السبت 9 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 10 مايو 2003 علق العديد من رافضي الحرب على العراق آمالهم قبل الحرب وخلالها على ألمانيا وفرنسا ـ الدولتين اللتين تشكلان صلب ما سمي بأوروبا القديمة، متوقعين أنهما ستعارضان سياسة واشنطن الخارجية العدوانية وتؤسسان قطبا معارضاً على الساحة الدولية. لكن حتى قبل ان تنتهي الحرب اتضح ان مثل هذه الآمال لا تطابق مع الواقع تماماً، فقد اقتصرت حكومتا برلين وباريس على المعارضة اللفظية والدبلوماسية مثل رفضهما الموافقة على قرار دولي من مجلس الأمن يعطي الصلاحية بالحرب، ولم تتخذ أي منهما أي خطوة عملية ضد هذه الحرب، والحكومة الألمانية على وجه الخصوص امتنعت عن حظر استخدام الولايات المتحدة لقواعدها ومجالها الجويين، وهي خطوة كان من شأنها ان تكون ذات عواقب كبيرة على المجهود الحربي الأميركي. واليوم بعد ان انتهت الحرب، لا يرى بعض المراقبين أي شكل لمعارضة دبلوماسية أوروبية حقيقية للخط السياسي الذي تتخذه ادارة بوش ويقولون ان هذا كان واضحاً في قمة الأربعة في بروكسل التي عقدت مؤخراً وجمعت زعماء الحكومات الأقوى في معارضتها اللفظية للحرب. كانت الدعوة للقمة التي حضرها زعماء ألمانيا وفرنسا وبلجيكا ولكسمبورغ قد وجهت عشية الحرب، وبعد الفشل في منع الولايات المتحدة في المضي في طريقها المنفرد نحو الحرب، نظر للقمة على انها فرصة لاعطاء دفعة جديدة لخطط تطوير سياسة أوروبية دفاعية وخارجية مشتركة. وهي خطة قيد النظر منذ مدة، ولم توضع قيد التنفيذ بعد وفي ظروف شهدت أوروبا فيها انقساماً حاداً بخصوص قضية الحرب على العراق اتت المبادرة في المؤتمر مقتصرة على نواة مركزية من الدول الأوروبية، فيما لم توجه الدعوة للدول التي ساندت الحرب وبينها بريطانيا وايطاليا واسبانيا. في الحقيقة كان الاتحاد النقدي الأوروبي قد جرى تنظيمه بهذا الشكل التجريبي، فبدلاً من انتظار تبلور اجماع في الدول الأوروبية، في ظل مشكلاتها الراهنة، اتخذت نواة محدودة من الدول المبادرة، واستطاعت اقناع الدول الأخرى للحاق بها عبر مزيج من الضغوط والحقائق على الأرض. ومن البداية اعتبرت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون قمة بروكسل الاخيرة هذه المبادرة مناهضة لسياستها، وهاجمت مجرياتها كما هو متوقع. واستخدمت الادارة الأميركية نفوذها لعزل الدول الأربعة المجتمعة في بروكسل، ومن جانبهم اطلق القادة الأربعة مبادرة اللحظة الأخيرة لتوسيع قائمة المشاركين. لكن كما تبين فإنه حتى الحكومة اليونانية التي عارضت الحرب لفظياً لم ترسل ممثلاً لها إلى بروكسل، فاليونان التي تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي حالياً تجاوبت مع الضغوط المفروضة عليها ورفضت تلبية دعوة بروكسل ولأسباب مماثلة لم يحضر أيضاً منسق السياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا. وقد اتهم وزراء خارجية اسبانيا وإيطاليا وبريطانيا المشاركون في القمة بالسعي لشق الصف في الاتحاد الأوروبي قائلين أن من «السخف» و«غير المعقول» ان تقوم مجموعة من ثلاث دول أو أربعة بتقرير مصير السياسة الدفاعية والخارجية المشتركة لأوروبا، وأتت اتهامات مماثلة من جانب أحزاب المعارضة اليمينية في ألمانيا حيث أعلنت رئيسة الحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا انغيلا ميريكل ان القمة كانت «اشارة انفصالية» لأوروبا. غير ان الامال أو المخاوف ـ تبعاً لوجهات النظر المختلفة في ان هذه القمة ستعارض الطريق الامبريالي للولايات المتحدة ـأثبتت محدودية الأرضية التي تقوم عليها، إذ لم تظهر أدنى اشارة نقد كانت في اجتماع بروكسل للحكومة الأميركية، ولم يقل أحد شيئاً في المطلق ضد الحرب التي تم شنها على العراق في انتهاك سافر لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من العراقيين وارساء نظام حاكم على النمط