لاشك في أن التراث العربي الإسلامي، بوصفه مجموع النصوص والطقوس والعقائد، يمارس وظيفة تجييشية، يمكن أن تستخدمها مختلف السلطات، الرسمية أو المعارضة، بقصد توجيه أفكار العرب والمسلمين وسلوكهم في الاتجاه الذي ينسجم مع مصالح الجهة التي تقوم بالتوظيف. وهذا التوظيف لا يمكن للتراث أن يضطلع به لولا اكتسابه لسلطة رمزية، بل قوة ضاغطة تؤثر على المسلم بشكل عام، ومن هذا المنطلق يأتي اهتمام الباحث والأكاديمي المغربي حمادي ذويب بالتراث الإسلامي،

حيث يتناول السنة بوصفها إحدى مسلمات الفكر الإسلامي الأساسية في كتابه «السنّة بين الأصول والتاريخ، وهو من الكتّاب المتابعين لتطورات وتيارات الفكر الإسلامي بشكل عام. وقد أضحى النظر إلى التراث، في العصر الحديث، ومراجعة مسلماته وبديهياته ضرورة، كونها تفعل فعلاً قوياً في الواقع، وتجعل الصراع بين مؤيديها وخصومها يتجاوز ـ غالباً ـ مستوى السجال الفكري، ليتخذ شكل المواجهة الضارية والحروب.

وفق هذه الرؤية يتابع المؤلف الاهتمام بدراسة الفكر الإسلامي، من خلال تسليط الضوء على إحدى مسلماته الأساسية: السنة، بوصفها أصلاً ثانياً من أصول الفقه الإسلامي بعد القرآن، محدداً المجال الزمني لبحثه مع نهاية القرن الخامس للهجرة، التي تمثل مرحلة انغلاق المدونة الأصولية، من خلال كتاب أبي حامد الغزالي «المستصفى من علم الأصول».

ويردّ المؤلف دوافع اختياره لهذا الموضوع إلى عدة نقاط، أولها ظهور فهم جديد للتاريخ بما هو معرفة لتاريخية الأشياء، ومن ذلك تاريخية النص ومحتواه. وتجلت هذه المعرفة في شكل يغاير المعرفة قبل التاريخ للتاريخ والبنى الأسطورية للعلم التاريخي في العصور الوسطى الإسلامية.

وعلى هذه القاعدة ظهر الوعي بمسألة التحرر من أسطورة السلطة، وتمّ القضاء على أسبقية المعنى على التفسير التاريخي في مقابل التأويل الذي كان سائدا والذي يفترض معاني النصوص الدينية في ضوء واقعها اللاحق. وعليه أضحت وجهة البحث والتأويل حقيقة المعنى لا معنى الحقيقة.

وثاني النقاط، هو أن تأسيس السنة أصلاً ثانياً من أصول الفقه بعد القرآن مثّل في الأثر التأسيسي لعلم أصول الفقه - وهو رسالة الشافعي - المحور الذي تركزت عليه أهم مباحث هذا الكتاب، لكن تأسيس المنزلة الأصولية للسنة لم يكن بمعزل عن مواقف الإنكار التي همشتها المدونة الأصولية أو أقصتها. وهذا ما جعل المؤلف يحاول إجلاء المواقف المسكوت عنها حتى يخرج من المناخ المعرفي الدغمائي الذي تفرضه المدونة الأصولية فرضاً أدى إلى دعم التقليد وضعف الاختلاف والتنوع، وتحوّل معه الأصوليون إلى نسخ متشابهة أو متطابقة.

أما النقطة الثالثة، فهي تتوقف عند سيادة الأصول وهيبتها، ليس بوصفها مجرد سيادة تاريخية فحسب، بل هي قضية محرقة تخص الحاضر. فالخطاب الإسلامي الرسمي أو المعارض يؤكد على وجوب الالتزام الكامل بمنهجية الأصول: أصول الفقه وأصول الدين باعتبارها تتصل بمصادر السيادة العليا. كما أن دولاً إسلامية مختلفة تدعم المؤسسات والأنشطة الدينية الموالية لها عن طريق الاحتجاج بالسيادة العليا للأعلام الذين أنجزوا المدونات الفقهية الأساسية وعلم الأصول.

ونتيجة لحالة الغليان التي تشهدها البلدان العربية والإسلامية، فقد تحول الصراع على السلطة السياسية من مجال الاجتماع والسياسة أي مجال الواقع إلى إطار النصوص. ونتج عن تحكيم النصوص في هذا السياق الاجتماعي والسياسي ظهور مبدأ الحاكمية في الخطاب الديني المعاصر الذي أدى إلى هجوم على التفكير العقلي، وتكفير المجتمع، ورفض الخلاف، والتعددية الفكرية، والوصول إلى عدمية الجهود الإنسانية. وتصبح تجارب البشر، وفقه، كلها تدور في حلقة مفرغة، وداخل هذه الحلقة لا تتعداها حلقة التصور البشري، والتجربة البشرية، والخبرة البشرية المشوبة بالجهل، والنقص، والانهيار، والتردي.

