السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 إلى أين تمضي أميركا؟ إنها القوة العظمى الوحيدة في عالم ما بعد الحرب الباردة، هذه مسألة لا يختلف عليها اثنان، لكن في هذه الفترة بالذات يحتدم النقاش داخلها حول توجهات سياستها الخارجية، هناك الصقور وهناك الحمائم، لكن هناك أيضاً من يقف بين هؤلاء وأولئك.. هناك الامبرياليون الجدد والمحافظون الجدد ودعاة الانكفاء على الذات. والقائلون بالأحادية القطبية العالمية، والقائلون بتعدد الأقطاب، وبين هؤلاء جميعاً، بل وربما بهؤلاء جميعاً ، يتحدد مستقبل المنظومة الدولية في الأفق المنظور. في هذا الكتاب يقوم باحث ومؤرخ بمحاولة رصد آليات اتخاذ القرارات على صعيد السياسة الخارجية الأميركية، وذلك بالاعتماد على وثائق ونصوص أساسية صادرة عن هيئات أو شخصيات فاعلة في مراكز القرار السياسي بالولايات المتحدة. فهيا بنا نتابع كيف تتم صياغة واشنطن! «منذ ازدهار ـ الدول ـ الأمم في القرن السابع عشر، لم تعرف المجموعة الدولية ظرفاً أكثر ملاءمة مما هو اليوم من أجل بناء عالم تتنافس فيه القوى العظمى سلمياً بدلاً من أن تكون باستمرار مستنفرة ومتأهبة للحرب. إن القوى الكبرى اليوم تعيش في كوكبنا متجاورة في المعسكر نفسه ومتحدة في مواجهة الأخطار المشتركة والمتمثلة في العنف الارهابي وفي الفوضى. وتعرف روسيا في هذا السياق حالة من الانتقال الواعد باقترابها يوماً بعد يوم من مستقبلها الديمقراطي ولتصبح شريكاً في الحرب ضد الارهاب، كما ان القادة الصينيين يكتشفون ان الحرية الاقتصادية هي المصدر الحقيقي الوحيد للثروة الوطنية. وذات يوم سوف يكتشفون ايضاً ان الحرية الاجتماعية والسياسية هي المصدر الوحيد للعظمة الوطنية». هذه الرؤية القائلة بتهدئة التوازن في العلاقات بين القوى الكبرى عرضها جورج دبليو بوش في مقدمة «وثيقة الأمن القومي» الصادرة في سبتمبر 2002 وهي وثيقة تكشف من التطورات بقدر ما تحجب من التناقضات. وفي الواقع لاشك بأن أحداث 11 سبتمبر 2001 جعلت من الممكن قيام تقارب واضح بين الولايات المتحدة وروسيا، مما يدل على النهاية الحقيقية للحرب الباردة، والتي سادت في العلاقات الدولية بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط المعسكر الشيوعي، كما ان أحداث 11 سبتمبر 2001 جعلت من الممكن ايضاً تهدئة التوتر مع الصين. لا للنسيان مع ذلك، ينبغي ألا يؤدي بروز عدو مشترك أو الشراكة في الحرب ضد الارهاب إلى نسيان النقاشات الحادة جداً التي عرفتها، ولا تزال تعرفها أوساط المهتمين بالشئون الخارجية الأميركية بالنسبة لموضوع روسيا والصين. وإذا كان الاهتمام بروسيا يميل نحو التضاؤل بمقدار ما تضاءل القلق الذي تثيره القوة العظمى السابقة، فإن الاهتمام بالصين والنقاش حيالها ينبئان بالتعاظم مستقبلاً، وهذا على الرغم من الهدوء الذي ساد بهذا الصدد بسبب الحرب ضد الارهاب. وكان قد تم الوصول منذ رئاسة جورج بوش الأب الى نوع من الاتفاق النسبي حول موضوع الاتحاد السوفييتي السابق، وذلك بالاعتماد على عدة مباديء بسيطة تتمثل في دعم اندماج روسيا في دائرة البلدان الديمقراطية والانتقال بها نحو الرأسمالية، ولكن في الوقت نفسه الحذر حيال أي طموح امبريالي وليد قد تعرفه موسكو، ومن هنا جاء وهم أوكرانيا وبيلوروسيا وتوسيع اطار الحلف الأطلسي وتعزيز مشروعات الطاقة في منطقة بحر قزوين. وكان زبيجنيو برزنسكي