انتهى امبرتو ايكو من روايتة الجديدة «اللهيب الغامض للملكة لوانا»، الرواية الخامسة والأخيرة له كما يقول. وفي هذه الرواية يتحدث إيكو عن طفولته وأيطاليا الفاشية. في هذا الحوار الذي أجرته معه صحيفة «اندبندنت» يتحدث الروائي الايطالي عن تلك الاحداث ويلقي المزيد من الضوء على عالمه الابداعي. خارج الشقة التي يعيش فيها امبرتو إيكو مع زوجته في مدينة ميلانو الايطالية، تحوم طيور السنونو فوق قلعة المدينة العالية.
أما في داخل الشقة، فيفضي ممر طويل مثقل برفوف الكتب من غرفة الجلوس إلى المكتبة الكبيرة. قاعة الاستقبال تكاد تكون موضعاً للوحات تجريدية وأجهزة موسيقية ومجموعات من أعمال موسيقية وأغان ولوحتين رسمهما حفيده الصغير ذو السنوات الأربع.
غير أن المجموعة الاهم تجثم هناك في الزاوية بجانب تمثال طويل من الرخام، وهي خزانة عرض فيها إيكو مجموعة مختارة من كتب اطفال قديمة تعود للعشرينات والثلاثينات، بينها نسخة من كتاب «بينوكيو» برسومات بالاسود والأزرق إلى جانب قصص اطفال ونسخة من علبة أطفال قديمة وكتاب اناشيد فاشية وبطاقة عليها صورة لصبي عمره عشر سنوات. وهي بطاقة عضوية إيكو في منظمة الشبيبة الفاشية في أيام موسوليني. يقول إيكو ان بعض هذه الكتب احتفظ بها من ايام طفولته وأخرى اشتراها لاحقاً من الكتب المستعملة. هذه هي الموضوعات التي تشكل جوهر مادة روايته الجديدة الرائعة.
«اللهيب الغامض للملكة لوانا» الرواية الجديدة لامبرتو إيكو، ربما تكون مفاجأة للقراء المعتادين على كتابات ايكو الروائية واستكشافاته لعقلية القرون الوسطى في روايات مثل «اسم الوردة» و«البندول».
في «اللهيب الغامض للملكة لوانا» يقص الروائي حكاية يامبو، بائع الكتب القديمة الذي يصاب بحالة فقدان ذاكرة حادة. وهو يستطيع تذكر كل كتاب قرأه في حياته، ومع ذلك سيعجز عن تذكر زوجته وبناته.
وبعد ان يعتزل الحياة في شقته القديمة بين ميلانو وتورينو، يتمكن من استعادة نوع من الذاكرة العامة غير الشخصية بدراسته للكتب والطوابع والمجلات القديمة.
وشيئاً فشيئاً تبدأ ذكراته الشخصية بالعودة، ولهذا تقوده محاولته لاستعادة الذاكرة إلى تتبع حب قديم من أيام الدراسة. وهنا تقوده الملكة لوانا والساحر ما ندريك صعوداً على درج من كتب كرتونية بيضاء يصفه ايكو بأنه «سلم الجنة» الذي يبدأ من رواية أميركي في باريس» لفنسنت ميفيلي»، انها مجموعة من أشكال الفضول الطفولي تفضي إلى حلم بالموت، وفي قلبها هناك ذاكرة متنامية لإيطاليا الموسولونية.
عن الحنين إلى أيام الماضي رغم ظلاله الفاشية يقول إيكو: «الانسان يحن حتى إلى أكثر الأحداث مأساوية في طفولته. استطيع ان أحكم على الفاشية من وجهة نظر تاريخية.
غير أن تلك الفترة هي طفولتي. ولهذا تجدني مع الاصدقاء، وهم يساريون كلهم، بعد حفلة نغني معا اناشيد فاشية».
فهل يعقل ان المفكرين اليساريين الليبراليين ينشدون أناشيد في فاشية يقول: «لا نستطيع ان نفعل ذلك علناً لأنهم سيعتبروننا فاشيين، مثلما لا أستطيع اليوم أن البس قميصاً أسود».
يضيف: «مع أصدقائي المقربين، بعد منتصف الليل، نغني أحياناً هذه الاغاني لأنها كانت جزءا من طفولتنا. لهذا تجدني أحياناً أستعيد هذه التجارب، وفي الوقت نفسه أحكم عليها بشكل ضمني. هناك شيء آخر اكتشفته اثناء كتابة هذه الرواية، استطيع ان اسميه الانفصام في الشخصية الذي عرفته تربيتنا.
ففي الوقت نفسه كانت لدينا كل تلك الدعاية الرسمية، مثلما كانت لدينا الكتب المصورة والاغاني الاذاعية الاميركية.
