الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 لابد ان لحظة الابتهاج بالانتصار بدت على نحو رهيب، رسالة مقتضبة موجهة للصقور. ففي ظرف ساعات ازيحت الصورة البروتوكولية لهدم تمثال صدام حسين لتحل مكانها مشاهد السلب والنهب والفوضى. وبعد ان كسبت ادارة بوش الصراع العسكري، بدت بصورة تثير التساؤل، محدودة الاستعداد لما توجب عليها فعله عقب ذلك في بغداد. اما بالنسبة لبريطانيا فإن قضية ما العمل بعدئذ يجب ان تبدأ باجراء احصاء للضرر الذي سببته الحرب لمكانتنا الدولية حيث يتجلى الضرر الاكثر فورية في الانقسام الذي حدث بيننا وبين شركائنا الاوروبيين الرئيسيين بينما كان هدف حزب العمال عندما تسلم الحكم عام 1997 تحويل بريطانيا إلى شريك ذي اهمية متساوية في مثلث مع المانيا وفرنسا. لكن اثر الانقسامات الناجمة عما يخص العراق، عادت اوروبا إلى المحور الفرانكو ـ الماني وبريطانيا عادت لتكون ابعد. ومن ثم يأتي الضرر الذي لحق بمكانتنا في العالم الذي يسلك طريق التطور حيث الاحساس المنتشر على نطاق واسع هو اننا دعمنا حرباً ليست تحريرية وانما امبريالية. وهذا مؤكد في الامم الاسلامية، على وجه الخصوص مع ان القضية الاستراتيجية الاشد صعوبة في الشئون الدولية تتمثل في كيفية تمكن الغرب من التوصل إلى اتفاق مع العالم الاسلامي. وبريطانيا من جانبها مطلوب منها المساهمة في العثور على الاجابة وذلك بفضل مجتمعنا متعدد الثقافات وتقليدنا التسامحي. مع ذلك تحد الحرب في العراق من امكانية تحركنا كمحاور مع الامم الاسلامية، ولاسيما العربية منها. فالمشاهد التي كنا قد شاهدناها للحرب في وسائل الاعلام الغربية ما هي الا نسخ شاحبة لمشاهد الضحايا المدنيين المشاهدة في فضائيات العالم العربي باكمله. وقبل عام واحد فقط كان لدينا تحالف واسع وشامل ضد الارهاب وكان في هذا التحالف بلدان اسلامية كثيرة. الآن ذلك التحالف قد تبخر. مما يجعل من الصعوبة بمكان عدم الوصول إلى استنتاج مفاده ان الصدام الشامل سوف يتركنا عرضة للارهاب العالمي اكثر من السابق. وهذا يعني ان الولايات المتحدة والمملكة المتحدة قد اثبتتا بأنهما قويتان فقط من اجل جعل انفسهما غير آمنتين على نطاق اوسع. كلما زاد وقت محاولة الغرب قيادة العراق. كلما كانت حالة الاستياء اكبر ومع ذلك لا يبدو ان واشنطن تفهم ان جهودها الشجاعة في الابقاء على الامم المتحدة على الهامش تسلك طريق الاضرار بمصالحها حيث يحتاج بوش إلى تسليم الحكومة العراقية إلى سلطة عالمية اكثر شرعية قبل ان يتحول جيشه التحريري إلى جيش احتلال وعليه الاهتمام بمشورة السلطة الدينية العليا في العراق: «لقد اطحتم بصدام، الآن ارحلوا». والغرب لا يستطيع ان يسعى بعد البرهان المفجع على سلطته التي لا تتجاوز دور المشاهد السلمي في عملية سلام الشرق الاوسط. والحرب على العراق بررت وبحق ان واشنطن قد نفذ صبرها بعد عقد من الزمن، منتظرة ان يلتزم صدام بواجباته المشتقة من قرارات صادرة من الامم المتحدة. مع ان الفلسطينيين انتظروا ثلاثة عقود لتكمل اسرائيل التزاماتها وفقاً لقرار 242 بالانسحاب من الاراضي المحتلة. الخلاصة هي ان مكانة المملكة المتحدة في مجمل البلدان