شمؤلفة هذا الكتاب هي الصحافية الأميركية الشهيرة بربارة فيكتور التي اشتغلت في تلفزيون (CBS) لمدة خمسة عشر عاماً، حيث غطت أخبار الشرق الأوسط وكانت قد نشرت مجموعة من الكتب نذكر من بينها: «الإرهاب» حيث تتحدث عن الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 إلى عام 1990. كما ونشرت كتاباً عن المناضلة والمثقفة الفلسطينية المعروفة حنان عشراوي تحت عنوان: «صوت العقل.. حنان عشراوي والسلام في الشرق الأوسط».

وقد نالت عليه جائزة بوليتزر الشهيرة في أميركا، وذلك عام 1995. كما ونشرت كتاباً عن الجريمة والعنف في المجتمع الأميركي. وبالتالي فلها كتب عديدة عن موضوعات شتى. وفي هذا الكتاب الجديد تتناول المؤلفة موضوعاً خطيراً: الا وهو تحالف اليمين المسيحي مع الحزب الجمهوري والمحافظين الجدد من أجل شن حرب على «الإرهاب» في شتى أنحاء العالم الإسلامي. وترى المؤلفة أنه منذ انتخاب ريغان عام 1980 فان اليمين المسيحي شكل مجموعة ضغط كبيرة في الولايات المتحدة.

وقد استخدموا أموالهم وطاقاتهم من أجل دحر التيار الليبرالي الديمقراطي واحتلال مركز الحياة السياسية الأميركية: أي البيت الأبيض. وذلك لأن جورج دبليو بوش هو واحد منهم. وهكذا فرضوا أفكارهم اليمينية المحافظة على السياسة الأميركية في الداخل والخارج واستطاعوا السيطرة على الحزب الجمهوري وأصبحوا يتحكمون إلى حد كبير بالانتخابات الأميركية ومباني البيت الأبيض. ثم تردف المؤلفة قائلة: وأخذوا بعدئذ يمارسون تأثيراً كبيراً على السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

والشيء الغريب هو التالي: على الرغم من كرههم الشديد لليهود إلا إنهم راحوا يتحالفون مع اليمين الاسرائيلي المتشدد على طريقة نتانياهو وشارون !

وراحوا يغدقون المساعدات المالية على المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي الوقت ذاته يعلنون الحرب على الارهاب بلهجة عنيفة تذكرنا بلهجة الحروب الصليبية. وبالطبع فإن ضربة (11) سبتمبر جاءت لكي تخلع على أطروحاتهم مصداقية كبيرة ولكي تزيد من شعبيتهم داخل الولايات المتحدة. وكلما هدد ابن لادن اليهود والصليبيين بالقتل حيثما وجدوا زادت شعبية اليمين المسيحي المتطرف في أميركا. وهكذا نلاحظ أن التطرف يغذي التطرف ويدعمه ويشد من أزره. فهناك تحالف موضوعي بين المتطرفين.

والواقع ان التحالف الذي حصل بين الأصوليين البروتستانتيين من جهة واليمين السياسي المحافظ من جهة أخرى أدى إلى تشكيل كتلة ضخمة قادرة على التحكم بكل مقاليد السلطة في أميركا من البيت الأبيض، إلى البنتاغون إلى وزارة الخارجية، إلى وزارة العدل، إلى وسائل الإعلام والفضائيات التلفزيونية الكبرى.

وأصبحت هذه الكتلة الدينية ـ السياسية الضخمة قادرة على شن حرب عدوانية في الخارج ضد افغانستان والعراق. كما وأصبحت قادرة على قمع القوى الديمقراطية والليبرالية في الداخل باسم الدفاع عن الوطن والقيم الأميركية الأصيلة. وهكذا تقلصت الحريات في أميركا بعد (11) سبتمبر.

ثم تردف المؤلفة قائلة: والشيء الغريب العجيب هو إن أميركا بلد يضج أو يعج بالتناقضات. فهي من جهة بلد الحريات الديمقراطية وحركات تحرر المرأة. ولكنها كانت آخر بلد يقبل بتحرير السود أو العبيد! وهي من جهة بلد الحريات الجنسية بكل أنواعها، ولكنها من جهة أخرى بلد المتدينين الطهريين البروتستانتيين! وهي البلد الصناعي الوحيد في العالم الذي لا يزال متعلقاً بالدين، ظاهرياً على الأقل.

