أشرف على تأليف هذا الكتاب البروفيسور بول هولاندر استاذ علم الاجتماع في جامعة ماساتشوسيتس. وقد ساهم فيه العديد من الباحثين والأكاديميين الجامعيين. نذكر من بينهم جيمس سينري الذي كتب الفصل الأول تحت عنوان: الأصول الفلسفية لمعاداة أميركا في أوروبا. والباحث المذكور هو استاذ العلوم السياسية في جامعة فيرجينيا. وكان قد اشتغل سابقاً كأستاذ زائر في جامعة مونتسكيو في مدينة بوردو بفرنسا، وكذلك جامعة «رين»، وجامعة اوكسفورد، وجامعة فلورنسا، .. الخ.

وكان قد نشر سابقاً كتابين بعنوان: إعادة بناء أميركا، ثم الديمقراطية الليبرالية والعلوم السياسية. أما الباحث انتوني دانيلز فقد كتب الفصل الثاني من الكتاب تحت العنوان التالي: معنى الاستعلاء والدونية في النزعة الفرنسية المعادية لأميركا. وهذا يعني ان الفرنسيين متناقضين تماماً: الاول هو احساسهم بالتفوق والاستعلاء على أميركا الحديثة العهد والتي لا تملك التاريخ العريق مثلهم، والثاني احساسهم بتفوق أميركا عليهم من كافة النواحي. وبالتالي فالفرنسيون قسمان لا قسم واحد من حيث عدائهم لأميركا. ينبغي القول بأن الباحث انتوني دانيلز هو كاتب وعالم فيزياء بريطاني.

وهو مطلع على الأحوال الفرنسية بشكل جيد ويعرف النقاشات الصاخبة التي تدور في أوساط الطبقة السياسية والثقافية الفرنسية. وهو يرى ان نزعة عداء الفرنسيين لأميركا ذات جذور قديمة وليست حديثة العهد. وأكبر دليل على ذلك موقف ديغول منها.اما الباحثان ميكائيل موسباشير وديغبي اندرسون فقد كتبا فصلاً بعنوان: القيادات البريطانية الحديثة العهد والمعادية لأميركا. والأول هو مدير مركز بحوث موجود في لندن ويحمل اسم معهد الشؤون الاجتماعية. اما الثاني فهو احد كتاب جريدة «التايمز» الانجليزية، و«الصندي تايمز»، و«الصندي تلغراف»، وجرائد اخرى.

ويرى هذان الباحثان ان أميركا التي جرَّت انجلترا الى لعب دور كبير في حرب العراق جرّت عليها غضب بعض شرائح المجتمع الانجليزي. وقد جرت مناقشات صاخبة في انجلترا حول شرعية او عدم شرعية التدخل الاميركي ـ الانجليزي في العراق. وقال المعارضون لهذا التدخل: كان ينبغي على هذين البلدين ان يحظيا على موافقة الأمم المتحدة للتدخل.

وقد جازف توني بلير بنفسه ومستقبله السياسي اذ قبل بالانخراط في المغامرة الأميركية. تقول ذلك ونحن نعلم ان الجناح اليساري في حزبه كان مضاداً حتى للحملة على أفغانستان لإجلاء الطالبان والقاعدة عنها. ولكن ينبغي الاعتراف بان اغلبية الحزب كان معه.

مهما يكن من أمر فان حرب العراق أصبحت مكروهة أكثر فأكثر بمرور الزمن. وهذا ما أثار حفيظة بعض التيارات السياسية والثقافية البريطانية ضد اميركا. ولكنها لا تصل الى مستوى النزعة الفرنسية لمعاداة الولايات المتحدة بسبب رابطة التضامن الموجودة بين الانجلو ـ ساكسون.

فأميركا هي بشكل من الأشكال بنت انجلترا .. وكلتاهما تتكلمان لغة واحدة ولهما الثقافة والقيم المشتركة نفسها.

وأما الباحث ميكائيل فروند فقد درس نفس الموضوع من وجهة نظر ألمانيا. ومعلوم ان مواقف الألمان كانت متباينة تجاه التدخل الأميركي في العراق.

والباحث المذكور هو محرر سياسي في إحدى الجرائد النمساوية في مدينة فيينا. وكان قد نال شهادة الدكتوراة في علم النفس وعلم الاجتماع في جامعة كولومبيا في نيويورك.