المستشار السابق للأمن القومي الأميركي قد تعرّض للحديث عن العلاقات الاميركية ـ الروسية في كتابه الشهير «رقعة الشطرنج الكبيرة، أميركا وبقية العالم» وجاء في بعض ما قاله: «في هذه الشروط ينبغي على النخبة السياسية الروسية، وبدلاً من ان تبذل الجهود عبثاً من أجل ان تستعيد موقعها السابق كقوة كبرى على الصعيد العالمي، أن تفهم ان المهمة الدولية الملقاة على عاتق روسيا تتمثل في تحديث بناها. ونظراً لاتساع رقعتها ولتنوع مكوناتها، فإن تبني نظام سياسي يقوم على اللامركزية وعلى اقتصاد السوق هو أفضل ما يكون من أجل تحرير الطاقات الكامنة للشعب الروسي وجني أكبر الفوائد من الثروات الطبيعية للبلاد. ولاشك ان روسيا مع نظام لامركزي ستكون أكثر بعداً عن التطلعات الامبريالية. ووجود اتحادية ـ كونفيدرالية ـ روسية أكثر انفتاحاً تضم روسيا الأوروبية وجمهورية سيبيريا وجمهورية من الشرق الأقصى، فمثل هذه الاتحادية تستطيع ان تطور علاقات اقتصادية أكثر قوة مع أوروبا مع الدول الجديدة في آسيا الوسطى والشرقية. والأمر الذي لابد أن يزيد من تسارع ايقاع التنمية في روسيا نفسها. ثم ان كل وحدة من هذه الوحدات الثلاث ستكون قادرة أكثر على استثمار المخزون الابداعي المحلي الكامن والذي كان قد جرى خنقه عملياً خلال قرون عديدة من قبل البيروقراطية الثقيلة لموسكو. «وسوف تكون روسيا أكثر ميلاً نحو تبني الخيار الاوروبي، إذا نفذت الولايات المتحدة بشكل جيد النقطة الثانية من استراتيجيتها حيال روسيا، أي تعزيز التعددية الجيوسياسية ذات الارجحية في الفترة ما بعد السوفييتية. ذلك ان تعزيز مثل هذه التعددية سيقلل على الأرجح من النزعة الامبريالية واغراءاتها. إن روسيا ما بعد امبريالية ومتجهة نحو أوروبا يفترض بأن ترى في المبادرة الاميركية وسيلة لتقوية الاستقرار الاقليمي ومنع حدوث نزاعات على طول حدودها الجنوبية الجديدة والتي كانت بؤراً لعدم الاستقرار. لكن لا ينبغي لسياسة التعددية الجيوسياسية هذه ان تكون مشروطة بوجود علاقات جيدة مع روسيا، بل على العكس انها تشكل أيضاً ضماناً للأمن في حالة تدهور العلاقات الأميركية مع روسيا، ذلك لأنها تعيق العودة الى سياسة امبريالية روسية تكتنفها المخاطر حقاً. كذلك يمثّل الدعم الاقتصادي والسياسي للدول التي استقلت حديثاً جزءاً من استراتيجية أكثر اتساعاً بحيث انها تشمل القارة الآسيوية كلها، ويتم اعتبار تعزيز وجود أوكرانيا ذات السيادة، والتي سيتم تعريفها من جديد على انها احدى دول اوروبا الشرقية والتي ستدخل في عملية تكامل أكثر عمقاً مع المنطقة بمثابة عنصر حاسم في مثل تلك السياسة. وتطوير علاقات وثيقة بين الولايات المتحدة الاميركية والدول المهمة مثل أذربيجان وأوزبكستان يكتسي ايضاً أهمية حاسمة الى جانب المبادرة الأكثر عمومية والرامية الى جلب آسيا الوسطى الى دائرة الاقتصاد العالمي، على الرغم من محاولة روسيا كبح جماح مثل هذا التوجه بأقصى ما لديها. «ان القيام باستثمارات كبيرة خارجية في المنطقة التي تشمل شواطيء بحر قزوين وآسيا الوسطى، بعد أن أصبحت هذه المنطقة سهلة الوصول اليها أكثر سوف لن يساعد في تعزيز استقلال هذه البلدان الجديدة فحسب، وإنما سيكون ذا فائدة كبيرة ايضاً بالنسبة لروسيا ما بعد الامبريالية والديمقراطية. ثم ان استثمار مصادر الطاقة والثروات المعدنية في المنطقة سيجلب الازدهار وبالتالي قدرا أكبر من الاستقرار