وبحسب استطلاعات الرأي العام التي أجريت في شهر ابريل سنة 2004 فإن 60% من الأميركان يعترفون بأن الدين يلعب دوراً مهماً جداً في حياتهم. وهذه النسبة لا يمكن ان تجدها في أي مجتمع صناعي متقدم آخر كفرنسا مثلاً أو انجلترا أو اليابان، الخ.

ثم تضيف المؤلفة قائلة: حوالي الخمسين بالمئة من الأميركان يقولون عن أنفسهم بأنهم بروتستانتيون و25% يقولون بأنهم من الكاثوليك، و11% يقولون إنهم مسيحيون ولكن لا ينتمون إلى أي مذهب. فقط 7% من الأميركان يقولون إنهم لا ينتمون إلى أي دين. وقد ازدادت موجة التدين بعد ضربة (11) سبتمبر بطبيعة الحال.

فالرئيس بوش أخذ يكثر من الاستشهاد بالانجيل بعد ذلك. ومعلوم ان تقسيم العالم إلى معسكر الخير ومعسكر الشر موجود في الكتاب المقدس. وبالتالي فقد استعاره بوش منه.

ومعلوم ان الداعية الانجيلي بيل غراهام صديق لعائلة بوش. وهو الذي فتح عين بوش الابن على الدين وهداه إلى «الصراط المستقيم» إذا جاز التعبير. وقد عبر فرانكلين غراهام ابن بيل غراهام عن مشاعر الرئيس وتفكيره بعد ضربة (11) سبتمبر قائلاً:

الرئيس ليس غبياً. فهو يعلم ان اولئك الذين اعتدوا على بلادنا هاجمونا باسم دينهم. صحيح ان الرئيس قال إننا لسنا في حالة حرب مع الاسلام. ولكنه يعرف الملابسات الدينية لكل هذه القضية.

ثم يهاجم فرانكلين غراهام العقائد الاسلامية بكل عنف لأنها تبرر الارهاب بحسب رأيه. وهو يكشف بذلك عن جهله بحقيقة الاسلام الصحيح الذي هو دين رحمة ومغفرة واحترام للنفس البشرية.

ويعتقد الانجيليون أي الأصوليون البروتستانتيون، أن القيم التي يحبونها ويؤمنون بها هي تلك التي أمر بها الله وليس فقط الشعب الأميركي. وهي حرية الصلاة وحرية التعبير والمتاجرة والمقاولة . وبالتالي فمن واجبهم الدفاع عن هذه القيم ونشرها في شتى أنحاء العالم.

وعلى هذا النحو راح اليمين الديني الأميركي يسيطر على السياسة الخارجية لأكبر قوة في العالم من أجل استخدامها لتحقيق أهدافه ولم يعودوا انعزاليين كما كان عليه الحال في السابق طيلة قرون وقرون. بل أصبحوا يتدخلون في كل أنحاء العالم من أجل نشر الانجيل.

ولذلك «دعوا بالانجيليين» وهم الآن يبشرون به في كل مكان. ويساهمون في محاربة مرض الايدز في إفريقيا وسواها بدعم مالي كبير من إدارة الرئيس بوش، ولكنهم يحاربون الإجهاض في كل مكان ويعتبرون قتل الجنين في بطن أمه بمثابة قتل للنفس البشرية.

يضاف الى ذلك ان الأصوليين البروتستانتيين يحاربون الاضطهاد الديني وبخاصة اذا كان موجها ضد الأقليات المسيحية في السودان أو تيمور الشرقية أو مصر أو أي مكان آخر في العالم.

والواقع أنهم بعد ان كانوا قد ناضلوا في أميركا اللاتينية ضد الشيوعية ولاهوت التحرير وفرغوا من ذلك، استداروا الآن بكل قواهم نحو العالم الإسلامي، وهم يعتبرون ان عدوهم الأساسي في الفترة الحالية هو الحركات الأصولية المتشددة المنتشرة في الباكستان وأفغانستان وإيران والعالم العربي والإسلامي بشكل عام. والواقع ان التحالف بين المحافظين الجدد واللاهوتيين الجدد قد حصل بخصوص الشرق الأوسط.