الاسلامية تعتمد على انسحاب الولايات المتحدة من العراق وانسحاب اسرائيل من الضفة الغربية. ووضعنا الحرج كشريك اصغر في التحالف هو ان المفتاح من اجل التقدم في كلا الحالتين ليس بأيدينا وانما بأيدي الرئيس بوش. وهنا نصل إلى المأزق الاساسي لبريطانيا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية حيث لا يتعلق الامر بالعراق ولا حتى بأوروبا ذاتها وانما بأي نوع من العلاقة نستطيع الحفاظ عليها مع الولايات المتحدة عندما تكون تحت سلطة حكومة المحافظين. وهذه المشكلة لا تخص المملكة المتحدة وحدها، فالجميع لديهم المشكلة ذاتها في اتخاذ القرار حول كيفية التحرك في عالم تسيطر عليه قوة عظمى نشطة. لذلك نحن نعيش لحظة فريدة من نوعها من التاريخ العالمي بحيث اصبحت الولايات المتحدة تستحوذ قوة نيران عسكرية تساوي قوة عشر امم من تلك التي تليها في تخصيص اتفاقات كبيرة في الدفاع. وفي ظل حكومة بوش اصبحت الاضافة السنوية للانفاق العسكري اكبر من كل ميزانية دفاعية لغالبية الامم الاوروبية. ووفقاً للتوجهات الحالية، فإن الولايات المتحدة سوف تتجاوز، خلال هذا العقد الزمني، النقطة التي سينفق عندها نصف الميزانية الدفاعية العالمية وستملك قدرة عسكرية اعلى من جميع الامم الاخرى مجتمعة. ان العالم لم يكن ابداً احادي القطبية بهذا القدر. بالنسبة للمملكة المتحدة، تسبب احادية قطبية الولايات المتحدة قضايا شائكة جراء حميمية علاقتنا مع واشنطن وتطابق السياسة البريطانية مع الاميركية حيث اتبع توني بلير استراتيجية اعادة المملكة المتحدة إلى موقع الحليف الاكثر حظوة عند الولايات المتحدة. واذا كان هناك نموذج يحتذى في هذا السياق، فلقد كان هذا استرجاع العلاقة الخاصة لسنوات تاتشر ـ ريغان. والفخ يكمن في ان العلاقة، تاتشر ـ ريغان، كانت ممكنة ليس لأن واحدة كانت بريطانية والآخر اميركي، وانما لأن كليهما تقاسما الاوليات الوطنية الفاسدة ذاتها والرؤى الشريرة نفسها عن العالم، بينما عندما دخل بيل كلينتون إلى البيت الابيض، اصبح ممكناً اعادة انشاء تلك العلاقة الخاصة بين زعيمين تقاسما ميولاً فطرية متشابهة إلى حد ما ووجدا نفسيهما امام بلاغة مشتركة عن طيب خاطر. الخطأ الاستراتيجي كان محاولة الاستمرار في العلاقة التي كانت مع كلينتون خليفته. وكانت الحسابات السياسية منطقية زيادة عن اللزوم. ذلك ان بلير كان مقتنعاً بأن المحافظين كانوا ليؤكدوا ان الحكومة العمالية ما كانت لتستطيع العمل مع ادارة جمهورية. لذلك كانت تحركاته للتموقع بالقرب من بوش مدفوعة بتصميمه على اغلاق هذا الخط في الهجوم الوطني. وتمثل الخطأ في التقليل من اهمية المشاكل التي اعانت على بناء علاقة خاصة بدون اوليات سياسية مشتركة ولا قيم مشتركة. النتيجة المتوقعة هي ان بلير بمشاركته حكومة يمينية في الولايات المتحدة، قد بقي بدون دعم بين زعماء اليسار داخل الاتحاد الاوروبي، حيث يعتمد في المقابل على قادة يمينيين مثل سيلفيو بيرلسكوني، الشريك غير المألوف بالنسبة لزعيم عمالي برز من خلال التزامه بمحاربة الجريمة بشكل حازم. وعند تحليل العامين الاخيرين من العلاقات مع ادارة بوش، من الصعب اكتشاف اي دعم تلقيناه مقابل