الدكتور بسام جاموس باحث سوري متخصص في عصور ما قبل التاريخ من فرنسا، دكتوراه في الشرق القديم، عمل مديراً لمواقع أثرية عدة في سوريا «الجرف الأحمر ـ تل أسود ـ أوغاريت ـ مغارة بيت الوادي». وصدر له «مملكة إيمار». في كتابه «الجرف الأحمر» وهي قرية سورية تعود إلى الألف العاشر قبل الميلاد، يرى د. بسام جاموس أنه في نهاية الألف التاسع قبل الميلاد، حدثت ثورة معرفية في التاريخ أطلق عليها اسم ثورة العصر الحجري الحديث،

حيث وصلت التحولات الاقتصادية والاجتماعية في بلاد الشام إلى درجة كبيرة من التطور، مما شكل انعطافاً مهماً في تاريخ البشرية، تمثلت بانتقال الإنسان من الصيد والالتقاط إلى الزراعة والتدجين، فتحولت قرى الصيادين إلى قرى المزارعين، في هذه الفترة تحديداً تشكلّت القرى النظامية، ومارس السكان الزراعة، وأنتجوا تقنيات جديدة في طرق الحجر وصناعة الأدوات، وفي مقدمتها النصال ورؤوس السهام، وظهور (المنازل الدائرية والمستطيلة والمربعة) وظهور التنظيم الاجتماعي والاقتصادي،

إضافة إلى ظهور «المعتقدات الدينية» فيما بعد. لقد كان المشرق بشكل عام، وسوريا بشكل خاص مسرحاً نشطاً بين 7000 ـ 10000 عام قبل الميلاد، لولادة متقدمة لهذه الفترة والتي تبعتها فترة بناء (المدن) الأولى في الألف الرابع قبل الميلاد. وفي التنقيب نجد على ضفاف نهر الفرات الأوسط مواقع تعود للألف التاسع والثامن قبل الميلاد، وهي فترة ظهور الزراعة وفي مقدمتها مواقع: المريبط ـ الجرف الأحمر ـ الشيخ حسن ـ العبر. ثم لحقت بها مرحلة ظهور التدجين.

يقع «الجرف الأحمر» على بعد 17 كيلومتراً شمال شرق منبج (حلب) وكانت البعثة السورية الفرنسية المشتركة قد أنجزت حملات إنقاذ عدة للموقع منذ عام 1991. ويعتبر موقع «الجرف الأحمر» هذا مفتاحاً يسمح لنا من خلاله إعادة بناء الأسس التي قامت عليها الثورة النيوليتية، حيث استمر انشغاله منذ الألف العاشر وحتى الألف التاسع قبل الميلاد، وساهمت أسبار موقع الجرف في دراسة الظواهر الزراعية والهندسية والمعمارية منها،

والتي تجلت في ظهور التنظيم الاجتماعي والتشكيلات الرمزية، وكل هذه المكتشفات المثيرة دفعتنا إلى إنقاذ بعض من هذه الشواهد الباقية، كي يستطيع كل المهتمين في سوريا والعالم من الاطلاع عليها، فتم توثيق ثلاثة أبنية من الموقع معتمدين على ترقيم الوحدات المعمارية من نظام قواعد الأساسات، وهي محفوظة في صناديق خشبية سيتم نقلها وإعادة بنائها في المكان الذي ستختاره المديرية العامة للآثار والمتاحف لإنشاء متحف يضمها في المستقبل.

لقد أرخت المنازل الأولى في المشرق ب(12) ألف سنة قبل الميلاد، وهي عبارة عن منازل دائرية الشكل، نصفها محفور في الأرض، لكن اكتشافنا للقرية النموذجية في «الجرف الأحمر» ساهم في إعادة إنشاء تفصيلي لمراحل التطور المعماري فيها، حيث ميزت إحدى عشرة قرية.

