كلود جانكولا هو ناقد أدبي فرنسي مختص بارثور رامبو، أحد أكبر شعراء فرنسا «وربما العالم»، في كل العصور والذي خصه بالعديد من دراساته. موضوع هذا الكتاب لا يخص رامبو مباشرة وإنما بالاحرى يخص عالمه إذ أن المؤلف يكتب سيرة حياة والدته «فيتالي رامبو».
الفكرة السائدة هي ان علاقة ارثور رامبو بوالدته كانت على العموم علاقة تنازعية وسيئة منذ سنوات الطفولة الاولى للشاعر. هكذا تمّ نعت «فيتالي رامبو» بكل الصفات التي ليس أقلها تجريحاً انها «سادية»، وأن ابنها أرثور: كان في مقدمة «ضحاياها» مؤلف هذه السيرة يذهب في اتجاه آخر تماماً ليؤكد بان كل التصرفات التي قامت بها الأم حيال ابنها «كان لها اسبابها»..
بل وانها كانت يد العون الرئيسية لابنها عندما كان بحاجة لها. «فيتالي رامبو» اسمها الحقيقي قبل الزواج هو ناتالي كوين: «وعندما بلغت سن العاشرة توفيت والدتها لتجد نفسها «المرأة» الوحيدة في منزل العائلة بمنطقة «الاروين» الفرنسية ومسؤولة ايضاً لتقوم بأعباء المنزل، التي كانت تقوم بها والدتها والعناية بوالدها وبأخويها في المزرعة المعزولة التي كانوا يعيشون فيها. هكذا «نضجت» فيتالي قبل الأوان حيث يصفها المؤلف بانها كانت «صبياً» في جسد انثى بحكم الظروف التي دفعتها الحياة اليها.ضمن سياق هذه الظروف التقت الفتاة الشابة فيما بعد «فيتالي كوين» بضابط وسيم اسمه «فريدريك رامبو»،
وكانت «ضربة الصاعقة» العاطفية والحب من النظرة الأولى. ولكن كان ذلك في الواقع على خلفية الأمل بالخلاص نهائياً من ذلك المصير الذي كانت تعيشه كـ «فتاة عجوز» وبسرعة تزوجا وأنجبا ثلاثة اطفال لم يولهما الأب أية عناية حقيقية، بل انه «خرج ذات يوم ولم يعد».
في غياب الأب حاولت الأم ان تزرع لدى اولادها حب الأدب.. هذه الصفة التي ورثتها من والدها.. كان ارثور الثاني في الترتيب بين الأولاد الثلاثة.. الابن البكر فريدريك، على اسم الاب، الذي كان مطواعاً وعادي الذكاء. والابنة ايزابيل، التي لم تكن استثنائية في جمالها ولا في ذكائها.. الابن ارثور، كان هو الأكثر اهتماماً من الثلاثة بقراءة الكتب التي ورثتها والدته عن جده..
لقد كان الاكثر جمالاً حيث اطلق عليه ابناء البلدة الذين تعودوا رؤيته مع والدته في ايام الآحاد لقب «الآنسة الصغيرة» بسبب شعره الطويل وعيونه الزرقاء الصافية.. وكان ايضاً الأكثر عناداً والأكثر تمرداً، مثل والدته، ولهذا كان هو الأقرب إلى قلبها بسبب «تشابه» طبعيهما ولكن أيضاً لأنه كان الأكثر شبهاً لها من حيث التقاطيع، ومثلها كما يصفه المؤلف كان من الصعب ترويضه.
لقد حافظ «ارثور رامبو «على طبعه المشاغب باستمرار، ولكنه حافظ أيضاً على تفوقه فعندما بلغ سن التاسعة عشرة كان قد أصبح مشهوراً وحصل على جميع الجوائز الأولى في ثانوية مدينة «شارلفيل» التي كان يرتادها، لكن هذا لم يمنعه من محاولة الهرب منها ثلاث مرّات.