الاستعماري في تحد لكل الاعراف والمؤسسات الدولية، وبدلاً من ذلك أرسل المجتمعون كما قال أحد المشاركين: «تعهد واحد بالولاء بين جانبي الاطلسي» وتنافس المجتمعون في اطلاق تعهدات الولاء للحكومة الأميركية. رئيس الوزراء البلجيكي غاي فيرهوفستاد اكد القمة يجب ألا ينظر لها على انها «منافسة للناتو» وأضاف الرئيس الفرنسي جاك شيراك: «اننا نساعد بشكل طبيعي في دعم تحالف أطلسي قوى، فيما أعلن المستشار الألماني غيرهارد شرويدر ان القضية لم تكن «أميركا قوية جداً، بل أوروبا ضعيفة جداَ»، وأعلن البيان الختامي للقمة أنها تؤكد الشراكة الأطلسية مع الولايات المتحدة باعتبارها «أولوية استراتيجية أساسية». ولو لم يكن الأمر يتضمن المجازفة باراقة ماء الوجه لكان المشاركون قد ألغوا القمة نهائياً، وقد أشيع ان المستشار الألماني بقيد متردداً حتى اللحظة الأخيرة، قبل ان يتخذ قراره أخيراً بالسفر لبروكسيل. حتى لو كانت هناك أي خطط لبلورة رد أوروبي على الولايات المتحدة فإنها بقيت محدودة حصراً بالطابع العسكري، فالبيان الختامي للقمة يقول ان المطلب اللازم من أجل «دبلوماسية فاعلية وذات مصداقية هو وجود سياسة دفاعية وأمنية ذات مصداقية». ولهذا الهدف، فقد عمل مضيف القمة فيرهوفستاد على وضع مسودة موسعة تضمنت الاقتراح بتأسيس «قيادة عامة» للقوات العسكرية للاتحاد الأوروبي في بروكسيل، وهذه القيادة ستمكن القوات من العمل لأول مرة بشكل مستقل عن الناتو، الذي لا تزال أميركا تلعب فيه الدور القيادي كما عبر فيرهوفستاد عن رغبته بمضاعفة الانفاق الدفاعي الأوروبي على مدى العقد المقبل، بحيث تصبح الموازنة العسكرية الأوروبية نداً للموازنة الأميركية. لكن هذه الاجراءات ليست موجهة ضد المضمون الجديد للسياسة الأميركية الخارجية الهادفة لاخضاع دول ومناطق بأكملها لسيطرة واشنطن، بل هي تهدف لتمكين أوروبا من اخضاع دول أخرى لسيطرتها سواء كشريكة أو كمنافسة لأميركا. كما ان المشاركين في قمة بروكسيل لم يكونوا مدفوعين بالدفاع عن المبادئ الدولية مثل سيادة الدول، بل بادراكهم لمصالحهم الذاتية أيضاً، وهو شيء كان قد أصبح واضحاً في مشاركتهم بالحروب في البلقان وأفغالنستان، وأولوياتهم العسكرية تجد التعبير عنها في التوجهيات التي وضعت للجيش الألماني، والتي تحدد بفجاجة مفاجئة ان مهمة القوات المسلحة هي «رعاية وحماية الاستقرار السياسي والاقتصادي والعسكري العالمي» و«استدامة التجارة الحرة والحصول على المواد الخام الاستراتيجية».ووفق هذه النظرة، هناك قدر قليل جداً من الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي تجاه التسلح العسكري، فأهم المبادرات في هذا الصدد كانت قد دعمتها بالكامل أوثق حلفاء بوش في أوروبا وهي بريطانيا. فقد جرى وضع أرضية مهمة لخطط التسلح الأوروبي في قمة سان مالو البريطانية الفرنسية عام 1998، والتي لم تدع إليها أيضاً أي دولة أوروبية أخرى. غير أن الخلافات تبقى بخصوص العلاقات مع أميركا، فهل ستكتفي أوروبا بلعب دور الشريك الصغير؟ أم انها ستأخذ دور المنافس وتطالب «بالمعاملة بالمثل» كما تقول اللغة الدبلوماسية؟ الحكومة البريطانية التي تعتبر دورها هو ان تكون «جسراً» بين أميركا وأوروبا مصممة على دعم البديل الأول، فعشية قمة بروكسل أعرب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن تفضيله لعالم وحيد القطبية تحت هيمنة أميركية. وقال: «هناك رؤية مختلفة، فالبعض يريد عالماً متعدد الأقطاب توجد فيه عدة مراكز للقوة وآخرون يعتقدون مثلي اننا نحتاج قوة واحدة تحيط بشراكة استراتيجية بين أوروبا وأميركا». وفي رسالة يقصد منها الرئيس الفرنسي بوضوح قال: «ان أولئك الذين يخشون التفرد في أميركا يجب ان يدركوا ان الطريقة الاسرع لتحقيقه هي ارساء قطب منافس لأميركا». غير ان المشاركين في قمة بروكسل عارضوا «رؤية» بلير، وقال شيراك: «ان عالماً متعدد الأقطاب موجود