إذ أخذت المنازل الأولى الشكل الدائري، وهي إما منازل متلاصقة أو مفصولة عبر باحة مشتركة، لكن القرية الخامسة في الموقع ظهرت فيها جدران خارجية مستقيمة تماماً، وذلك في الفترة ذاتها التي ظهرت فيها الجدران الداخلية المستقيمة أيضاً، وذلك لتقسيم المساحة الداخلية للمنزل، ثم يذهب د. بسام جاموس إلى أنه قد ظهرت في مجال الهندسة المعمارية ـ في التنفيذ ـ تقنيات جديدة في التدعيم، وذلك من خلال ربط الأبنية ودمجها عن طريق تشابك أحجار زوايا الجدران،

وبذلك استطاع الإنسان بفضل هذه التقنية من بناء شكل مربع الزوايا، ونستنتج أن منازل هذه القرية متنوعة الأشكال، منها الدائري والمستطيل والإهليلجي والمربع. ويدل ذلك على أنهم وضعوا مخططاً لبناء قريتهم، حيث كانت الأبنية المشتركة الأكثر حداثة مخصصة للاجتماعات.

ولقد عثر في «الجرف الأحمر» على مجموعة من اللوحات الفنية الحجرية تمثل رموزاً وإرشادات تجريدية تصويرية تمثل نقوشاً حيوانية أليفة ومتوحشة، وأخرى لطيور كاسرة، إضافة إلي رموز هندسية. وقد أطلق عليها بعض المختصين بأنها تشكل ثورة الرموز الأولى في العالم. ومن أهم هذه اللوحات: لوحات تدوين الأفكار، وهي ألواح حجرية نقش عليها الكثير من الإشارات الهندسية والحيوانية، خطوط متعرجة ومستقيمة وحيوانات من رباعيات الأرجل وطيور جارحة،

كما عثر على لوحات نقش عليها إشارات ورموز كتلك التي نتداولها في عصرنا الحاضر مثل: لوحة ممنوعة التدخين، ولوحات رسم ـ نقش ـ عليها أسهم تدل على اتجاهات ومنعطفات تحدد وجهة السير على الطرق ـ لذلك تذهب دبياتريس سالفن، المحافظ العام على التراث للقول: «ان هذا التدوين للأفكار على مساحة صغيرة، أدى إلى التعبير عن الأفكار التي هي في الأساس التعبير اللغوي المحدد للفكرة، وترى أن لوحات «الجرف الأحمر» يمكن أن تكون تمائم أو رسائل، ولكنها في مطلق الأحوال «وثائق مهمة جداً».

أما ما يتعلق بالأدوات الحجرية المكتشفة في الجرف الأحمر فهي: القادوم، المكاشط، الثواقب، أنصال بمشكاة، رؤوس سهام صوانية، إلى جانب أدوات مصنوعة من العظام مثل: إبر بعيون مشروطة، أنصاب بلطات. أما عن النباتات فإن أوائل التحاليل الإنسانية البيئية (قياس الكربون المشع للخشب) تشهد أن نباتات العصر كانت أكثر تنوعاً مما هي عليه اليوم،

وكانت أشجار الدردار والدلب والكرمة البرية، تنبت إلى جانب أنواع أخرى لاتزال تنبت حتى اليوم في وادي الفرات مثل الصفصاف، واليوم لا نعثر على مثل هذا التواجد في الأشجار إلا في المناطق الجبلية مثل جبل «عبدالعزيز» على مسافة 175 كيلومتراً تقريباً شمال شرق الجرف الأحمر.

إن المكتشفات الأثرية هذه ـ وحسب قراءة البعثة السورية الفرنسية ـ تحمل رسائل قادرة على قلب معارف الفن والديانة والتواصل الإنساني منذ فجر الأزمنة النيوليتية، كونها ستساهم أيضاً في إعادة رسم البدايات التقنية والدينية لبدايات هذه الثورة، وذلك انطلاقاً من بقايا قرية تعود للألف العاشر قبل الميلاد في منطقة الجرف الأحمر.

أنور محمد

الكتاب: الجرف الأحمر

الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2005

الصفحات: 140 صفحة من القطع الكبير