هذه المقابلة أجراها موقع بورزوي ريدر الالكتروني المتخصص في الثقافة والأدب مع جون راي، مؤلف رواية «لسان كنعان» بمناسبة انطلاق هذه الرواية أخيراً، حيث ألقى الضوء على موضوعشها ودوافعه للتركيز على هذا الموضوع فضلاً عن مناقشة عالمه الروائي والقضايا التي تحظى باهتمامه.

ـ ما هو الدافع وراء تأليفك رواية عن تجارة الرقيق المخطوفين من الجنوب الأميركي قبيل الحرب الأهلية الأميركية، لا سيما أنت نشأت في شمال شرق الولايات المتحدة وروايتك الأولى كانت عن النمسا؟

ـ أمي نمساوية وأبي أميركي، واكتشفت أن أقارب لي من جانب الأم والأب كان لهم أدوار مشرفة ومخزية في بعض من أكثر التطورات أهمية في تاريخ البلدين. من أروع الأشياء التي يمكن ان تعيشها وأنت تبحث في تاريخ عائلتك هو ان تكشف ان أجدادك وأسلافك كانوا شركاء فاعلين في صناعة أحداث مهمة في تاريخ العالم، من بينها يوم إنزال الحلفاء على سواحل نورماندي في الحرب العالمية الثانية أو في معركة غيتسبرغ.

روايتي الأولى، «الذراع اليمنى للنوم»، هي نوع من التأريخ لعائلة أمي النمساوية، منذ الرايخ الثالث وحتى خيبة الاشتراكية. أما روايتي الجديدة «لسان كنعان» فهي تأريخ لعائلة والدي ولأصولي الأميركية، أقاربي كان بينهم من أنصار الرق ومن أنصار الغائة أيضاً.

كما كان منهم جنود قاتلوا على جانب الحرب الأهلية. الجنرال الاتحادي الذي كان مسؤولاً عن الجبهة الغربية، وليام ستارك روزكرانس، هو أحد أجدادي المباشرين من ناحية أبي. ولهذا فقد أردت ان أؤلف كتاباً عن العبودية والحرب الأهلية الأميركية منذ وقت طويل.

ـ قولبت أكثر شخصيات روايتك نذالة «الفادي» على الشخصية الحقيقية جون موريل الذي كان من أشهر مجرمي عصره. ما الجوانب التي تزود بها في شخصيته وكيف تختلف عنه؟

ـ لأميركا حصتها من المجرمين، الأكبر من الطبيعية غير أن جون موريل بالتأكيد هو من أكثر هؤلاء نذالة وشراً. اشتهر موريل في خمسينات القرن التاسع عشر لكونه سارق خيول، غير أنه وجد أن أرباح هذا الاختصاص قليلة.

وكان الحل الذي ابتكره بسيطاً: التغيير إلى سلعة أكثر قيمة. فقد خطرت له فكرة استئجار عملاء له ينتحلون شخصية عملاء سريين لعمال سكك الحديد لإغواء العبيد في أقاصي الجنوب الأميركي ـ حيث كانت نسب الوفيات بينهم هي الأعلى ـ للهرب من أسيادهم.

وحالما يهربوا مع هؤلاء العملاء، كان الأخيرون يفاجئونهم بالقول إنه من الضروري بيعهم مرة أخرى لجمع المال من أجل تهريبهم مرة أخرى إلى الشمال.

وبأنهم سيهربون من أسيادهم الجدد بعد شهرين أو ثلاثة، ويقابلوهم في مكان سري على ضفة النهر لمتابعة رحلة الهرب شمالاً.

لكن بدلاً من أخذهم إلى الحرية الموعودة، كان رجال موريل إما يعيدونهم إلى أسيادهم الجدد من أجل قبض المكافأة على إعادتهم أو ببساطة قتلهم والتخلص من جثثهم في مجاهل المسيسيبي.

ولكوني روائياً، فقد غيرت قصة موريل هذه لتناسب احتياجات الرد في روايتي.

تفاصيل جرائمه تلك مأخوذة بشكل مباشر مما كان يفعله، غير ان شخصية ثاديوس موريل في «لسان كنعان» هي صناعة روائية محضة من مخيلتي.