شئنا أم أبينا» فإلى جانب أميركا هناك دول ومناطق مثل الهند والصين وأميركا الجنوبية وأوروبا يجب ان يكون لها دور، كما أضاف شرويدر الذي قال: «ان العنصر الرئيسي في السياسة الخارجية الألمانية يبقى التكامل في بنى متعددة الأطراف». غير ان المشاركين في بروكسل سرعان ما ارتدوا عن هذه المواقف، فالخطط العسكرية بقيت في مستوى الاعتراف العام بالحاجة لتعاون عسكري وتسلحي أوروبي وثيق، وهي ميادين هناك اتفاق داخل الاتحاد الأوروبي بشأنها منذ بعض الوقت أصلاً، وكل ما تبقى عدى ذلك من توصيات بخصوص «قيادة عامة» أوروبية كان توصية غامضة جداً: «اننا نقترح على شركائنا تشكيل نواة لقوة مشتركة للتخطيط والتنفيذ لعمليات تدخل من جانب الاتحاد الأوروبي». وقد كان رد الفعل الأميركي هو تجاهل هذه الاشارات فقد قال وزير الخارجية الأميركي كولن باول امام لجنة نيابية أميركية: «اجتمعت أربع دول أوروبية لصياغة خطة لنوع ما من قيادة عامة». وأضاف انه ليست هناك حاجة بالاوروبيين لمركز أوروبي جديد فهم لن يتمكنوا من توفير التمويل اللازم لتسليح وتطوير قواتهم العسكرية. كما ان عدم مقدرة الحكومتين الالمانية والفرنسية على ابداء مواجهة جدية للسياسة الخارجية الاميركية الهجومية يأتي في التحليل النهائي من برامجها الاجتماعية اذ فيما تحسان بالتهديد نتيجة التدخلات العسكرية الشرسة التي تقوم بها اميركا على الساحة الدولية فإنهما الآن في خضم عملية ادخال ظروف على النمط الاميركي في اوروبا وهذا يجعلها اقل قدرة على الوصول لقلوب العامة في اوروبا الذين خرجوا للشوارع بالملايين معارضة لغزو العراق. ان اوروبا موحدة يزيد سكانها على 400 مليون نسمة يحظون بمستويات معيشية وظروف عمل جيدة ستشكل قطبا قويا معارضا للامبريالية الاميركية، كما ستمارس ايضا نفوذا قويا على الشعب الاميركي الذي يفترض ان ينوء بعبء العسكريتاريان. غير ان شرويدر وشيراك مصممان على السير في الاتجاه المعاكس، ففي خضم حرب العراق شن الزعيمان الاوروبيان هجمات شرسة على حكومتي الرخاء في بلديهما، وايا منهما لا يستطيع ان ينتقد الوسائل الاجرامية التي تتبعها حاشية بوش لانهم يشاركونه الاهداف نفسها ـ اخضاع العالم بأكمله لاسوأ اشكال النهب والاستغلال الرأسمالي. ان مشروع الاثنين لاوروبا، الذي يهدف لتوحيد القارة لصالح الشركات والبنوك الكبرى، سيقود بالتأكيد لزيادة الانقسامات وسياستها تكثف التناقضات بين الحكومات الاوروبية منفردة والتي تخشى هيمنة بعضها على بعض وبين القوى الكبرى في القارة، وفي الوقت نفسه تواجه وصفتها لاوروبا رفض الشعوب الاوروبية عموما والتي ترى في عملية الوحدة ليست اكثر من تهديد لمستويات معيشتهم. ومؤخرا استخدمت الولايات المتحدة نفوذها لتعمق الانقسام الاوروبي ـ وتحديدا لأضعاف اقوى منافسيها: فرنسا والمانيا وقد استطاعت فعل ذلك تحديدا بسبب التنازلات التي قدمتها المانيا وفرنسا نفسيهما للولايات المتحدة. والاهم من كل شيء هو ان حكومات اوروبا الشرقية، التي تفتقر لاي دعم شعبي القت بكل ثقلها وراء اميركا وهذه الحكومات لا تمثل الا طبقة محدودة جدا من محدثي الثراء والبيروقراطيين الستالينيين السابقين، الذين اثروا جدا لنهجهم ما كان املاكا حكومية وفي غضون ذلك يعاني العامة في هذه الدول من البطالة المتفشية والنظام الاجتماعي شبه المنهار. الشيء نفسه ينطبق على الحكومات اليمينية في اسبانيا وايطاليا والدنمارك وهولندا فنتيجة الافلاس السياسي المطلق للاحزاب الاصلاحية القديمة، استطاعت حكومات هذه الدول ان تأتي للسلطة وتطبق اجراءات غير شعبية والحكومة الايطالية تحديدا قد اتت بوجوهها من الشرائح الغنية والفاسدة بل والاجرامية التي تميز الادارة الاميركية. ووزير الدفاع الايطالي سيزار بريفيتي وهو صديق مقرب لرئيس الحكومة سيلفيو برلسكوني ومحاميه، قد ادين مؤخرا برشوة قضاة وحكم عليه بالسجن 11 عاما. عن «ورلد سوشياليست»