والأمن مع التقليل من امكانيات حدوث نزاعات شبيهة بتلك التي عرفتها منطقة البلقان. ولاشك بأن الميزات التي يقدمها تحقيق تنمية اقليمية سريعة بواسطة تمويلات اجنبية، وسيكون لهذا آثاره على المناطق الروسية المجاورة والمتخلفة غالباً». بالاضافة الى هذا، سوف تصبح خشية النخب الجديدة أقل في التعامل مع روسيا عندما تفهم هذه النخب أن هذه البلاد قبلت فكرة الاندماج في السوق العالمي، أي ان الخشية من النتائج السياسية لاقامة علاقات اقتصادية وثيقة معها ستكون أقل بعد أن تخلت عن دورها كزعيم امبريالي. لكن مثل هذه الرؤية التصالحية لا تلقى الاجماع في دوائر صنع القرار الاميركية، ذلك ان البعض يرون أن الولايات المتحدة مفرطة في تشددها حيال موسكو، وهذا يمكن أن يولّد عودة الى التقاليد التسلطية والامبريالية، أو ربما يؤدي الى ما هو أسوأ من ذلك، أي الى فوضى تترتب عليها انهيارات ذات نتائج كارثية مثل توزيع أسلحة الدمار الشامل. أما الآخرون الذين يرون أن روسيا لم تنجز واقعياً الانتقال من الشيوعية الى الليبرالية والذين لم يزل لديهم بعض الحذر من قدرة روسيا على الاذى، فإنهم يعتقدون بأن الولايات المتحدة متساهلة، متراخية جداً حيال الفريق الحاكم في موسكو. عارض أنصار التيار الأول توسيع اطار الحلف الاطلسي، كذلك عارضوا بدرجة أقل ما وصفوه بالسياسة الاميركية التي لا تأخذ باعتبارها حساسيات موسكو ومصالحها مثل الانسحاب الأميركي المنفرد من الاتفاقية حول الصواريخ الاستراتيجية. هكذا اتخذ صحافيون ومراقبون كبار من أمثال مايكل ماندليوم وتوماس فريدمان وجورج كينان وغيرهم موقفاً واضحاً ضد توسيع اطار الحلف الأطلسي لأن ذلك بدا لهم بمثابة عمل استفزازي لا يمكن لموسكو أن تتحمله.. التاريخ أثبت خطأ ذلك. كما انتقد العديدون هزالة المساعدات الاميركية لروسيا، وكان «مركز نيكسون» أي المركز الذي أنشأه الرئيس الأميركي الأسبق و«مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» قد طوروا برامج بحث حول روسيا من أجل تعويض الرؤية البعيدة والحذرة لواشنطن، أي للادارة الأميركية. أما أنصار التيار الثاني فقد وجدوا أنفسهم في التيار المعارض لادارة كلينتون ولما أسموه بـ «التالبوتية» نسبة الى «ستروب تالبوت» المهندس الرئيسي للسياسة الأميركية حيال روسيا خلال الفترتين التي كان بيل كلينتون فيهما على رأس السلطة. وكانت تلك المعارضة اليمينية ترى أن أميركا قد قامت من جانبها بكل ما هو مطلوب منها، بل وانها بالغت فيما قدمته مما سمح لروسيا بموقع تطالب منه أكثر فأكثر من دون ان تفي من جانبها بالتزاماتها، وخاصة على صعيد التسليح. واعتبرت هذه القراءة للسياسة الاميركية بأن الدعم الشخصي جداً للقادة الروس، وخاصة لبوريس يلتسين، أدى الى عمى واشنطن وعدم قدرتها على رؤية الواقع وخاصة بيع الاسلحة لايران والتجاوزات الكبيرة في الجمهورية الشيشانية. وكانت كوندوليزا رايس هي ممثلة تلك الرؤية النقدية، ولكنها غدت بعد 11 سبتمبر في طليعة مهندسي التقارب الأميركي مع موسكو. ليس سراً وكانت كوندوليزا رايس قد قالت في مقابلة أجرتها معها مجلة «السياسة الدولية» الفصلية الصادرة في باريس بعددها لشتاء 2000/2001 ما مؤداه في معرض الرد على سؤال حول تشخيصها لمستقبل العلاقة مع موسكو: ليس سراً بالنسبة لأحد انني لا أوافق على السياسة الروسية لادارة كلينتون وخاصة فيما يتعلق بالمساعدة الاقتصادية