ويتابع: «فيلليني قال ذات مرة: إن لم نصبح اغبياء تماماً، فتلك معجزة. وأنا ارى انهم إن لم يصبحوا اغبياء تماماً فهذا يعود لانفصام الشخصية تلك، هذا التوازن،
أي ان 50 في المئة من الايطاليين كانوا مثل الـ 50 في المئة الأخرى كانوا يمثلون الحكومة».
إيكو امضى طفولته في مدينة ألساندريا، بلد قبعات البورسالينو. ويقول عنها: «كانت بلدة تقوم حول شركة. كل من كان يعمل في الشركة كان عليه ان يعتمر تلك القبعة. ولهذا، تجد الناس حتى لو كانوا من طبقة متوسطة ميسورة، عليهم ان يلبسوا تلك القبعات الجميلة». والده كان محاسباً وأمه ضاربة آلة كاتبة.
وهو يقول: «في شبابها كانت سكرتيرة لنائب في البرلمان، ليبرالي ديمقراطي، وحيث تقدم موسوليني نحو روما، قال ذلك النائب الذي لم يكن فاشياً أبداً إن الحالة الراهنة ربما تجعل البلاد بحاجة إلى رجل يأتيها ببعض النظام. ومن هنا بدأت الديكتاتورية».
في «الملكة لوانا» ننظر إلى الديكتاتورية دون من خلال عيني طفل. ربما تكون شكلاً آخر ممتعاً لرواية «مؤامرة ضد أميركا» لفيليب روث، مع فارق وحيد هو ان روث هو من رسم تلك المؤامرة.
يقول إيكو عن كتاب روث: «إنه كابوس، لكنه كابوس مزعوم. لم يعرف روث الضغط اليومي للدعاية الدكتاتورية. كما أنه يتحدث عن عائلة هي ضد ما كان يحدث. لكن شأن معظم الايطاليين، عائلتي كانت بلا موقف. فهي ليست فاشية، وليست مناوئة للفاشية أيضاً. لقد قبلنا هذا الشكل في الحكم وكأنه شيء طبيعي».
في 1942، فاز إيكو ابن العشر سنوات بالجائزة الاولى في مسابقة للناشئين الصغار، حين كتب موضوعاً انسانياً بعنوان: «هل يجب أن نموت من اجل امجاد موسوليني وقدر ايطاليا الخالدة؟» كان جوابه هو نعم، يجب ان نموت. يقول: «الاطفال على استعداد لترديد ما يشاهدونه على التلفزيون وكان الامر كذلك بالنسبة لنا». إذن فهل كان يصدق هذا الامر حين كتبه؟» لا اعرف لا اتذكر. اتذكر اني كنت مضطرباً تماماً في الصباح الذي استيقظت فيه وقلت في نفسي، هل احب الدوتشي؟..
هذا يعني انه كانت لدي شكوكي».
مع ذلك، بعد 9 شهور في الواقع وفي الرواية كتب موضوعاً آخر: «الزجاج الذي لا يكسر»، الذي تناقش فيه الحتميات القديمة.
ثم يأتي عام 1943، حيث هزيمة الفاشية والحرب الاهلية الايطالية. وعلى الرغم من ان إيكو الصغير شاهد المواجهات بين الاحزاب والفاشيين، فهو يصف حدثاً مشابهاً في الرواية بأنه «زعم». بعدها تتقدم القصة نحو المراهقة ثم إلى العناق الاخير المميت مع الملكة لونا.
يقول: «حين تكبر في السن، فإنك تبدأ بالعودة إلى جذورك. انا لم اتحدث ابدا بلهجتي الاصلية، لأنني من عائلة برجوازية نوعاً ما كانت تتحدث بالايطالية المعروفة مع الاطفال. لسبب غامض لا اعرفه استطيع الآن ان اتحدث بتلك اللهجة.. إنها إعلان للموت الآتي.» يضحك، ويقول: «هذه ستكون الرواية الاخيرة. خمس روايات تكفي».
جلال الخليل
محطات في مسيرة حياة امبرتو إيكو
ـ ولد في بيدمونت (شمال إيطاليا) في 1932، وكان واحداً من 13 طفلاً للعائلة.
ـ محرر بدور النشر وكاتب عمود صحافي.
ـ درس فلسفة العصور الوسطى في جامعة تورينا.
ـ اكتسب شهرة أكاديمية واسعة في فلورنسا وميلانو.
ـ في 1964 اختير أستاذاً للاتصال البصري في جامعة فلورنسا.
ـ في 1966 انتقل إلى ميلانو ثم أصبح أول أستاذ لعلم العلامات (السيميولوجي) في جامعة بولونا، أقدم جامعة في
أوروبا.
ـ في 1974، نظم إيكو أول مؤتمر في العالم لعلماء العلامات، ووصفه حينها بأنه «موقف علمي وطريقة نقدية للنظر إلى
مواد العلوم الأخرى».
ـ بدأ كتابة الرواية عام 1980 حينما نشر أشهر رواياته، وهي «اسم الوردة».