فرانسوا دوبي هو عالم اجتماع. مؤلف العديد من الكتب من بينها «الزبون والبيروقراطي» و«القلب المالي الأوروبي» و«سوسيولوجية التغيير» و«إصلاح أم تسوية»... إلخ. هذا الكتاب الجديد يخص «الرأسمالية وكوادرها»، وبالتحديد أكثر قلق الكوادر في مواجهة التبدلات التي عرفتها الرأسمالية في عصر العولمة..

ذلك في ظل الفكرة السائدة بأن الكوادر هم «الأكثر قدرة على المنافسة» في الاقتصاد الحديث. هؤلاء الذين يقدم لهم النظام الرأسمالي بطبيعته الكثير من الوعود بإمكانيات تحقيق مشاريعهم بل و«تحقيق ذاتهم». الفكرة الأساسية التي يطوّرها مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته تقول إن «الكوادر» اليوم الذين تنتظر منهم المؤسسات والشركات قدراً كبيراً من الإخلاص لها والتفاني في عملهم من أجلها من باب «المصلحة المتبادلة» إنما بدأوا يفقدون الإيمان بهذه المؤسسات والشركات..

ويعطون الإحساس بأنهم لم يعودوا يربطون بسهولة بين مصيرهم ومصيرها بل وكثيراً ما تصدر عنهم آراء نقدية لاذعة حيال النظام الاقتصادي الجديد. ويرى المؤلف أن مثل هذا الواقع الجديد يشكل تغييراً عميقاً لهذه الشريحة الأساسية التي بدأت «تلعب ضد» معسكرها «الرأسمالي» بينما ساد الاعتقاد باستمرار أنها «تلعب مع».

ويدفع المؤلف هذا النهج من التفكير أكثر إذ يرى بأن «تمرد الكوادر» قد غدا اليوم أمراً «يمكن التفكير به» بينما كان «بعيداً عن التصور» في الأمس. إن مثل هذا المنظور يغيّر الكثير من المعطيات المطروحة «تقليدياً» حول المجابهة الممكنة، بل و«الحتمية» حسب تحليلات الماركسيين ابتداء من مؤلف «رأس المال»، بين الطبقات الشعبية وبعض شرائح الطبقة الوسطى، أو الذين يجمعهم المؤلف تحت لافتة «الصغار» وبين ممثلي الرأسمالية «الكبار».

مما ينتج عنه اضطرابات اجتماعية.. هذه الاضطرابات الاجتماعية تجد التعبئة لها اليوم في صفوف النخب الرأسمالية ذاتها «كوادرها»، أي من قلبها. هذا التغيير أو «الانقلاب» يشرحه المؤلف في إطار الأقسام الثلاثة التي يتألف منها الكتاب والتي تحمل العناوين التالية: «تضاؤل الحوافز» و«رفع الحماية عن الكوادر» وأخيراً «أشكال انحراف الإدارة».

ظاهرة التحول التي تشهدها الكوادر، وخاصة شريحة الكوادر المتوسطة، يطلق عليها مؤلف هذا الكتاب تسمية «التحوّل اليساري» الذي يتعاظم أكثر فأكثر خلال السنوات الأخيرة المنصرمة.. وهذا ما يستشهد عليه بالقول إن نقابة «الفيدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمال» القريبة من الحزب الاشتراكي الفرنسي قد احتلت المرتبة الأولى بين المنظمات النقابية الخاصة بقطاع الكوادر

وحيث تجاوزت للمرة الأولى «النقابة العامة للكوادر» القريبة من أرباب العمل.. هذا مع إشارة المؤلف بأن هذه النقابة الأخيرة ذاتها قد بدأت تأخذ بعض المسافة عن نهجها التاريخي المعتدل كي تتخذ مواقف أكثر راديكالية. وضمن السياق نفسه أيضاً أظهرت العمليات الانتخابية الأخيرة في فرنسا بأن شريحة متزايدة من الكوادر أصبحت تقترع لصالح الحزب الاشتراكي.

ويعيد المؤلف جزئياً التحول «اليساري» لدى الكوادر إلى التبدل الراديكالي الذي استجد في عالم آليات تسيير المؤسسات والشركات في ظل العولمة الليبرالية السائدة وما تقتضيه من الدخول في منافسات. هؤلاء «الكوادر» فقدوا في الواقع «مكانتهم» التاريخية وأصبحوا مجرد اخصائيين مؤهلين إلى هذه الدرجة أو تلك. وذلك مع بروز فئتين جديدتين تمتلكان سلطة كبيرة اليوم هما فئة «المساهمين» وفئة «الزبائن».. وهذا ما يصفه المؤلف بـ «الدكتاتورية المزدوجة».

وما بين لعبة الإنتاج والأسواق والمنافسة جرى تغيير كبير في تنظيم آليات جديدة للعمل بحيث تخلخلت التراتبية التقليدية التي كانت تتسم بتقسيم واضح للمهمات وبالتالي إلى نوع من البيروقراطية، لا سيما على صعيد اتخاذ القرارات.. وفي إطار مثل هذه «التراتبية» الواضحة كان للكوادر موقعهم كحلقة وصل أساسية بين القاعدة (وحدات الإنتاج) وبين القمة (سلطة اتخاذ القرارات)، لكن مقتضيات اقتصاد السوق والمنافسة للخروج بأفضل نصيب ممكن منها، دفع الشركات إلى أكبر قدر ممكن من «المرونة» في بنيتها على مختلف مستوياتها.