وذات مرّة أعلن لوالدته بإنه لم يعد يريد متابعة دراسته وبأنه لن يذهب بعد ذلك للمدرسة وانما يريد ان يصبح صائعاً دون عمل ويعيش في لندن وبروكسل بالقرب من الشاعر الشهير بول فيرلين الذي قال ذات مرّة عن الشاب رامبو بانه يمتلك «جمال شيطان».
فماذا فعلت الأم؟ لقد قامت بكل بساطة بحجز ابنها في المزرعة العائدة للأسرة في منطقة الأروين.. والتي ينقل المؤلف عن الشاب رامبو وصفه لها بالقول: «لقد وضعتني والدتي هناك، في ذلك الجحر الحزين! فأي رعب تمثله هذه الأرياف الفرنسية».
ان الأم وفرت لأبنها في ذلك «الجحر الحزين» خاصة الأوراق والأقلام دون ان تشك لحظة واحدة بانه سوف يؤلف «قسرياً» في ذلك الموقع الذي كان يمقته، أحد أشهر روائع القرن التاسع عشر الأدبية، وربما أحد أهم ماكتبه الشعراء في كل العصور، أي «فصل في الجحيم».
من الواضح ان مؤلف هذه السيرة يريد ان «يصحح» الصورة التي شاعت ورددها النقاد ومؤرخو الأدب والمهتمون بسيرة الشاعر الكبير رامبو.. والذين يجمعون كلهم، مع بعض التباين إلى هذه الدرجة أو تلك، على تقديمها بأنها كانت «جافة، وبخيلة وبدون قلب» وما يؤكده كلود جانكولا «هو ان هذه المرأة الجاهلة، حيث انها كانت شبه أمية بدون أي تحصيل دراسي حقيقي، والريفية المتمسكة بجذورها الفلاحية، وربة العائلة، التي قامت بأعباء الأم والأب أيضاً، أي اختصاراً المرأة التي فرضت عليها الحياة قساوة الطباع وبعض الفظاظة، كانت دائماً مستعدة من أجل القيام بكل ما تطلبه الجسارة والسخاء من أجل ابنها «العبقري المتشرد».
هكذا لم تتردد في ان تستجيب لكل مطالبه، ومهما كانت درجة العبث فيها، التي كان يعبر عنها في رسائله التي يبعث بها من اثيوبيا حيث كان الشاعر الكبير يعمل بالتجارة بعد مغادرته لليمن.. كانت الأم تلبي كل تلك المطالب «دون تردد» مثل «عسكري ينفذ أوامر قيادته» دون مناقشة ودون تذمر.
هكذا وفرت له بوصلة ومناظير للتقريب وآلة تصوير فاخرة، في معايير حقبتها وأدوات عديدة أخرى كان يحتاجها في «تجارته». بل أنها اشترت له كمية من الأقمشة الحريرية المطلوبة في السوق «الاثيوبي».
ويشير المؤلف إلى ان ذروة سخاء «فيتالي رامبو» حيال ابنها ارثور ظهرت عندما طلب منها ان تقوم بتمويل أشعار «فصل في الجحيم»..
لقد وافقت على ذلك مع شرط واحد هو ان «تقرأ» المخطوطة.. بالطبع لم تفهم أي شيء منها، ولم تحصل من المؤلف، الابن سوى على تفسير سريع يقول: «أمي، هذا نص يمكن قراءته بكل الاتجاهات».
عندما توفيت فيتالي رامبو عام 1907، وغداة دفنها وجدوا شالها الحريري مربوطاً على عنق تمثال ابنها ارثور الموجود في الساحة الرئيسية لمدينة شارلفيل. لا أحد يعرف من الذي ربطه ؟
الكتاب :فيتالي رامبو
حباً في ابن
الناشر: فلاماريون ـ باريس 2004
الصفحات: 300 صفحة من القطع المتوسط
Vitalie rimbaud pour l'amour d'un fils
Claude jeancolas
flammarion- paris 2004
p.300