مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الفلسطيني محمد هوّاش وهو من المهتمين بتاريخ منطقة بلاد الشام وله بعض الكتب في هذا الإطار منها: عن العلويين ودولتهم، ومتى قامت الثورة الفرنسية، وتقديم جديد لجمهرة أنساب العرب عن ابن حزم الأندلسي. وله ترجمة عن الفرنسية للتاريخ العسكري للجيش العربي السوري ودوره أثناء الحرب العالمية الثانية.
يتناول هذا الكتاب النضال الذي خاضه الوطنيون السوريون في مختلف المناطق (الدويلات) السورية لتحقيق التحرر والوحدة منذ انهيار الحكم الوطني في دمشق حتى الوصول إلى الوحدة السورية عام 1936، ومراحل النضال اللاحقة حتى جلاء القوات الفرنسية عن الأراضي السورية في العام 1946.
ينقسم الكتاب إلى جزئين، يتناول الجزء الأول الاستعراض التاريخي للوضع السياسي وشكل الحكم وتقسيم الشام إلى دويلات، ويناقش الجزء الثاني مسألة الوحدة السورية وممارسة الحكم الذاتي حتى الجلاء الفرنسي عن سوريا في 17 نسيان 1946. يستعرض الكتاب الحكومات المتتالية في سوريا وكذلك الانقلابات عليها منذ عشرينات القرن الماضي بداية بأول حكومة اتحادية قامت برئاسة صبحي بركات 1922
وأول حكومة بعد توحيد سوريا عام 1943 برئاسة سعد الله الجابري ثم استيلاء الجيش على السلطة في عام 1949 ، وانقلاب الجيش على نفسه بعد أربعة أشهر فقط وبقيادة سامي الحناوي حتى عام 1950، ثم انقلاب أديب الشيشكلي في الفترة من 1950 إلى 1954 ، وانقلاب مصطفى حمدون على الشيشكلي وقيام نظام برلماني جديد فيما بين 1954 و1958 (تاريخ قيام دولة الوحدة مع مصر) .
وحركة الانفصال عام 1961 بقيادة عبد الكريم نحلاوي ، والانقلاب الذي قام به زياد الحريري في مارس 1963 بمساعدة الناصريين والبعثيين والذي انتهى بتصفية دموية بين رفقاء السلاح (18 يوليو 1963 ـ 23 فبراير 1966). ثم قيام وزير الدفاع السوري في ذلك الوقت اللواء حافظ الأسد «بالحركة التصحيحية» في تشرين الأول عام 1970 والتي يحتفل بها سنوياً،
واعتقل على إثرها رموز القيادات السياسية وأصبح رئيساً للجمهورية العربية السورية منذ ذلك الوقت ، منهياً بذلك عهد الانقلابات، وحتى وفاته. وفى هذا الصدد يوضح المؤلف مظاهر الحالة السياسية السورية في: التسلط والاستبداد ونفي الآخر، المركزية الضيقة، حرمان المواطنين من أبسط حقوقهم الدستورية البسيطة، إخضاع القانون لرغبة الحاكم وتوجهاته.
يتحدث الكتاب عن الأطماع الفرنسية والبريطانية في إرث الدولة العثمانية (الرجل المريض) واستغلال التناقض بين القوى الرئيسة في المنطقة وهى ـ آل سعود «الوهابيين» وشريف مكة «الهاشمي» ـ بل وتعدى الأمر إلى حد منح التعهدات ومن ثم الرجوع عنها فيما يتعلق بدعم الثورة العربية الكبرى وهو ما وضح جلياً من اتفاقية سايكس ـ بيكو وتقسيم التركة التركية بين إنجلترا وفرنسا.
ويتناول الكاتب العهد الفيصلي (أكتوبر 1918 ـ يوليو 1920)وفيه يشير إلى العلاقات المتوترة بين الانجليز والفرنسيين من ناحية ، وبين الفرنسيين والسكان المحليين من ناحية أخرى،
كما يشير الكاتب إلى اتجاه الأمير فيصل نحو انجلترا وهو الأمر الذي جعل الموقف الفرنسي متوتراً على المحور الشعبي والرسمي والدولي. ولكن باتفاقية «كليمنصو ـ لويد جورج» في أيلول 1919 وخروج القوات البريطانية من سوريا، لم يعد لدى فيصل أي خيار سوى التعامل مع الفرنسيين. وفى سبيل الحفاظ على الحكم كان عليه تدعيم قواته العسكرية من ناحية وإثارة الرأي العام ضد فرنسا من ناحية أخرى لكي يدفعها ذلك إلى التراجع عن فكرة الانتداب وهو ما أشار إليه الجنرال «غورو» الحاكم العسكري الفرنسي، بأن الحكومة السورية تضم أصواتاً مناهضةً لفرنسا.
