الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 نعوم تشومسكي معروف كمرجعية لغوية عالمية، لكنه، علاوة عن كونه بروفيسور في معهد ماساشوستس للتقنية، يمثل أحد أهم الاصوات المنتقدة للولايات المتحدة. وجهات نظره غالباً ما تتعارض مع السياسة الرسمية لبلاده ودائما هي حافز لمناظرة ما. وكتب تشومسكي ابحاثا وكتباً كثيرة محللا مواضيع اجتماعية وسياسية وكان أيضاً أحد اكثر المنتقدين للتدخل العسكري الاميركي في العراق. ـ لماذا لم يكن الرأي العام في الولايات المتحدة أشد انتقاداً لموقف حكومة جورج بوش فيما يتعلق بالعراق؟ ـ إن المعارضة لهذه الحرب لا يوجد لها سوابق تاريخية، فلقد شوهدت احتجاجات على مستوى عال حتى قبل ان يشتعل النزاع، على عكس ما حدث خلال حرب فيتنام حين تأخرت هذه الاحتجاجات سنوات. ومن جانب ليس صحيحاً أن الرأي العام لم يكن منتقداً مع بوش، لكن الصحيح أيضاً من الجانب الآخر ان مستوى النقد في الولايات المتحدة للسياسة الحكومية المتبعة مع العراق هي أدنى بكثير من أجزاء أخرى من العالم. وبالنسبة لإنعكاس الموضوع في الاعلام، على سبيل المثال، كنت قد قرأت مقالاً في الـ «نيويورك تايمز» الذي يذكر مع غياب كامل للنقد التعليقات الرئاسية حول «نصر» في العراق في سياق النضال ضد الارهاب لأن الصلات بين العراق وشبكة القاعدة قد استيقظت. ـ إذا اخذنا بعين الاعتبار كل ذلك، هل يمكن التأكيد ان حرية التعبير في الولايات المتحدة قد تضررت جراء الحرب؟ ـ لا فحرية التعبير محمية في الولايات المتحدة أكثر مما في أي بلد آخر أعرفه. وهذه حقيقة منذ عقد سنوات الستينيات. مع ذلك ثمة فارق بين حرية التعبير والشكل الذي تستخدم من خلاله، وعندما تكون حرية التعبير تلك محتكرة من قبل الشركات الكبرى الى حد كبير وتنقل دعاية دولة مثيرة للسخرية وفظة، فإنها تستخدم لنقل صورة مشوهة للعالم. في شهر سبتمبر الماضي، بدأت دعاية لصالح الحرب بهدف تحويل العراق الى تهديد للأمن القومي وربطه بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، مع أن كل ذلك معروف أنه كذب. لكن كمية كبيرة من الدعاية ضخت للناس جعلت فئات واسعة من الرأي العام تؤمن بتلك البراهين الزائفة. ـ هل من بدائل لتلك السيطرة الإعلامية التي تتحدث عنها؟ ـ لولا هو رئيس البرازيل الآن حيث كسب الإنتخابات مستفيدا من وسائل الإعلام البرازيلية التقليدية. فهناك منظمات ونشاطات تذهب إلى ماهو أبعد من السلطة المؤسساتية ويستفيدون منها ويخلقون بدائل وخيارات، ولقد فعلوا ذلك بنجاح كبير. ـ هل تعتقد أنه في عصر الانترنت والمعلومات الرقمية التي يتم تداولها بشكل حر، قد تبدل دور ومنظور الإعلام التقليدي؟ ـ الإعلام لم يتبدل بشكل أساسي، وأصبحت وسائل الإعلام الكبرى أفضل وأكثر إنفتاحاً من السابق. فخلال الحرب الفيتنامية على سبيل المثال لم يكن هناك نقد في الصحف، فهذا لم يكن مصرح به، واقتصر النقد على مسائل مثل تكلفة الحرب، لكن لم يسمح بطرح المسألة على بساط البحث بشكل جدي. مع ذلك، كان الرأي العام مفعم بالنقد بشكل جذري على عكس وسائل الاعلام حيث اعتبرت نسبة 70 بالمئة من الطلاب الحرب خاطئة وغير أخلاقية. والصحف اليومية الآن أفضل لأن البلد قد تغير ولقد أصبح أكثر حضارة في ميادين كثيرة. والفعالية التي بدأت في الستينيات إمتدت بعيداً وسمحت بتغييرات كبيرة في الوعي والادراك الذاتي في البلد. وهذا لا يقتصر على الحرب فقط، بل يمتد الى مسائل اخرى تتعلق بحقوق المرأة والوسط البيئي.. إلخ. ـ هل تظن أنه بعد هذه الحرب سوف يتغير شيء في السياسة الاميركية حيال أميركا اللاتينية؟ ـ لا أعتقد أنه سوف يحدث تغيير جوهري، وعلينا في هذا السياق تذكر ما كانت عليه سياسة الولايات المتحدة وعلينا تذكر ما كان قد حدث خلال المئة عام الأخيرة. فسياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية كانت منهجية على الدوام. ولا علاقة لها مع معارضة الحرب، التي كانت بالإجماع في كل انحاء العالم على المستوى الشعبي. في أميركا اللاتينية، تتسامح الولايات المتحدة وعملياً سوف تدعم اي نظام ديمقراطي شكلي طالما يكون مضمونه باهتاً وبينما يؤكد دعمه لبرامج سياسية أميركية ويحافظ على سلطة النخبة. اما في حال خرجت البلدان من هذا القالب، مثل البرازيل، بادوات ليبرالية جديدة ظهرت في السنوات الثلاثين الأخيرة، فإن الولايات المتحدة ستحاول خنق ذلك البلد وسوف تتضمن عدم خضوع السياسات الحكومية للنداء الشعبي، وان تستجيب لمتطلبات البنك الدولي. ـ من وجهة نظرك، ما الذي تستطيع أميركا اللاتينية فعله في مواجهة ما يسميه البعض «الضغط المتزايد للولايات المتحدة» كي توافق على شروطها؟ ـ هذه البلدان سوف تقاوم، لكن عليها ان تتعلم العيش بدون أوهام، وعليها الابتعاد عن الصور المخادعة لتجربة موثقة طوال مئة عام، فليس هناك من قواعد للتفكير بأن هذا الوضع سوف يتغير. لكن ليس ممكناً ان تكون منطقة الأنديز أحد الاهداف المقبلة للسياسة التي يطبقها بوش على أساس عقيدة الحرب الاستباقية، ذلك ان هذه المنطقة تشكل مصدراً مهماً لموارد خارج الرقابة تقريباً. وهي محاطة بقواعد عسكرية وهناك الكثير من الجيوش، لكن من الممكن ان يتمكنوا مجدداً من اثبات ان هذا يشكل تهديداً ارهابياً بالنسبة للولايات المتحدة، كما حصل في الماضي. يجب تذكر ما حدث في نيكاراغوا في سنوات الثمانينيات عندما أعلن هذا البلد أنه يمثل تهديداً لبقاء الولايات المتحدة وحين اعلنت حكومة رونالد ريغان حالة الطواريء الوطنية عام 1985 بسبب تهديد الأمن القومي الذي مثلته نيكاراغوا. اذا راقب احد ما هذا الوضع من المريخ لن يعرف اذا ما كان عليه ان يبكي ام يضحك، لكن المؤكد ان هذا قد حدث في الماضي وهو لا يمثل الحالة الوحيدة. ومع ذلك وكما استخدمت مثال البرازيل للتو، فإني أشدد على ان من الممكن تحقيق تغيير في أميركا اللاتينية وفي العالم. فذلك هو ما يسعني اليه منتدى بورتو اليجري العالمي. بقلم :نعوم تشومسكي _ عن «ريبليون» ـ اسبانيا