ـ أصحيح حقاً ان «جريمة المنظمة» تلك القائمة على تجارة العبيد أصبحت ضخمة لدرجة انه أصبح لديه في مرحلة شركاء فعليون؟ وهل لك ان تشرح لنا قليلاً عن طريقة عملهم؟

ـ عصابة ميريل كانت تعمل بنظام كالساعة فبعد سنوات قليلة من ظهورها، أصبحت اعمالهم مربحة جداً ومنتشرة لدرجة أنهم حين اكتشفوا وسقطوا بيد الحكومة.

تبين ان قائمة الشركاء تضم شخصيات محترمة ومهمة (من الشمال والجنوب) مما جعل السلطات تتجاهل التقرير عن الشركاء.

ـ هل كان اهتمامك بالموضوع منصباً أولا على الزمان والمكان أم كان الهدف هو سرد قصة معينة؟

ـ احد الأشياء التي جذبتني بداية لهذا الموضوع هو الدور الذي لعبته عصابة موريل باعتبارها واحدة من كبريات الشركات المبكرة في اميركا: عصابة منظمة ضخمة فيها أكثر من ألف عامل وشريك في كل ولاية أميركية عملياً، الشركات الأميركية اليوم لم يسبق لها ان تحلقت بقدر مباشر من النفوذ السياسي الذي لها اليوم او رغبة أقل في استغلال هذا النفوذ الى اكبر قدر ممكن لتحقيق مزيد من الأرباح. لو ان موريل عاش اليوم لكان شديد النجاح في أميركا الحالية؟

ـ كان من الضروري في وصفك لمعاملة افراد هذه العصابة للرقيق ولبعضهم البعض ان تصور لحظات من العنف والوحشية الفظيعين هل كان من الصعب عليك كتابة هذه المشاهد؟

ـ لا، لم استصعب كتابة مشاهد العنف، غير ان ما بعد هذه المشاهد هو الشيء الصعب تلك الدرجة من الشك بالذات التي تستشعرها في نفسك بعد كتابة هذه المشاهد هي التي تثير الاضطراب.

تجد نفسك وأنت تتساءل عن دوافعك لتصوير هذه المشاهد، وتحاول تبريرها بأنها ضرورية للقصة، أول النسخ التي وضعتها الرواية كانت أكثر تصويرية، لكني وجدت لاحقاً ان من الأفضل الإيحاء في وصف وحشية عصابة موريل والمجتمع الذي افرزها بدأ من الدخول في وصف تفاصيل مشاهد اراقة الدماء، موريل كان يستخدم الدين والإنجيل بمكر ودهاء.

كان يستخدم الخطابة الدينية للتلاعب في العبيد الذين يتاجر بهم وبالسياسيين الذين يفسدهم بل وحتى في شركائه المجرمين.

ـ من أين أتيت بهذا العنوان، «لسان كنعان»، وهل له أي مغزى في الرواية؟

ـ «لسان كنعان» هو اصطلاح انجيلي يستخدمه المسيحيون الايفانجيليون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (وحتى في القرن العشرين) للاشارة إلى لغة النخبة، اللغة التي يتحدث بها اولئك المحظوظون من اتباع حركة الولادة الجديدة، لكن في الرواية يأخذ العنوان معاني عديدة اخرى.

موريل وغيره في العصابة يستخدمون مصطلح الولادة الجديدة او المولودين من جديد للاشارة إلى اولئك الذين سمح لهم بدخول الحلقات الداخلية من العصابة وممن يثق في انهم سيكتمون اسراره.

كما ان اللغة الكنعانية. وهي لغة الجنة في رأيهم، تعني انها لغة الاموات، واولئك الذين يحاولون تعلم معانيها نادرا ما ستتاح لهم فرصة زمنية للاستفادة من معرفتهم تلك.

جون راي

ولد الكاتب جون راي في واشنطن وعاش في تكساس وألاسكا وتشيلي ثم استقر في نيويورك.

روايته الاولى «الذراع اليمنى للنوم» حازت على جائزة الكتاب المميز في «نيويورك تايمز» وجائزة كتاب العام في «لوس انجلوس تايمز». كما حصل راي على جائزة وايتنغ للكتاب. وهو يعيش ويعمل حالياً في بروكلين، نيويورك.