ويرى هذا الباحث ان موقف ألمانيا التاريخي من أميركا مشروط بذكريات الحربين العالميتين ومشاركة الاميركان فيهما لصالح الحلفاء وضد ألمانيا. كما انه مشروط بخضوع ألمانيا لأميركا طيلة فترة الحرب الباردة حتى من الناحية العسكرية.

ولذلك فان موقف الألمان من أميركا هو عبارة عن مزيج من النقمة والحسد والإعجاب بقوة هذا البلد ونجاحه. وربما كان شرويدر قد انتقم للكرامة الألمانية الجريحة عندما وقف بقوة ضد حرب العراق.

وقد تحالف مع فرنسا بقوة آنذاك كما هو معروف. وما كان ذلك متوقعاً لأن المانيا كانت دائما تؤيد السياسة الخارجية الأميركية.

أما الباحثان باتريك كلاوسون وباري روبين فقد كتبا الفصل الخامس من الكتاب تحت العنوان التالي: نزعة معاداة أميركا في الشرق الأوسط.

ويرى هذان الباحثان منذ البداية ان أول شيء ينبغي ألا يدهشنا ابداً هو انتشار نزعة العداء لأميركا في الشرق الأوسط! فهذا شيء طبيعي ومتوقع. ولكن الشيء المدهش هو ان تنتشر في بلدان أوروبية قريبة من واشنطن وحليفة لها كفرنسا أو ألمانيا او انجلترا.

ثم يردف المؤلفان قائلين: بالطبع لا يمكن المقارنة بين النزعتين، والواقع ان معاداة أميركا في الشرق الأوسط كانت موجودة حتى قبل ان تلعب أميركا دوراً كبيراً في المنطقة. وذلك لأسباب إيديولوجية تخص الأوضاع المحلية.

والواقع انه توجد عدة طرق لقياس حجم كره أميركا ومعاداتها في منطقة الشرق الأوسط. ولكن أفضلها هي تلك التي رصدت ردود فعل سكان المنطقة على ضربة (11) سبتمبر. فقد هللوا لها ورحبوا بها على عكس معظم شعوب العالم الأخرى.

ومعلوم هنا ان الأوروبيين من فرنسيين وألمان وانجليز وايطاليين وأسبان وحتى روس عبروا عن تضامنهم مع أميركا بعد الضربة الشهيرة ولكن موقف شعوب الشرق الأوسط كان مختلفاً تماماً.

والكثير من القادة السياسيين والدينيين رحبوا بالضربة ودعموها وراحوا يجدون لها التخريجات والمبررات.

فالرئيس العراقي السابق صدام حسين صرح على التلفزيون قائلا بان أميركا استحقت تلك الضربة لانها أمة تصدر الشر والجريمة ليس فقط إلى أي مكان تصله جيوشها وانما ايضا إلى أي مكان تصله الثقافة والسينما الأميركية.

واما التيار المحافظ والمتشدد في إيران فقد شكك في ان يكون أي تنظيم إسلامي وراء العملية، لماذا؟ لان ذلك يتطلب معرفة دقيقة بعصب الحياة الأميركية وأجهزتها السرية وهذا مالا يمتلكه إلا الصهاينة وبالتالي فاليهود هم المسؤولون عن العملية وليس بن لادن ثم يردف الباحثان قائلين:

اما الحكومة السعودية التي لم تذهب بها الحماقة إلى حد تبني الاطروحة الإيرانية فانها أنكرت لفترة طويلة ان يكون مواطنوها هم السبب في ضربة 11 سبتمبر، ولم تعترف بذلك إلا بعد ان اصابتها الضربات الإرهابية في عقر دارها في شهر مايو عام 2003.

وهناك جماعة كبيرة أدانت ضربة 11 سبتمبر ولكنها فهمتها ان لم تعذرها بسبب مساويء السياسة الأميركية في المنطقة على حد قولها، وهذا الموقف عبر عنه رجل الدين السعودي سفر الحوالي عندما وجه رسالة مفتوحة الى الرئيس بوش على صفحات جريدة «القدس العربي» الصادرة في لندن وفيها يقول له بما معناه:

لن اخفي عليك ان موجة عارمة من الفرح اكتسحت الشارع الإسلامي بعد ان سمع بضربة 11 سبتمبر ومن يقل عكس ذلك يكذب وينكر الحقيقة ولا يوجد مسلم على وجه الأرض يحبكم واذا ما أعلن ذلك فهذا يعني انه خائف منكم خوف الحمل من الذئب.