وهكذا التقت النزعة التبشيرية الديمقراطية بالنزعة التبشيرية المسيحية لكي تشكلا كتلة ضاغطة ومؤثرة على السياسة الخارجية الأميركية.

ثم تتابع المؤلفة كلامها قائلة: ان الفئة الأكثر تشددا من هؤلاء الأصوليين البروتستانتيين تعتقد بإحدى الخرافات الواردة في العهد القديم: أي التوراة. وهي تتمحور حول معركة «ارماجيدون» الكبرى. فهم يعتقدون بأن المعركة الفاصلة والنهائية بين الخير والشر سوف تحصل في منطقة بابل (أي العراق حاليا).

فالمسيح المخلِّص لن يعود الى الأرض مرة أخرى إلا بعد ان يكون اليهود قد استعادوا فلسطين وأعادوا ترميم المعبد. وعندئذ تصبح القدس (أورشليم) عاصمتهم الأبدية.

وعندئذ تحصل المعركة الكبرى بين جيوش المسيح الدجال ومملكة الله. عندئذ تحصل المعركة الفاصلة بين الخير والشر وهي معركة ارماجيدون. وتؤدي المعركة الي حرق اليهود كلهم او اعتناقهم للمسيحية وتخليهم عن دينهم. وبعدئذ يعود المخلِّص ، أي المسيح، الى العالم من جديد!

وبالتالي فدعم الأصوليين الأميركان لليمين الصهيوني ليس من أجل سواد عيون اليهود، وانما من اجل هلاكهم في نهاية المطاف!

فالأسطورة تقول بأن المسيح لن يعود الى الأرض مرة أخرى الا إذا عاد اليهود كلهم الى فلسطين وحصلت هذه المعركة الكبرى كما ذكرنا. وبالتالي فمن مصلحة الأصوليين البروتستانتيين ان يعود اليهود الى أرض فلسطين لكي تتحقق نبوءة الكتاب المقدس ويعود المسيح.

هكذا نلاحظ ان الخرافات موجودة حتى في أكثر البلدان حداثة وتقدما ورأسمالية: أي في الولايات المتحدة الأميركية. وهذا من غرائب الأمور.

ولكن لا ينبغي الاعتقاد بأن الأميركان كلهم أصبحوا أصوليين! فالواقع ان التيار العام يظل ليبراليا ومضادا للأصولية. و لكن ينبغي الاعتراف بأن عدد الأصوليين تزايد كثيرا بعد ضربة «11» سبتمبر.

ان عقلية هؤلاء الأصوليين مليئة بالخرافات. فهم يعتقدون بأن تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 يعتبر بمثابة تحقيق للنبوءة التوراتية. انه الخطوة الأولى نحو تحقيق الحلم الكبير: عودة المسيح المخلِّص الى الأرض بعد تجميع اليهود كلهم في مكان واحد وتدميرهم او إجبارهم على اعتناق المسيحية.

وهو اعتناق رفضوه على مدار التاريخ. و بالتالي فالصهيونية المسيحية اذا جاز التعبير مبنية على العبارة التوراتية التالية: سوف أعطي لذريتك (يا إبراهيم) هذه البلاد الممتدة من نهر مصر الى نهر الفرات الكبير (سفر التكوين، الجزء الخامس عشر، الفقرة الثامنة عشرة). وهذا ما أدى الى بلورة الشعار التالي: حدودك يا إسرائيل من الفرات الى النيل.

ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة:

ولذلك فان هؤلاء المهووسين يعارضون عملية السلام الجاري حاليا بين الفلسطينيين والإسرائيليين. بل واعتبروا إعادة سيناء الى مصر بمثابة خيانة للكتاب المقدس لأن سيناء في نظرهم عبرية أو توراتية. وكذلك غزة والضفة الغربية وكل المنطقة المنتشرة حتى الفرات ولكن الإسرائيليين الأذكياء يعرفون أن هذه الأقاويل مجرد خرافة ولذلك انسحبوا من سيناء وسوف ينسحبون من غزة أيضا

.

الكتاب: آخر الحروب الصليبية

الدين والسياسة للإدارة الخاطئة

الناشر: كونستابل ـ لندن 2005

الصفحات: 312 صفحة من القطع المتوسط

THE LAST CRUSADE

RELIGION AND THE POLITICS OF MISDIRECTION

BARBARA VICTOR

CONSTABLE- LONDON 2005

P. 312