الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 ان حكماء السياسة الخارجية، الذين ينزعون الى تصنيف العالم باعتباره سلسلة من المشكلات المنفصلة غير المترابطة، قلما يفكرون باسرائيل وافريقيا في الوقت ذاته، فاسرائيل هي مشكلة أمن، اما افريقيا فهي مشكلة جوع. لكن مثل هذه التصنيفات يمكن ان تحجب اشياء كثيرة من بينها حقيقة ان الروابط الاسرائيلية بشرق افريقيا تتطور بسرعة لأسباب متنوعة على كلا الجانبين. والصلات التي بدأت في أروقة الأمم المتحدة في اطار بحث الدبلوماسيين الاسرائيليين عن أصوات تدعم مواقفهم تطورت الى علاقة قوية مع المنطقة تعززها التجارة والمساعدات التقنية بين البلدان التي عاشت فترة تشويش كبيرة خلال الخمسين سنة الماضية. تعود جذور هذه العلاقة الى اواخر الخمسينيات، عندما استمالت اسرائيل دعم بلدان شرق افريقيا في محاولة لموازنة تكتل اصوات البلدان العربية في المنظمات الدولية، وكان ايضاً من الواضح ان بلداناً مثل اثيوبيا يمكن ان تقدم لاسرائيل مواقع مفيدة لمراقبة العالم العربي. لكن في ذلك الحين لم يكن بوسع الكثيرين التنبؤ بآفاق نضوج واكتمال تلك الصلات الجيوسياسية والأمنية مدعومة بالروابط التجارية والاستثمارية على الطراز القديم، لم يكن بمقدور بلدان شرق افريقيا توفير النفط والحبوب التي كانت اسرائيل بأمس الحاجة لها خلال بداياتها، لكن ازدهارها المتنامي قوّى المصالح المتزايدة بالأغذية والمنسوجات وحتى السياحة الافريقية. تعد صيانة الموارد المائية غاية قصوى في اسرائيل، والتجارة مع افريقيا توفر وسائل لاستيراد «مياه افتراضية»: فبشراء المحاصيل والمواشي (التي يحتاج انتاجها الى كميات كبيرة من الماء) من اريتريا وكينيا، تستطيع تقليل حاجتها للري وتسخير مياهها الجوفية لتوفير مياه الشرب والخدمات العامة. وبالطبع، فإن لدى اسرائيل أشياء اكثر بكثير تقدمها لشركائها الافارقة فعلى سبيل المثال هناك التدريب العسكري والأمني الذي يترافق مع صفقات بيع او تحديث المعدات العسكرية ويضمن التطور السريع للتكنولوجيا العسكرية الاسرائيلية، وجود سيل لا ينقطع من التجهيزات الفائضة عن الحاجة الجاهزة للبيع الى البلدان الافريقية بأسعار منافسة. وتستطيع الشركات الاسرائيلية ايضاً توريد الكمبيوترات وتقنيات الاتصالات الرخيصة نسبياً الى البلدان النامية، الى جانب تقديم الدعم التقني الضروري للاستفادة من هذه التقنيات ويوماً عن يوم تزداد اهمية مثل هذه الروابط غير العسكرية. ومن المؤكد ان صلات اسرائيل بكينيا ـ التي تعود جذورها الى الروابط القوية بين الزعماء الصهاينة الاوائل واول طاقم سياسي كيني بعد الاستقلال ـ ينظر اليها عادة بمنظور امني. فكينيا منحت اسرائيل التمركز في اراضيها لشن عملية انقاذ رهائن عفيتبي في اوغندا عام 1967، في حين ان مسئولي الاستخبارات وفرق الانقاذ الطبي الاسرائيلية سارعت الى مساعدة الحكومة الكينية بعد الهجمات الارهابية عام 1998 على السفارة الاميركية في نيروبي. في عهد قريب ساعد خبراء اسرائيليون في تشديد الاجراءات الأمنية في المطارات الكينية بعد محاولة في نوفمبر الماضي لاسقاط طائرة اسرائيلية مدنية اثناء اقلاعها من مومباسا. لكن هذه الروابط على المستوى الحكومي متجذرة في