ترجمة هذه المرونة تمثلت في نوع من «التشويش» على مستوى المسؤوليات مما جعل موقع الكوادر أكثر هشاشة من حيث المسؤوليات الملقاة على عاتقهم. يقول المؤلف نفسه بهذا الصدد: «لقد فقدوا ـ أي الكوادر ـ في هذه القضية استقلالهم الذاتي ـ أي الصفة ذات القيمة الأكبر بالنسبة لهم، وذلك لصالح إسباغ نوع من الهوية الفردية عليهم وعلى شروط عملهم الوظيفي، الأمر الذي جعلهم في وضع هشّ ومن الصعب تحمله حيال أقرانهم وحيال رؤسائهم».

وقد ترتب على مثل هذا الواقع تفاوت كبير في المرتبات التي يتقاضونها والتي لم تعد خاضعة لمجموعة من الضوابط تبعاً للمستوى العلمي والخبرة وإنما غالباً على النتائج التي يتم تحقيقها حسب الحالات العيانية المحددة.

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن الكوادر لا تزال حتى الآن بمنجاة من الحالات الأكثر تطرفاً للهشاشة، وحيث أصبحت صفة «لهشاشة» هي التي يتفق المحللون على إطلاقها على أوضاع صغار الموظفين ـ أصحاب الرواتب المتواضعة ـ، فإنهم مع ذلك تأثروا كثيراً بـ «الحركة العامة لنقصان الحماية» حسب القواعد الليبرالية الجديدة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن «النموذج الاجتماعي» الفرنسي ـ الموديل الفرنسي ـ يعاني اليوم من مصاعب كبيرة بسبب الدور المركزي الذي تلعبه «الدولة المانحة» فيه، وذلك خاصة عبر منظومة كاملة من المساعدات التي تقدمها لمواطنيها. مع ذلك لا يزال «الكوادر» في الوظائف العامة الفرنسية يتمتعون بإمكانية «مقاومة» تطورات الرأسمالية الجديدة والمحافظة على موقع لهم فيه قدر كبير من الاستقلال الذاتي.

ويقيم المؤلف الكثير من تحليلاته على أساس وجود «ظواهر الإنهاك البدني والمعنوي السريع إلى هذه الدرجة أو تلك، وذلك كنتيجة لا بُدَّ منها للضغط الذي يمارسه كل من الزبون وصاحب الأسهم».. فبمقدار ما يقترب هذان العنصران الفاعلان في دورة الاقتصاد الليبرالي الجديد من دائرة القرارات في المؤسسات والشركات يبتعد الكوادر عن هذه الدائرة.

الفئتان الوحيدتان اللتان يستثنيهما المؤلف من مجموعة «النخب التي تنحدر» تتمثلان في الخبراء الحقيقيين وفي «الكوادر العليا، ذوي المؤهلات التي تغطي مجالات عديدة. أما بقية «الكوادر» فإنهم قد أصبحوا عملياً في عداد أولئك الذين يرون بأن «العمل هو مصدر ألم قبل أن يكون مصدر سعادة». وضمن هذا السياق يطرح «فرانسوا دوبي»، مؤلف هذا الكتاب، نوعاً من التساؤلات التي يجيب عنها «عمليا» بالإيجاب وهي تخص معرفة إذا كانت الرأسمالية الجيدة، أي بصيغتها الليبرالية المطروحة والعولمة القائمة على أساس اقتصاد السوق، سوف لن تجد نفسها «غداً» من قبل أولئك الذين كانوا «حرّاسها الخاصين و��سلها».

وفي المحصلة يؤكد المؤلف على وجود «مفارقة» كبيرة في إطار الرأسمالية الجديدة، وتتمثل هذه المفارقة من جهة دعوة إلى تبني صيغة «تنظيم» أكثر «انفتاحاً» بالنسبة للمؤسسات والشركات، ومن وجهة أخرى بالقول على أن هذا «الانفتاح» له مساوئه الكبيرة بالنسبة لأولئك الذين يعيشونه، وعلى رأسهم أغلبية الكوادر.. وضمن هذا السياق يؤكد بأن «الفرد» هو الذي ينبغي عليه دائماً التأقلم مع «المنظومة».

ومن هنا يستبعد قيام أية «ثورة» وإنما نوعاً من «التمرد» الذي يطالب بالحد من «قسوة النظام الاقتصادي» الدولي الجديد و«التهديد بالسيف» إنما دون الضرب به. هذا لا سيما وإنه ليس هناك أي مشروع متكامل «بديل».

الكتاب: إنهاك النخب الرأسمالية وكوادرها

الناشر: سويل ـ باريس 2005

الصفحات: 95 صفحة من القطع المتوسط

La Fatigue Des Elites

Le Capitalisme Et Ses Cadres

Francois Dupuy

Seuil - Paris 2005

P. 95