ومع وقوع بعض الأحداث بين الموالين للوجود الفرنسي وبين المناهضين له (احتجاز ـ اغتيال ـ نشاط بعض العصابات ـ اضطرابات طائفية). ثم كانت معركة «ميسلون» في 24 يوليو 1920 والتي كانت شرارتها احتلال القوات السورية(الشريفية كما كان يسميها الجنرال غورو) لبلدة «مجدل عنجر» ثم قيام قوات الجنرال «غوبيه» بقصف دمشق في استعراض مفرط للقوة العسكرية ردعاً، انتهى بسقوط المدينة ومغادرة فيصل لها متوجهاً إلى زدرعاس التي أجبر على تركها بعد أن هدد الجنرال «غورو» بقصفها بالطائرات إذا ما آوت الملك المخلوع. وتابعت القوات الفرنسية زحفها واحتلت حمص وحماه وحلب.
وفى العاشر من أغسطس 1920 عقدت معاهدة «سيفر» بين قوتي التحالف (فرنسا وبريطانيا) وبين تركيا والتي حصلت بموجبها الأخيرة على منطقة «كيليكيا» وتقسيم سوريا اعتباراً من سبتمبر 1920 إلى ثلاث دول تتمتع بالحكم الذاتي ويمكن أن تتحد فيما بينها، إلى جانب إقليم تحت الحكم الذاتي ودولة مستقلة: دويلة دمشق ـ دويلة حلب ـ دويلة العلويين ـ دولة لبنان الكبير ـ إقليم الدروز. غير أن حالة التقسيم هذه لم تكن إلا استثناءٍ في التاريخ العربي السوري ، وتسارعت الأحداث والتغيرات المهمة في عام 1922 مع إعلان الاتحاد الفيدرالي بين دمشق وحلب وإقليم العلويين.
وبغض النظر عما أثاره هذا الاتحاد من انتقادات محقة أو ظالمة (رأى المتشددون أنه خطوة لتكريس الأمر الواقع بالتعاون مع المحتل الفرنسي، كما أنه محطة في طريق تقرير دستور جديد لوطن مسيحي في لبنان. بنما رآه البراغماتيون أو أنصار الواقعية السياسية انه مجرد قيام اتحاد بين «دول» سورية، وإن كانت تلك الدول مفتعلة، إلا أنه اعتراف ضمني من فرنسا بالكيان «السوري»، وبالتالي فإن رفض هذا الاتحاد سوف يهدم الأساس القانوني الذي تستند إليه الوحدة السورية) إلا أنه يبقى تجربة وحدوية ضرورية كان من الصعب تصور الوصول إلى الوحدة السورية من دونها في ظل الظروف التي كانت قائمةً آن ذاك.
ومع استمرار غياب رؤية استراتيجية فرنسية واضحة تجاه الشكل القانوني للأقاليم السورية سواء دول أو دويلات أو غير ذلك، ومع مجييء وزارة «ليون بلوم» الاشتراكية إلى الحكم فى العام 1936، قامت تلك الحكومة وبالإيعاز لمندوبها السامي في سوريا بمساندة المطالبين بالوحدة في سوريا ـ من دون لبنان ـ والتي تحققت في اجتماعات «قصر الصنوبر» في بيروت.
إلا أنه ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية في عام 1939، تغيرت كل تلك الوعود وأثارت فرنسا الاضطرابات في أنحاء البلاد لكي تتخذ منها ذريعة للبقاء. ويستعرض الكتاب مظاهر ممارسة الحكم الذاتي والتي امتدت حتى ابريل 1946. حيث اتسعت دائرة مسؤولية زعماء وأعضاء الكتل السياسية الوطنية مع إعلان الوحدة السورية وأصبحوا يتمتعون بقدر أكبر من الصلاحيات ، وأصبحوا في المقابل عرضةً للمحاسبة من قبل مواطنيهم ،
كما لم يعد فى إمكانهم تحميل الانتداب وزر الأخطاء الممكن حدوثها. ثم يستعرض المؤلف الحكومات المؤلفة حتى عام 1939 ليجدها تدور في إطار مجموعة محدودة العدد والمعارف والخبرة ، مع تجاهل وجود شركاء آخرين من الأطياف السياسية الموجودة في تلك الفترة. وفى عام 1940 لم تعرض المعاهدة السورية - الفرنسية على البرلمان الفرنسي، الأمر الذى يتعارض مع التعهدات الفرنسية للحكومة السورية بالتصديق عليها قبل يناير 1939 لكي تتمكن سوريا من الانتساب لعصبة الأمم كدولة ذات سيادة،
كما اكتشفت أجهزة الأمن الفرنسية وثيقة محررة باللغة الإنجليزية تؤكد وجود حكومة عريبة سرية لحكم فلسطين ولبنان وسوريا والأردن، وتشير الوثيقة إلى أن أنشطة تلك الحكومة غاية في السرية وأن تمويلها مصدره السعودية والأردن. وأن الهدف منها هو تهيئة السبل لقيام دولة عربية كبرى واحدة.