روابط وطيدة بين الشركات الاسرائيلية والجاليات اليهودية في مومباسا ونيروبي، وهو ما ادى الى بناء سوق قوية للكاكاو والقهوة والمطاط والاغذية من افريقيا الى اسرائيل. وتتمتع اسرائيل بجملة من الروابط التاريخية والمعاصرة مع اثيوبيا التي لا تزال تعيش فيها جالية يهودية يقدر عددها بـ 23 ألف شخص حتى بعد اجلاء اليهود الاثيوبيين الى اسرائيل ما بين 1984 و1991 وتظل الروابط بين تل ابيب واثيوبيا التي يغلب عليها الطابع المسيحي نظراً لمخاوفهما المشتركة من نمو الجماعات الاسلامية المسلحة في السودان المجاورة وبين الفصائل المتناحرة في الصومال. وخلال ثلاثة عقود من الاضطرابات في اثيوبيا لم تنقطع المساعدات العسكرية من اسرائيل والبعثات العسكرية الاسرائيلية في اديس ابابا كانت دائماً الثانية في الحجم بعد البعثة الاميركية او السوفييتية ولم تقدم تل أبيب التجهيزات العسكرية الفائضة وحسب، بل ايضاً برامج تحديث زهيدة التكلفة للأسلحة من الحقبة السوفييتية مثل مقاتلات «ميغ - 21» التي يستخدمها سلاح الجو الاثيوبي وربما كان اهم من ذلك قيام المستشارين الاسرائيليين بمساعدة الضباط الاثيوبيين للتغلب على الخصومات القبلية لترسيخ وئام تام بمساعدة رجالها المجندين. وشهدت الصادرات الاثيوبية الى اسرائيل نمواً بمعدل تجاوز 200 بالمئة سنوياً على مدار معظم عقد التسعينيات، لكن ما يوطد العلاقات الثنائية الآن هي الروابط الاستثمارية وقد وضعت اديس اباب سلسلة من المحفزات لاجتذاب الاستثمارات الاسرائيلية الى قطاعات غير الصناعة والزراعة، مثل التعليم والتخطيط المدني اللذين يلعبان دوراً أساسياً في التنمية بعيدة الأمد. ونظراً لأن اريتريا خاضت حرباً منهكة مع اثيوبيا حتى عندما كانت اسرائيل تطور علاقات وثيقة مع اثيوبيا فإنه ربما يكون من المفاجئ ان اسرائيل تحظى الآن في اسمرة بنفس الترحيب تقريباً الذي تحظى به في اديس أبابا لكن في الواقع ان اسرائيل أمدت كلا الجانبين خلال الحرب، حيث كانت تعطي اريتيريا بعض المعونات الفائضة وتقدم لها المساعدة في سلاحها الجوي مقابل ذلك، احتفظت اسرائيل بوجود عسكري منخفض المستوى يتضمن محطة لتزويد الغواصات بالوقود على جزر داهلاك قبالة الساحل الاريتيري ومحطات لمراقبة الاشارات على الجزيرة وفي اجزاء اخرى من البلد. لكن علاقة اسرائيل بأريتريا مبنية على الروابط الاقتصادية حتى اكثر من علاقتها بكينيا واثيوبيا، بدأت هذه الروابط من مشاريع ثنائية متفرقة في مجالات ملائمة مثل المسح الجوي، والتنقيب عن الآثار وامتيازات صيد السمك، لكن يتم الآن الاعداد لمشاريع على مستوى اكبر وفي يناير الماضي، وقع البلدان على اتفاقية للنقل الجوي المدني، تنص على انطلاق رحلات مباشرة بين تل ابيب والمطار الجديد الذي لا يزال قيد البناء في مساوا، ويأمل الرئيس الاريتري اسياسي أفورقي باستقطاب الدعم الاسرائيلي لبرنامج على مدى 20 عاماً لتنمية صناعة السياحة في بلده. وفي حين ان مد الاصولية الاسلامية سوف يبقي القضايا الأمنية في أعلى أجندة حكومات اسرائيل وبلدان شرق افريقيا على حد سواء، بأن التعاون الاقتصادي هو الذي سيلعب الدور الاكبر في ترسيخ الشراكات بين هذه البلدان. ترجمة: علي محمد _ خدمة «نيويورك تايمز» خاص لـ «البيان»