الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 في يوم الاحد، الساعة السابعة مساء، دخل الى مكتب رئيس حزب العمل عمرام متسناع، خمسة اشخاص: داليا ايتسيك وحاييم رامون وبايجا شوحاط واوفير بينس وايتان كابل. الامور التي سمعوها منه في ذلك اللقاء القصير لم تكن مفاجئة لهم رغم انهم ذهلوا منها. عمرام متسناع وصل الى هذه النتيجة بطريقته المغايرة وغير العادية، وقد كان مسلما بها، وعليه قرر الاستقالة. ما قاله لرفاقه الخمسة في ذلك اللقاء دلل على انه هو الذي قرر انتقاءهم وان دعوتهم هم تحديدا لم تكن صدفة. الامر المذهل في ذلك اللقاء، كما يقول المشاركون فيه، كان ان أحدا منهم لم يقم بمحاولة لتثنيه عن قراره، ولم يطلبوا منه ألا يتسرع. رئيس الحزب قال لهم: لقد قررت الاستقالة فورا. وكل ما كان لديهم هو ان طلبوا منه التريث حتى يجدوا له قائما بأعماله. رد فعلهم كان وكأن الخطوة مسألة لا يمكن تغييرها. متسناع أخذ يتحرك في مقعده عندما طلبوا منه البقاء لاسبوع أو اثنين حتى لا تدب الفوضى في الحزب، وحركته هذه عبرت عن عدم الارتياح وكأن كل لحظة يقضيها في هذا الموقع هي مثابة جهنم بالنسبة له. أجواء من الوجوم والارتباك سادت في المكان الى ان حاول رامون تبديد التوتر وقال ضاحكا: ربما يتوجب علينا ان نحضر شمعون بيريز. الا ان متسناع لم يضحك حتى. وقد استجاب لطلب رفاقه بأن يبقى الى ان يجدوا له بديلا، وطلب منهم ان ينتهوا من ذلك بسرعة. متسناع توجه لوسائل الاعلام، ولم يطلب من أحد من رفاقه ان يرافقه. داليا ايتسيك وبايجا شوحاط وكابل ظلوا معه. ايتسيك تشعر بالأسف على ذلك لأن متسناع ليس شخصا سيئا يدفعك لكراهيته. وعلى طريق الخروج توقف متسناع بجانب داليا وصافحها. أما هي فلم تعرف ماذا تقول وبقيت صامتة.يبدو ان في حزب العمل الذي لا يوجد فيه اتفاق حول أي شيء، اجماع على أمر واحد فقط: متسناع يجب ان يرحل. رغم وجود مؤيدين ومعارضين له داخل الحزب الا انهم أجمعوا معا على عدم ملاءمته للمنصب. هذه المسألة تأكدت لهم منذ المعركة الانتخابية، الا انهم التزموا الصمت خلال كل هذه الفترة. الحملة الانتخابية كانت حملة من دون مرشح. وقد تضمنت جملة من الاخطاء والتصرفات الخاطئة.ولكن مع كل النوايا الطيبة الا ان هناك صعوبة حقيقية في اعتبار هؤلاء الاشخاص صديقين، فقد حولوا حياته الى جحيم حسب قول اوفير بينس ولم يعطوه فرصة حقيقية لاثبات نفسه أو «فترة تسامح» حسب المعتاد في السياسة. كل ما حصل عليه هو مائة دقيقة من التسامح في المؤتمر الاول في مباني الأمة. والمشكلة حسب رأي بينس ان متسناع تصرف بطريقة تصب في مصلحة رفاقه الذين استغلوا وتآمروا عليه وتركوه وحده. وربما كان السبب الحقيقي وراء ما حدث موجود في المنتصف بين عدم قدرته على الزعامة وبين عدم تسامح الحزب معه. هذا المزيج هو السبب من وراء ما حصل.