وفائنا، تماماً كما قال لي وزير خارجية اوروبي العام المنصرم: «يدهشنا جميعاً ان المملكة المتحدة لا تخرج بشيء في المقابل». وزميل آخر من زملائي السابقين اجفل عندما قال له شخص اختاره بوش لوزارة الخارجية الاميركية: «كي اكون صريحاً معك، يسعدنا انك لم تعد وزيراً للخارجية، لأن موقفك كان اقرب إلى بريطانيا منه إلى الولايات المتحدة». واذا نحينا جانباً هذا الافتقار إلى الولايات الصارخ للكياسة في هذه الملاحظة من جانب دبلوماسي محترف، فإننا نخلص إلى فكرة مهمة حول وجهات النظر الخاصة في واشنطن حول حليفها المفترض. مع ان الاميركيين يظهرون بوضوح اكثر منا انه توجد هوة بين منظورينا الدوليين. من الجانب الآخر، تبين سير نائب الرئيس ديك تشيني التحدي الذي يفرضه على الحكومة العمالية ايجاد قضية مشتركة في الشئون العالمية مع ادارة بوش. فعندما كان عضو مجلس شيوخ، صوت تشيني ضد قرار طالب النظام العنصري في جنوب افريقيا باطلاق سراح نيلسون مانديلا، وهذا لم يضعه فقط في مواجهة مع المواقف الاساسية للاشتراكية الديمقراطية، بل في العالم الآخر، ولقد كانت النتيجة قائمة اطول في كل مرة لمواضيع اختلفت حولها ادارة بوش مع رؤيتنا الدولية وان بروتوكول كيوتو حول سخونة الكرة الارضية وبرنامج جوهانسبورغ حول تطوير العالم وانشاء محكمة جنائية دولية ماهي سوى بعض القضايا التي بذل بوش حيالها اقصى جهد عنده لمحاصرة اوليات الدبلوماسية البريطانية. وبشكل غريب، بحكم قلقه من اسلحة الدمار الشامل، قوض بوش جهودنا لتعزيز اتفاقية الاسلحة الكيماوية، ذلك ان الصناعة الاميركية لا تتفق مع عمليات التفتيش الوقائية التي يمكن ان يقوم بها مواطنون من دول اوروبية منافسة. لعلهم يتلقنون الآن دروس العراق في الرقم 10 من داوننج ستريت، فالرفض السريع والجماهيري الذي ابداه بلير حيال الانضمام الى جوقة مرددي تهديدات واشنطن ضد سوريا يبدو متعارضا مع دورنا كمحور مخلص لبوش في العراق لكن مناقشة مستوى تواطؤ بريطانيا مع ادارة بوش لا يعني موقفا معاديا للاميركانية، فالولايات المتحدة ليست بلاد جورج بوش فقط، وانما هي ايضا بلاد مايكل مور ومارتن شين وودي ألين. وغالبية الاميركيين لم يصوتوا لصالح بوش بل لصالح آل غور. كما ان بوش لن يبقى هناك الى مالا نهاية فخلال عام واحد فقط، سيواجه مستشارو بلير مطالبة البيت الابيض بتقديم اشارات حاذقة ولطيفة، لكنها ليست خاطئة، بأن يضمنوا اعادة انتخاب بوش وافشى ان يكون ميلهم الفطري الاساسي، في حال املوا بأن يفوز بوش، هو ابداء استعدادهم لكن من الضرورة بمكان ان يسيطروا على تلك الميول لان مصلحة المملكة المتحدة تكمن في نصر ديمقراطي ومع ان توني بلير مشهور بالكتمان ساعة الاختيار بين الخيارات والبحث دائما عن طريق ثالث الا ان رفض الاعتراف بوجود خيار بين الذهاب الى جانب بوش والحفاظ على موقفنا في اوروبا يتركنا معزولين وسط الاطلسي. اما اذا اراد رئيس الوزراء ان يعيد للمملكة المتحدة تصنيفها كممثل اوروبي رئيسي فعليه القبول الآن بأن الاقتراب من اوروبا يتطلب اساسا احداث مسافة اكبر بين المملكة المتحدة وبوش. بقلم: روبن كوك _ ترجمة: باسل ابو حمدة عن «البايس» ـ اسبانيا