على هذه الأسس أقدم المؤلف على اختيار موضوع بحثه، بالرغم من حرج المرحلة التاريخية التي جعلت فتح الملفات التي أغلقت من قرون عدة: وهي تشكل المصحف وتشكل مجموعات الحديث النبوي الكبرى وكتب الفقه وأصول الفقه وأصول الدين. جعلت ذلك يتطلب جرأة، خصوصاً وأن مثل هذا العمل قد ينظر إليه بعين الريبة من طرف من يرى أن التراث ينبغي أن يكون له دور واحد، هو تسكين المجتمع وتوفير الأمان والشرعية له، وهو ما قد يهتز نتيجة العمل التحليلي والنقدي والتفكيكي.

واختار المؤلف لبحثه المنهج التاريخي، بغية تمكينه من عرض المواقف وتحليلها مع تجاوز ما لاحظه من إقصاء للمواقف المعارضة، اعتقاداً منه أن هذه المواقف وإن عبرت عن آراء شواذ أو أقليات، فإنها دالة بذاتها على أن الفكر الإسلامي لا يمكن أن يحتكر التعبير عنه فريق واحد من المسلمين، حتى وإن توفرت له إمكانات الغلبة في الواقع السياسي والتاريخي. لذا يركز المؤلف في مباحث عدة على إظهار هذه المواقف، وإيراد نصوصها بشكل مطول أحياناً، نظراً لندرة تواترها ولأهميتها القصوى في تصوير رؤية واقعية للبيئة التي نشأت فيها المدونة الأصولية، وهي مدونة قلما اهتمت بهذا الواقع لانخراطها في مشاغل نظرية تنأى عن قضايا الفاعلين الاجتماعيين التاريخيين، أي تنأى عن عامة المسلمين.

ويحاول المؤلف تحليل آليات اشتغال الخطاب الأصولي، ونقد المرتكزات النظرية التي تسيره، من خلال خطوتين إجرائيتين، تنهض الأولى على نقد جزئي يتتبع حركية الفكرة الواحدة أو التأويل الواحد الذي تبناه الأصوليون، فيما تقدم الثانية نقداً عاماً، يهدف إلى تجاوز النظرة الأصولية معتمداً في ذلك على بعض مكتسبات المعرفة الحديثة. وفي هذا المجال يصطدم بصعوبات جمّة، نظراً لأن هذه المكتسبات المتولدة عن العلوم الإنسانية ما زالت في الغالب غير منقولة إلى العربية ومشحونة بالمصطلحات والمفاهيم الأجنبية.

ويخصص المؤلف قسماً من البحث للنظر في مفهوم السنة باعتبارها العلامة البارزة التي ينهض عليها موضوعه، ويحذوه همّ التحقق من حقيقة المفهوم الديني للسنة، ومن حجيتها التي اقترنت بالبداهة، وذلك كي يجيب عن سؤال خلافي رئيسي حكم جهده في هذا الكتب، هو: هل السنة أصل من أصول الفقه، مسلمة فرضها النص التأسيسي أم رسختها الممارسة التاريخية والتأويلية التي قام بها المفسرون والأصوليون لتحديد فهم معين لهذا النص ولعلاقته بنص الحديث النبوي؟

ويقتضي البحث تسليط الضوء على ما أدى إليه تأسيس حجية السنة أي مشروعيتها الدينية العليا من نتائج على صلتها التشريعية بالقرآن، والتركيز في هذا المجال على قضية تخصيص السنة عموم القرآن من جهة ونسخ السنة للقرآن ونسخ القرآن للسنة من جهة أخرى، وكذلك تبسيط بعض الإشكاليات المفهومية والنظرية التي تتصل بمسألة تخصيص العموم أو بالنسخ، وعرض نماذج تطبيقية تؤمن اختبار تجانس المنظومة الأصولية أو عدم تجانسها في تأويلاتها، والبحث عن مدى إمكانية القول بأنها التأويلات الوحيدة الممكنة للنص القرآني أو للحديث، والبحث عن المواقف التي أهملها الأصوليون وسكتوا عنها.