حزب العمل لم يكن المكان الوحيد الذي فوجيء من استقالة متسناع. فقبل اسبوعين عقد في منزل فارا خودروب مؤتمر للجهات المؤيدة لمتسناع. ومتسناع نفسه أراد من هذا التجمع ان يبلور الطاقات حوله وطرح عليهم قضية الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها الحزب. وقد تواجد في المكان 50 شخصا ممثلين لأكثر من 20 مجموعة داعمة، ومن بينهم بني غاؤون عضو مكتب الحزب الذي أعرب عن استعداده لمساعدته. وكانت ايضا زوهرة عنتابي من منظمة «اربع أمهات» وعوديد كوتلر وآريه عاميت وغيرهم. متسناع كان منفعلا خلال هذا اللقاء الدافيء والداعم، وقال انه لم يلق شيئا من هذا في الحزب ووعد المشاركين بأن يقوم بعمل أكثر منهجية وأكثر تنظيما من ذي قبل حتى يجند طاقات مؤيدة بطريقة أفضل. الا ان مجموعة الداعمين هذه كانت قصيرة النفس ولا مكان لصدق متسناع واستقامته في الواقع الصعب السائد من حوله. متسناع لم يجد نقطة التوازن الحقيقية بين الاستقامة والطهارة وبين البراغماتية السياسية والحزبية المطلوبة. الشخص الذي لم يكن. بهذه العبارة يمكن تلخيص بصمات متسناع على حزبه. فهو لم يكن موجودا ببساطة، وبدا دائما كمن يسير في أعقاب أمه، حذرا وغير واثق وعديم التجربة. فهو مثل الشاب العجوز، مكتئب ومتعكر المزاج، وكأن الثلاثة آلاف عام من عمر الشعب اليهودي موجودة على كتفيه. ومن الناحية الاخرى تجده دائما لوحده لا يتشاور مع أحد ولا يطلب المساعدة. واذا كان ايهود باراك صاحب قيادة مفرطة فان متسناع افتقد لهذه القيادة. بن اليعازر تحديدا، كما يقولون في حزب العمل، هو النموذج لانبطاحية متسناع، ذلك لان فؤاد كان خادما لكل الأسياد. وكان الشخص المسئول عن الاجراء، ورجل الميدان، فقد كان تابعا لرابين ولباراك من بعده وحتى بيرس. الوصول الى بن اليعازر لم يكن مكلفا، فكلمة حلوة أو عناق أو لفتة أو امتنان تكفي، أما متسناع فلا يعرف القيام بذلك، ولم يكن يدري كيف يقرب الناس منه. فلماذا مثلا تصادم مع داليا ايتسيك وهو مدرك تماما انها ستنتخب رئيسة للكتلة؟ وهذا ما فعله مع باقي الرفاق حول المناصب المختلفة، من افرايم سنيه وحتى يولي تمير. المثال الكلاسيكي لعدم ملاءمة متسناع هو جلسة كتلة العمل الشهيرة التي تطورت مثل ديناميكية عادية حيث كانت تجربة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين كتلة الحزب ورئيسه. فؤاد قال في تلك الجلسة لمتسناع: أنا جندي تابع لك، ولكني أشعر باهانة كبيرة عندما تصفنا بأننا خرقة حكومة الوحدة، انني أرجوك ألا تفعل ذلك. متسناع أراد اجمال النقاش الذي دار في الغرفة، ولذهول الجميع قال بعد كل تلك المحادثة الصريحة والمنفتحة: لو قمتم بتنفيذ 10 في المائة فقط مما قلتموه الآن لبدت الامور بصورة اخرى. هذا القول أغاظ رفاقه ودفع ابراهام بورغ وفؤاد للمغادرة غاضبين، أما افرايم سنيه فقد قال بصورة قاسية: أنت شخص بليد، كيف يمكنك ان تقول ذلك بعد مثل هذه الجلسة. في الخارج قال بورغ لداليا ايتسيك: خسارة على الوقت، فهذا الشخص يعاني من نواقص كثيرة تفوق ما كان لدى ايهود باراك، فهو ايهود من دون باراك (باراك تعني برق). وحتى متان