول إلى القواعد العسكرية الفرنسية، او الاستفادة من المعلومات التي يمتلكها القادة عن سير المعارك. وهي معلومات ضرورية جدا لكل مراسلي الحرب. وإذا لم يرسلوها الى جرائدهم فإن أحداً لا يعلم ماذا يحصل هناك.

هكذا نلاحظ ان الصحافة اصبحت من أخطر المهن واهمها في القرن العشرين وكثيرا ما يقتل الصحافيون في ساح الوغى ويدفعون حياتهم ثمنا للبحث عن المعلومة والحقيقية.

الكتاب: الصحافة

الناشر: المطبوعات الجامعية الفرنسية باريس 2005

الصفحات 127 صفحة من القطع الصغير

LE Journalisme

Thomas ferenczi

p.u.f - paris 2005

p.127