ويظهر البحث الغياب التنظيري المتأني لمصطلح السنة، لأن مثل هذا العمل لم يدخل ميدان «المفكر فيه» إلا تحت تأثير الفلسفة والمنطق، وبروز أهمية الحدود. وقد اختلف الأصوليون واللغويون في تحديد الأصل الاشتقاقي لدال السنة، وحدث الأمر ذاته بين أصحاب التفاسير القرآنية. وبالرجوع إلى هذه التفاسير، يجد المؤلف أن الاتجاه المعتزلي الذي يفسر أصل السنة بالجريان والاطراد في يسر قد عرف تأييداً جزئياً ومحدوداً، على الرغم من امتداده إلى عصرنا الحالي. أما المعنى الذي رسخه الفكر السنة فهو «المعيارية»، ومثّله الطبري بتعريفه السنة بوصفها:

«المثال المتبع والإمام المؤتمن به ». ولم يلتحم معنى المعيارية بدلالة السنة في الفضاء الإسلامي إلا مع الطبري، وذلك انسجاماً مع مقتضيات تفسير عبارة الله في القرآن، التي لم يكن الضمير الإسلامي يقبل أن تفسر إلا من خلال اعتبارها السنة المثالية. وتأسس هذا المعنى على عملية حصر لدلالة الطريقة في الجانب الإيجابي فقط،

بعد أن كانت مطلقة الدلالة على البعدين الإيجابي والسلبي، لذلك فإن دال السنة قد تحول من الحركة إلى الثبات لاعتبارات مذهبية، عقائدية ولغوية، تبدّت أصلاً من خلال التفاسير التي ثبتت دلالة السنة في معنى المعيارية، في حين أن اللغويين وإن لحقهم تأثير حركة تثبيت معنى اللفظ خصوصاً بعد القرن الثالث للهجرة، فإنهم حافظوا عموماً على التعدد الدلالي الذي كانت تمثله كلمة السنة في أصل تداولها اللغوي عند العرب.

ويبحث المؤلف في حجية السنة في التاريخ، ابتداءً من آراء وأفكار الشافعي كما وردت في كتبه، والذي رسخه الأصوليون في القرن الخامس الهجري، ملاحظاً أن تطور معنى العلامة نحو التثبيت المعنوي قد تمّ انطلاقاً من عمل تأسيسي، نظّر لأصول الفقه وأرسى دعائمها الأولى الشافعي. وقد حاول المؤلف عرض وكشف المواقف التي ارتكز إليها النظام الفكري الأصولي، وخصوصاً تلك التي تتصل بأسس المشروعية الدينية التي يحاول هذا الفكر أن يسبغها على تفسيراته وتأويلاته وأحكامه.

ويمتد البحث ليطاول ما أدى إليه تأسيس حجية السنة، أي مشروعيتها الدينية العليا، من نتائج على صلتها التشريعية بالقرآن، من خلال التركيز على قضية تخصيص السنة عموم القرآن من جهة، ونسخ القرآن للسنة من جهة أخرى.

وما يمكن استخلاصه من هذا الكتاب، هو أن تأسيس حجة السنة أصلاً ثانياً من أصول الفقه الإسلامي، هو عمل تاريخي، إنساني، نهض على أساس ردّ الفعل على ظواهر شهدها القرن الثاني للهجرة، هددت الحديث النبوي وأهل الحديث. ولم يترسخ انتصار أطروحة أهل الحديث، التي ثبتت معنى السنة في الأحاديث النبوية، إلا بعد قرون، وبالتحديد في القرن الثالث للهجرة، ثم تدعمت في القرن الخامس للهجرة، إثر انتصار الأشعرية المدعومة من السلاجقة. وعليه عرف تأسيس حجية السنة لحظة حاسمة في القرن الهجري الخامس من طرف جماعة من الأصوليين، وارتبط بحاجات تاريخية فرضتها ظروف ومقتضيات ذلك القرن.

وقد ساهم الأصوليون، من خلال تأصيل حجية السنة بالقرآن والإجماع، في ترسيخ مفهوم النص في تراثنا. ويخفي هذا المنزع سعي رجال الدين إلى إيجاد قاعدة وحدة، فكرية وعقائدية، تصل بين المسلمين، وتعوض حقيقة التجزئة السياسية التي فرضتها في الواقع سيطرة الأقليات السياسية على الأقاليم الإسلامية المختلفة، والصراع الدائم بين هذه الأقليات.

ويرى المؤلف أنه لم يعد مقبولاً، اليوم، التمسك بالمنهج الأصولي، والاكتفاء بتطعيمه بما يبدو ملائماً لروح العصر، وذلك لأن المنهج الأصولي يمتلك منطقه الداخلي، ولا يمكن تنقيحه دون تشويهه. كما لم يعد كذلك باستطاعة المسلم في عصرنا اتباع مناهج القدامى ومقاييسهم، نظراً لاختلاف الظروف والمقتضيات.

وبالتالي فإن نقد المنظومة التقليدية التي تأسست عليها العلوم الدينية لا يعني رفض التراث والتنكر له، بل هو أداة مواجهة لتاريخنا بما توفره العلوم الحديثة من مناهج علمية موضوعية.

عمر كوش

الكتاب: السنة بين الأصول والتاريخ

الناشر: المؤسسة العربية للتحديث والمركز الثقافي ـ بيروت 2005

الصفحات: 352 صفحة من القطع الكبير