الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 في أساس خريطة الطريق توجد فكرة صحيحة: إدخال اسرائيل والفلسطينيين في نفق قد يقودهم تدريجيا بحذر واصرار نحو الحل الذي لا يمكن الوقوف في طريقه: تقسيم البلاد، دولتين لشعبين. ولكن خريطة الطريق واجهت شيئا غير لطيف إبان محاولتها تفصيل هذه الرؤية الى خطوات فعلية: هذا المشروع السياسي انفصل عن الارض التي يفترض ان تتجسد الفكرة الرئيسية عليها. الخريطة فقدت أي صلة مع ما تعلمناه خلال السنوات الثلاث الأخيرة في قضية الطوبوغرافيا المحلية. ما الذي تعلمناه خلال السنوات الأخيرة؟ ان طوبوغرافيا النزاع الاسرائيلي - الفلسطيني ثنائية الأبعاد. في أحد الأبعاد يعتبر هذا صراعا حول مشكلة 1967. أما في البعد الآخر فيبدو صراعا حول مشكلة 1948. في البعد الأول يبدو الصراع استعماريا احتلاليا، أما في البعد الآخر فيبدو صراع حياة أو موت وحول الوجود ذاته. ولأن هذا الصراع ثنائي الأبعاد فليس من الممكن التوصل الى نهاية له من دون مواجهة البعدين معا وفي ذات الوقت. لا توجد أي طريقة للتوصل للسلام إلا من خلال صفقة تبادل بسيطة: انهاء الاحتلال مقابل انهاء التهديد الوجودي. 1967 مقابل 1948. تحقيق حق تقرير المصير للفلسطينيين مقابل التنازل عن حق العودة. هكذا ببساطة وتجرد ومن دون أي ألوان أو تزييفات فارغة. خريطة الطريق لا تتضمن في ثناياها صفقة تبادل واضحة مثل التي ذكرناها. ومن هنا فهي تكرر الفشل والاخفاق القديم الذي يقوم على إعطاء اعتماد هائل لمقترض مريب غير موثوق. هناك عودة للدواء الزائف القائم على تأجيل موعد السداد. وعليه فان خريطة الطريق تعرض على الفلسطينيين القليل وتطالبهم بلا شيء، بدلا من ان تعرض عليهم كل شيء وتطالبهم بكل شيء. على الفلسطينيين ان يكافحوا العنف خلال عامين بلياليهما، وعليهم ان يدفعوا ضريبة كلامية للديمقراطية خلال هذه الفترة، ولكنهم غير مطالبين في الوقت ذاته بالدفع بالعملة الصعبة التسليم قولا وفعلا بوجود اسرائيل. وهم غير مطالبين بالتنازل عن حلمهم بالعودة. لهذا السبب تكرر خريطة الطريق في واقع الامر الخطأ المركزي الذي وقع فيه اتفاق اوسلو. الخطة تعول على الاعتماد القائم على الأماني في الموقع الذي يتوجب فيه الاعتماد على الامور الملموسة الحاسمة. ومع ذلك تتفوق خريطة الطريق على اتفاقات اوسلو في مسألة مهمة واحدة: الهيكلية الهندسية التي تقوم عليها متوازية. التقدم في نفق العملية السياسية مشروط بالاعمال من الطرفين. من هنا يمكن لسياسيين ذوي نوايا طيبة ان يحاولوا ادخال مضمون حقيقي في ثنايا هذه الوثيقة الفارغة المبهمة. وبامكان هؤلاء السياسيين ان يحاولوا انقاذ الوثيقة من نفسها من خلال اعطائها تفسيرات توسيعية. هذا دور شارون وأبو مازن. فاذا كان لدى هذين الزعيمين شيء ما من الاعتدال البراغماتي الذي يدعيه كل منهما، عليهما ان يحاولا صياغة اتفاق تفاهم ثنائي خارج خريطة الطريق بحيث يستكملها ويحول دون انهيارها. ومن الممكن تسمية هذا الاتفاق بـ «اتفاق شارون - أبو مازن». حول ماذا يمكن لأبو مازن وشارون ان يتفقا؟ ليس من الواقعية ان نتوقع موافقة أبو مازن من الآن وقبل اخلاء مستوطنة واحدة على التنازل عن حق العودة. وليس من الواقع توقع موافقة شارون على اخلاء مكثف للمستوطنات من الآن وقبل حدوث أي تنازل فلسطيني لا رجعة عنه. ولكن الامر الممكن هو توقع اتفاق أبو مازن وشارون على انهما يسعيان لحل حقيقي قائم على دولتين وطنيتين: فلسطين وفلسطين فقط ستحقق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. أما اسرائيل واسرائيل فقط فستحقق حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره. فلسطين ستكون فلسطينية ديمقراطية مسالمة. أما اسرائيل فستكون يهودية ديمقراطية ومسالمة. اسرائيل الموجودة على الارض وفلسطين الآتية تلتزمان سلفا بعدم استخدام العنف ضد بعضهما البعض إبان المفاوضات حول تحديد الحدود بينهما. كلا الدولتان ستتعهدان بأن لا تطالبا بعضهما البعض بأي مطلب قد يشكل خطرا على وجود الاخرى أو يغير طابعها أو يزعزع استقرارها بعد تحديد الحدود بينهما. هذا ليس بالأمر الكثير على ما يبدو للناظر من الوهلة الاولى. كلمات فقط. وليس تنازلا مؤلما واحدا قد يورط شارون مع المستوطنين وأبو مازن مع الشتات الفلسطيني. ولكن هذه الكلمات كبيرة المغزى وبامكانها ان تضفي على المفاوضات طابع الاعتراف المتبادل الحقيقي. بامكانها ان تستكمل النواقص الموجودة في خريطة الطريق ومنع تفويت اللحظة المواتية الحالية. وثيقة شارون - أبو مازن لن تضمن نجاح العملية السياسية الا انها ستحول دون سقوطها الأكيد. واللقاء بين شارون ومحمود عباس لأول مرة كرئيس حكومة. وهذا اللقاء يشكل بالنسبة لكليهما فرصة نادرة، اذا فوتاها ولم يبدأ في بلورة تفاهم معمق خلالها، فانهما سيحققان الانجازات الملموسة التي حققاها خلال الاشهر الأخيرة. وهكذا سيذوبان في الحر الشديد مثل الأمل الواهن الذي نبت في ربيع 2003. عن «هآرتس»