لموسكو طيلة تلك الفترة، وفي الوقت الذي كان يعرف فيه الجميع بأن الفساد يستشري في ذلك النظام.. ليست ضد دعم عملية التحول، لكن على الروس أن يظهروا من جهتهم ارادة ولوج طريق الاصلاحات. المشكلة هي ان ادارة كلينتون قد ذهبت في دعمها لبوريس يلتسين حداً نسيت معه ان ترى على مستوى الحكومة وفي البلاد كلها. والنتيجة هي رؤية واشنطن كانت خاطئة تماما». ورداً على سؤال عن توقعاتها بخصوص التوجهات التي ستنتهجها موسكو في السنوات المقبلة». قالت كوندوليزا رايس: «تشخيصي هو ان روسيا سوف تقترب أكثر فأكثر من الأمم العربية بما في ذلك العراق، وسوف يؤدي بها هذا التطور في النهاية الى رفض بذل الجهود من أجل المساهمة في السلام»، وأضافت «اعتقد باخلاص ان روسيا تشكل تهديداً بالنسبة للغرب عامة وللحلفاء الاوروبيين بشكل خاص، وهم ونحن لسنا على درجة كافية من الحذر في مواجهة المخاطر التي تمثلها الترسانة النووية وصواريخ موسكو. ولدينا جميع الاسباب الداعية للخشية من احتمال ان يقوم الروس بتحويل التكنولوجيا النووية لآخرين. واعتباراً من 11 سبتمبر 2001 أصبحت روسيا تتحلى بكل الفضائل بنظر ادارة بوش لدرجة ان النزاع في الجمهورية الشيشانية غدا بمثابة نضال ضد الارهاب الاسلامي ولم يعد يطرح بالتالي أي مشكلة بالنسبة لواشنطن، وهكذا وجد الأميركيون والروس قضية مشتركة في الحرب ضد الارهاب. ماذا عن بكين؟ لاشك بأن الصين قد غدت مركز الاهتمام الرئيسي في النقاشات الدائرة في أوساط النخبة السياسية الأميركية، ثم ان جميع «علب الافكار» لديها مراكزها المختصة بالصين أو بآسيا منذ عقد الثمانينيات الماضي. ثم ان هذا الهم الأساسي في الفكر الذي جعل من السياسة الخارجية الأميركية موضوعاً له سيبقى خلال السنوات المقبلة على طاولة النقاش الى جانب قضية الشرق الاوسط بالنسبة للمراقبين الاميركيين وللمهتمين بالشئون الاميركية. وكانت قد صدرت عن «البنتاغون» وثيقة عام 2001 تعبر بوضوح عن هذا المنعطف الذي بدت ملامحه الاولى منذ عقد التسعينيات، وحيث اشارت الى ان المناطق التي تعتبر حاسمة بالنسبة للنظام الاميركي هي اوروبا وشمال شرق آسيا (اليابان والصين وتايوان) والشاطيء الشرقي للقارة الآسيوية (مثلث اليابان واستراليا وخليج البنغال) وجنوب آسيا (الهند وباكستان) والشرق الاوسط كذلك اشار بول براكن في «فورين افيرز» الى ان العالم سوف يعرف «العصر النووي الثاني» الذي تمثل آسيا مركزه والذي سيحل محل «العصر النووي الاول» اي عصر الغرب والحرب الباردة. هذه الاولوية الآسيوية تعود الى الازدهار الاقتصادي للصين بقدر ما تعود الى التهديد العسكري الذي يمكن ان تمثله وهذا يعود بالدقة الى القول ان «المنافس» المقبل لواشنطن سوف يتمثل في بكين، وذلك عندما يكتمل استثمار قوتها الديمقراطية والاقتصادية الكامنة، وعندما تسمح لها اداتها العسكرية بتأكيد جميع طموحاتها الاقليمية لكن بعض الاصوات الاميركية ترى بأن هناك بعض المبالغة في القوة الاقتصادية والعسكرية للصين. وكما هي الحال بالنسبة لموسكو، هناك اجماع اميركي منذ حوالي ثلاثين سنة يرمي الى دفع الصين للاندماج في اطار المجموعة الدولية وذلك بقصد السعي لاعطاء ديناميتها بعدا اقتصاديا وليس بعدا سياسا وعسكريا، وبهذا المعنى مثل دخول الصين الى المنظمة العالمية للتجارية، كما تم الاعلان عام 1999، نجاحا كبيرا بالنسبة لادارة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون، وهو