فلنائي الذي كان اول شخص يعلن عن دعمه لمتسناع قبل الانتخابات تحول الى عدو لدود له. فهو قد أدرك منذ البداية ان زعامة متسناع قصيرة العمر، وهو يرى نفسه مرشحا لخلافته، ولذلك لم يكن غريبا انه لم يرغب بترشيح نفسه لبلدية القدس. ولا عجب ايضا ان بورغ رغب وتراجع. كلاهما توقع سقوط متسناع ولم يرغبا في دفن انفسهما في مجلس بلدية القدس في الوقت الذي تبدو فيه رئاسة الحزب في متناول اليد.متسناع اعتقد انه يحمل رسالة، فهو لم يرغب برئاسة الحكومة، الا انه شعر ان من واجبه ان يشغل هذا المنصب، تفكيره مماثل لتفكير ايهود باراك: انه هو وحده الذي يستطيع انقاذ الدولة والحزب، وان من الواضح انه قادر على القيام بذلك. متسناع مثل باراك اعتقد ان على الجميع ان يكرسوا انفسهم لهذا الهدف وان يساعدوه في مسعاه، وهو الذي يقوم بحمل الرسالة. أما كل ما عدا ذلك فهو تلوث بالسياسة.التشابه بين متسناع وباراك يعود ويطرح نفسه مرارا. التعالي، النفور، الاستخفاف، الاعتقاد بامكانية فرض المواقف والآراء من دون مشاورة، استنساخ الاسلوب العسكري وفرضه على الحزب، الاسلوب الاداري. الا ان ايهود، كما يقولون في الحزب، استطاع الحصول على الحكم على الأقل، أما متسناع فقد حصل على 19 مقعدا. عودة باراك تطرح من جديد في صفوف الحزب، وفي ظل المقارنة بينه وبين متسناع يبدو باراك قديسا. الا ان المتنافسين ومن يلطشون أعينهم على المنصب كثيرون، من افرايم سنيه ومتان فلنائي ورامون وبايجا شوحاط أو حتى بورغ. وفي الايام المقبلة سيتقرر اذا كانوا سيبكرون موعد انتخابات رئاسة الحزب التي كان من المفترض ان تعقد في شهر مارس من العام المقبل، أو اذا كانوا سيعينون رئيسا مؤقتا للحزب حتى موعد الانتخابات. فلنائي يريد تبكير موعد الانتخابات، أما بن اليعازر فيرغب بتعيين رئيس مؤقت شريطة ان يكون هذا الرئيس هو نفسه. رامون وبورغ في المقابل لن يسمحا له بذلك، فهما يعتقدان ان فؤاد يريد ان يكون رئيسا مؤقتا لأنه يعرف انه لن ينتخب في الانتخابات الداخلية، ولذلك يريد الآن الوصول لرئاسة الحزب حتى يوطد مكانته حتى موعد الانتخابات.وكما جرت العادة دائما، الحل السهل هو شمعون بيرس، الوالد الذي يتراكضون نحوه في كل أزمة وضائقة، بيريز الذي ينخفض عمره في هذه الاوقات عشرات السنين رغم ان هذا العمر المتقدم لا يشكل عقبة في طريقه بالمرة. فهو الشخص الذي يبقى بينما يأتي قادة الحزب ويغادرون. فهو دائما هناك مثل دلالة حية ومؤلمة على الحزب الذي كان ولم يعد. وبقي هناك خيار الانشقاق، مجموعة من سبعة اعضاء كنيست يقدمون استقالتهم معا، ويتوحدون مع ميرتس أو يقيمون حزبا جديدا، ليس حزب يسار، وانما حزبا بلا ديون والتزامات وبلا قوانين يضطر للخضوع لها وبلا تقاليد وضغائن كما يوجد في حزب العمل. هذا الامر ليس على جدول الاعمال الآن، ولكن في المستقبل كل شيء مفتوح. أما الامر المؤكد الآن فهو ان متسناع قد انتهى وانه لن يكون زعيما لأي شيء. بقلم: سيمه كدمون _ عن «يديعوت أحرونوت»