في عام 1941 ومع اشتداد وتيرة الحرب العالمية الثانية ودخول المنطقة في خطة العمليات الحربية الألمانية، حدث تنسيق بين الحليفين الفرنسي والبريطاني فيما يختص بشؤون الدفاع وتوزيع صلاحيات القوات في سوريا ولبنان . وبناء على ذلك التنسيق، توزعت القوات الفرنسية في سوريا ولبنان على المطارات والمنشآت العسكرية،
وتركز المجهود الرئيسي للقوات الجوية الفرنسية في مطارات دمشق ورياق وتدمر. وفى تموز من نفس العام زار الجنرال «شارل ديغول» سوريا وطالبته الجماهير في الاستقبال الشعبي بالاستقلال التام وتشكيل حكومة فيدرالية سورية ـ لبنانية (يتمتع فيها لبنان باستقلال إدارى شبيهاً بما كان في العهد التركى)، وتوفير المواد الغذائية، وتخفيض الرسوم الجمركية على التجارة مع لبنان ودول الجوار.
وفى عام 1942 ركز الفرنسيون على أعمال البناء والتشييد خاصة الطرق والجسور والسكك الحديدية، وقد بلغت ميزانية الأشغال العامة في ذلك الوقت حوالي 222 ألف ليرة. وقد اتضح فيما بعد أن اهتمامهم بربط الأقاليم السورية ، خاصة جبل الدروز، يرجع إلى خوفهم من أن تتجه تلك الأقاليم وولاؤها إلى إمارة شرق الأردن، وليس لغرض تدعيم الوحدة السورية. وتسلم «شكري القوتلي» رسالة من رئيس الوزراء الفرنسي «لافال» يؤكد وعده بمنح سوريا الاستقلال التام ورغبته في تعيينه رئيساً لها مع طلب منه بالتدخل لدى أصدقائه لمساعدة فرنسا وحلفائها في الحرب.
في كانون الأول 1943 أعلنت الحكومة الفرنسية المؤقته تصميمها على تدعيم استقلال سوريا ولبنان واعترافها بهذا الاستقلال مع الأخذ فى الحسبان، بعد التداول مع الحكومة البريطانية، أن تطور الوضع العسكري (بعد صد الهجوم الألماني على المحور الشمال أفريقى) يسمح بالعمل بالدستور مجدداً. وقد منحت المندوب العام الصلاحيات كافة لاتخاذ الترتيبات اللازمة للتشاور مع الحكومة السورية واللبنانية والشخصيات المحلية المؤثرة.
وفى عام 1943 ونظراً للحالة الضبابية على الموقف العسكري والسياسي فيما يخص تقسيم المصالح بين الحلفاء وتأخر الوعد الفرنسي ، كانت سوريا تلعب بالورقة الفرنسية لكبح الجماح البريطاني وتلعب الورقة البريطانية لحث فرنسا على الإسراع بتنفيذ وعودها. وفى عام 1945 اندلعت أعمال العنف والمظاهرات في المدن السورية احتجاجاً على استمرار استعراض القوة العسكرية لاسيما بعد انتهاء الحرب رسمياً.
وقد أدى تدخل القوات البريطانية إلى حدوث حالة من الهدوء النسبي وانسحاب الوحدات الفرنسية من مراكز الاضطرابات الرئيسة ، ولم تبق إلا في منطقة العلويين وحلب وشرق سوريا. وبقى التوتر سائداً في أطراف حلب حيث تم مهاجمة القوات الفرنسية، الأمر الذي أجبرهم على التمركز داخلياً في حلب.
وفى يناير من نفس العام، أصدر «أيف شاتينيو» الوزير الفرنسي المفوض في الشرق قراراً ألغى بموجبه مراكز الاستخبارات في كل من: دوما ـ النبك ـ القنيطرة ـ صلخد ـ إدلب ـ البال ـ جبل سمعان ـ جبلة ـ طرطوس ـ الرقة.واستمرت الاجتماعات العسكرية بين الجانب الفرنسي والجانبين السوري واللبناني من ناحية ، وبين الجانبين البريطاني والفرنسي من ناحية أخرى لبحث الجلاء الفرنسي عن سوريا ولبنان، وهو ما تحقق في السابع عشر من ابريل 1946 وهو العيد الوطني السوري.
محمد جمعة
الكتاب : تكوُّن جمهورية
الناشر : مكتبة السائح - طرابلس لبنان 2005
الصفحات : 378 صفحة من القطع المتوسط