نجاح هنأها عليه حتى خصومها السياسيون، لكن هذا الاجماع العام لا يمنع واقع وجود نقاشات كبيرة حول هذا الموضوع، اذ لا يزال هناك العديدون في التيار الليبرالي ينتقدون بشدة الصين بسبب خرقها المتكرر لحقوق الانسان، وكان هذا بالتحديد هو موقف بيل كلينتون نفسه اثناء حملته الانتخابية الرئاسية الاولى، ومثل هذا الموقف يلتقي مع موقف العديد من المحافظين والاصوليين المسيحيين الذين يرون بأن السياسة الاميركية غير اخلاقية حيال بلد شيوعي مثل الصين، وضمن هذا الاطار يلتقي ديمقراطيون وجمهوريون في دعمهم الاعلامي للمدافعين عن حقوق الانسان في الصين. في معسكر اليمين الاميركي المحافظ والمحافظ الجديد عديدة هي الاصوات التي تقرع ناقوس الخطر والتي ترى بأن الصين لا تزال قوة ذات ميول توسعية مثلما كان الحال بالنسبة لالمانيا في عهد جيوم الثاني في نهاية القرن التاسع عشر او كما كانت اليابان ذات النزعة العسكرية خلال عقد الثلاثينيات الماضي .. هذا فضلا عن ان الصين لا تزال متهمة لاحتواء غيرها وليست منصاعة ابدا للنظام الدولي الراهن، بناء على هذا لابد اذن من «كبحها» كما حدث بالنسبة للاتحاد السوفييتي السابق والدفاع بالمقابل عن مصالح الحلفاء الحقيقيين، اي اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان ثم ان المواجهة التي كان قد عرفها عام 1996 في مضيق تايوان تمثل صورة مسبقة عما سيكون عليه مستقبل العلاقات بين البلدين.وبالتعارض مع بيل كلينتون كان الرئيس الحالي جورج دبليو بوش قد اعتبر الصين في حملته الانتخابية الرئاسية عام 2000 بمثابة منافس استراتيجي وليس بمثابة شريك استراتيجي بنّاء ان مثل هذا الموقف المتشدد، بل العدائي إنما هو السائد لدى المحافظين والمحافظين الجدد، وكان واضحا جدا في التقرير الذي اعده كريستوفر كوكس السيناتور الجمهوري عن كاليفورنيا، حول اعمال التجسس الصينية في الولايات المتحدة الاميركية ـ عام 1999 ـ وحيث وجد هذا التقرير اصداء عميقة لدى الجمهوريين عامة. اما دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي الحالي فقد تبنى موقفا اكثر تشددا حيال بكين كما بدا في تردده حيال متابعة برامج التبادل بين العسكريين على الرغم من اهمية مثل هذا التبادل لفهم كل طرف للطرف الآخر، وكما بدا ايضا في رد فعله العنيف «وانما الذي تم تلطيفه عبر تدخل الرئيس بوش ووزير الخارجية كولن باول» حيال قضية طائرة التجسس الاميركية التي اصطدمت مع طائرة صينية ولجأت الى قاعدة هينان الصينية في شهر ابريل من عام 2001، وقد وصفت مجلة «ويكلي ستاندارد» آنذاك القضية بأنها بمثابة «اذلال وطني» للولايات المتحدة كما اعتبرت موقف الرئيس بوش بأنه «تلطيف» ويليق بمواقف سنوات الثلاثينيات. وقد جاء في دراسة كتبها المحللان الاستراتيجيان ريتشارد برينستاين وروس موزو حول «النزاع المقبل لا مفر مع الصين» ما يلي: «اصبحت الصين، اكثر بلدان العالم سكانا، والولايات المتحدة اكثر بلدان العالم قوة، بمثابة بلدين متنافسين على المسرح العالمي، فعلاقاتهما متوترة ومصالحهما متناقضة مما يحمل مخاطر كبيرة بالنسبة للمستقبل، ومنذ ما يزيد على عشر سنوات قليلا، اي في أواسط عقد الثمانينيات، كان العملاقان يعتبران انهما سيكونان بمثابة حليفين استراتيجيين في المستقبل، اذ كانت مصلحة كل منهما تتمثل في اقامة تحالفات تمنع الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ من السيطرة على اسيا، لكن التنافس هو الذي اصبح سائدا في العلاقة بينهما اعتبارا من مطلع عقد التسعينيات، اي بعد انهيار المعسكر السوفييتي. «واذا حافظت الصين على عدائيتها والولايات المتحدة على سذاجتها فانه يمكن للنزاع المهدد ان يصل الى حد المواجهات العسكرية، وعلينا ان نتذكر بأن الولايات المتحدة كانت قد دخلت الحرب ثلاث مرات خلال نصف القرن الماضي من اجل منع أية قوة من السيطرة على القارة الآسيوية هذا ومن المحتمل كثيرا ان تصبح الصين هي التي تمثل هذه القوة الوحيدة خلال السنوات العشرين المقبلة وحتى في حالة عدم قيام أية حرب بالمعنى الدقيق للكلمة فان التنافس بين البلدين سيكون هو الاكثر اهمية على المسرح الدولي خلال العقود الاولى من القرن الحادي والعشرين، وسوف يرغم الآخرين على اختيار معسكرهم وبحيث انه سيشمل جميع الميادين المتمثلة في القوة العسكرية والازدهار الاقتصادي وفرض النفوذ على البلدان الاخرى، وايضا على صعيد القيم والممارسات التي سيكون مطلوبا القبول بها على اساس انها معايير دولية. «اننا نقيم مثل هذه النتائج على اساس ان الصين هي من جهة، بصدد ان تحقق دورها كقوة كبرى وعلى اساس قناعتها بأن ارثها التاريخي يؤهلها لمثل هذا الدور وبأنها سوف تكون خلال عدة سنوات صاحبة اكبر اقتصاد عالمي، وهي الآن بصدد ان تصبح قوة عسكرية هائلة، واكبر من القوى المنافسة في المحيط الهادي باستثناء الولايات المتحدة الاميركية بنفس الوقت ان الصين هي قوة لا تزال متعطشة وطموحة تريد السيطرة على آسيا، لكن ليس بواسطة اجتياح واحتلال البلدان المجاورة وانما بتحقيق تفوقها على الامم الاخرى بحيث لا تتم امكانية فعل اي شيء دون موافقتها. « ومن جهة اخرى لا تزال الولايات المتحدة، ومنذ مئة عام «على الاقل تسعى لتحقيق هدف محدد في آسيا وهو منع سيطرة اي بلد وحده على المنطقة وبما ان الصين تسعى الى تحقيق مثل هذا الهدف تحديدا فبالتالي لا يمكن لاهدافها ومصالحها الا وان تتضارب مع الاهداف والمصالح الاميركية، وهذا في منطقة هي بصدد ان تحجب اوروبا اقتصاديا واستراتيجيا لكن اللعبة الكبرى في آسيا الشرقية تتطلب توازن القوى، كما كان الحال في القرن التاسع عشر، والصين قد بدأت تهدد هذا التوازن الكبير والذي ضمنته الولايات المتحدة وتسهر عليه، وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية». ان مثل هذه اللهجة المنذرة بالخطر تقابلها دعوة اصحاب السياسة الواقعية لدى تيار الوسط من الديمقراطيين والجمهوريين معا والذين يدعون لضرورة ان يتم دمج الصين في اطار المنظومة الدولية بأقصى سرعة ممكنة مع وضع حد بنفس الوقت لاطماعها الاقليمية الجموحة وخاصة حيال تايوان، بل ويذهب بعض المراقبين الى القول بأن الصين لا تمثل عنصرا لاختلال الامن الاقليمي، لكن اميركا، وسياستها «العصبية القلقة» وحرصها على تقديم الصين باعتبارها العدو المقبل هذا ما يثير الخشية بالفعل، ثم ان واشنطن بمبالغاتها وغطرستها مثل قصف السفارة الصينية في بلغراد عام 1999 ـ انما تعزز الصقور في بكين وتزيد من حدة معضلة الأمن لدى الصينيين واحساسهم بانهم قد اصبحوا هدفا مما يثير ايضا مشاعرهم القومية، باختصار ان اميركا هي بالاحرى القوة المثيرة لاختلال الامن بينما الصين تواجه في هذه الفترة الانتقالية الدقيقة والمهمة تحديات داخلية هائلة وهذا ما يشغل اهتمام سلطاتها.