ثم يردف الباحثان قائلين: اما الصحافيون الكبار في البلدان الصديقة لأميركا كمصر والأردن فقد كانوا أكثر اعتدالاً في ردود فعلهم على ضربة 11 سبتمبر ولكنهم هم أيضا وقعوا ضحية نفس الأطروحة الزاعمة بان هذه الضربة كانت عبارة عن رد فعل طبيعي على السياسة الأميركية الظالمة في المنطقة.

ولكن ينبغي ان نعترف بانه وجد بعضهم ممن أدانوا ضربة 11 سبتمبر بدون أي تحفظ ونذكر منهم على وجه الخصوص ليس فقط أصدقاء الولايات المتحدة من امثال شبيبة طهران التي عبرت عن حزنها بالآلاف وأشعلت الشموع على أرواح الضحايا وأزعجت الحكومة والمحافظين وانما نذكر أيضا المسلمين الأتقياء والورعين الذين يرفضون تسييس الدين من قبل المتطرفين الغلاة كابن لادن وسواه.

نذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر تصريح صالح بن محمد اللحيدان رئيس المجلس القضائي الأعلى المملكة العربية السعودية فقد كتب بكل صراحة يقول: ان الإسلام يرفض اعمالا كهذه لانه يحرم قتل المدنيين حتى في أوقات الحرب وبخاصة اذا لم يكونوا جزءاً مشاركاً في هذه الحرب، وهذا العمل البربري لا يمكن ان يقره عقل أو منطق ولا كذلك دين الاسلام.

ثم يطرح الباحثان هذا السؤال: ما هي أسباب هذه النزعة العنيفة المضادة لأميركا في منطقة الشرق الأوسط؟ لقد قالوا بان سببها هو سياسة أميركا في المنطقة أو المشاعر الدينية المضادة لأميركا ولكن هذا الزعم خاطيء وغير صحيح.

ولكي نفهم الأمور بشكل واضح ينبغي ان نتفحص مواقف كلا التيارين المعاديين لأميركا بشكل عنيف: أي التيار القومي العربي، والتيار الأصولي الراديكالي.

فالتيار القومي العربي الذي ظهر قبيل الحرب العالمية الثانية لم يكن بمثابة رد فعل على السياسة الأميركية في المنطقة لسبب بسيط: هو انها لم تكن موجودة وانما كان رد فعل على القوتين الاستعماريتين اللتين تهيمنان على المنطقة: أي انجلترا وفرنسا.

وكان للنزعة الفاشية بعض التأثير على هذه الجماعات القومية وبخاصة في مصر والعراق ولكن معظم أفكارها وممارساتها كانت مستوحاة من التجربة الشيوعية والاتحاد السوفييتي وكانت تنظر إلى الأنظمة البرلمانية الحاكمة في الخمسينات على أساس انها متخاذلة وتابعة للغرب وبالتالي ينبغي الاطاحة بها.

وهكذا برهنت على كرهها للديمقراطية التي هي أعلى قيمة في أميركا، وبالتالي فكرهها للولايات المتحدة مفهوم ضمن هذا الاطار، وهكذا راحت الجماهير العربية تتعلق بالموجة اليسارية والتيارات القومية العربية وتعتبرها طريق المستقبل وكانت تعتقد انها ستؤمن التنمية الاقتصادية للشعب وترفع مستواه. كما وستؤدي إلى طرد النفوذ الأجنبي من المنطقة ثم أضيف إلى كل ذلك بعد عام 1948 هدف آخر هو: تدمير دولة اسرائيل.

والواقع ان الولايات المتحدة كانت صديقة للضباط الأحرار الذين قلبوا النظام الملكي في مصر عام 1952 بقيادة جمال عبدالناصر. وظلت صديقة لهم حتى انقلبوا عليها وراحوا يتحالفون مع الاتحاد السوفييتي، وعلى الرغم من ذلك فقد برهنت الولايات المتحدة عن حسن نيتها تجاه العرب عام 1956 عندما وقع العدوان الثلاثي على مصر. فقد أمر الرئيس ايزنهاور كما هو معروف بانسحاب القوات الانجليزية والفرنسية والاسرائيلية.

الكتاب: فهم نزعة معاداة اميركا.

أصولها وتأثيرها في الداخل والخارج

الناشر: ايفان ر.دي ـ شيكاغو 2004

الصفحات: 372 صفحة من القطع الكبير

UNDERSTANDING ANTI-AMERICANISM

ITS ORIGINS AND IMPACT AT HOME AND ABROAD

PAUL HOLLANDER

IVAN R.DEE-CHICAGO 2004

P. 372