السبت 2 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 3 مايو 2003 نادرا ما يقف رئيس الوزراء البريطاني توني بلير امام وسائل الاعلام هذه الايام من دون ان يتحدث عن محمود عباس ويفضل الاشارة اليه عادة بلقب رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد واسمه الحركي «أبو مازن». فبعد قضاء حياته يعمل بعيدا عن الاضواء، اصبح ابو مازن البالغ من العمر 67 عاما، في بؤرة المشهد السياسي فجأة. فبعد تنازل ياسر عرفات في الخلاف بين الرجلين حول تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، اصبح ابو مازن اليوم على وشك تسلم زمام السلطة. سيكون على أبو مازن تحمل عبء القتال في الجانب الفلسطيني حين تبدأ المفاوضات الجادة حول خطة خارطة الطريق التي تنادي باقامة دولة فلسطينية مستقلة في غضون ثلاث سنوات والتي وعد الرئيس الأميركي جورج بوش باطلاقها حالما تتم المصادقة على حكومة أبو مازن من جانب المجلس التشريعي الفلسطيني. كما سيكون أبو مازن هو الشخصية التي يتطلع اليها الأميركيون والاسرائيليون للوفاء بمطلب خارطة الطريق وهو وقف السلطة الفلسطينية للهجمات الانتحارية وهجمات الفدائيين الاخرى ـ فأبو مازن هو من قال في خطاب تم تسريبه بعناية للصحافة مؤخرا ان اللجوء للعنف كان خطأ كارثيا ارتكبه الفلسطينيون. غير ان هذا المطلب قد يدفع به الى مواجهة خطيرة مع جماعات فلسطينية من حماس، التي لا تنوي تعليق لجوئها للسلام، كما سيكون ابو مازن هو من يلومه الفلسطينيون وربما الاسرائيليون، اذا ما فشلت هذه المحاولة للتوصل لسلام، مثلما حصل مع كثيرين من قبله. ومع كل التهليل الذي قوبل به تعيينه في هذا المنصب من جانب اسرائيل والولايات المتحدة وبلير، فان محمود عباس ليس بذي شعبية في الشارع الفلسطيني الذي ينظر اليه بشك. قبل بضعة اشهر كانت قلة خارج اسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة هي التي سمعت باسم محمود عباس، غير انه في الحقيقة كان مشاركا في العملية السلمية منذ بدايتها. فأي استعراض لالبومات صور المحاولات السلمية الفاشلة، ستظهر ابو مازن على مرج البيت الابيض مع الرئيس بيل كلينتون وياسر عرفات واسحاق رابين للتوقيع على اتفاق اوسلو. ومع المفاوض الاسرائيلي يوسي بيلين، حاول أبو مازن وضع خطة لحل مسألة القدس الشائكة التي يريدها الاسرائيليون والفلسطينيون عاصمتهم. قبل بضع سنين وفي تجمع للصحافيين الفلسطينيين في مدينة رام الله بالضفة الغربية، القى ابو مازن بقنبلة. فقد زعم انه كان وراء خطاب عصام السرطاوي المثير امام المجلس الوطني الفلسطيني، الذي اصبح فيه السرطاوي اول فلسطيني سياسي يقترح علنا على الفلسطينيين ضرورة اعترافهم باسرائيل في السبعينيات حينما لم يكن هناك عملية سلمية. وقال عباس انه حث السرطاوي على ذلك مثلما حث المفكرين الفلسطينيين على الشروع في حوار مع اليسار الاسرائيلي. ويقول الفلسطينيون الذين حضروا ذلك التجمع ان ابو مازن كان يتحدث عن هذا بفخر. غير انها كانت مناسبة اشعرت بعضهم بالمرارة: السرطاوي اغتيل بسبب هذا الخطاب على يد أبو نضال. وحينها بقي أبو مازن في الظل وبأمان. مؤهلات أبو مازن في عيون الاسرائيليين ممتازة، ولا تقتصر فقط على سجله خلال العملية السلمية فحسب، بل هناك ايضا ذلك الهجوم الموزون الذي شنه على توظيف العنف في الانتفاضة الحالية، ومسئولو وزارة الخارجية الاسرائيلية قد تحدثوا كثيرا للصحفيين عن ان ابومازن ليس الرجل الذي يفضلون التعامل معه فحسب بل انهم تلقوا تعليمات ايضا بعدم امتداحه كثيرا لئلا يسبب دعمهم لهم في دق اسفين بينه وبين الشارع الفلسطيني. ولم يتحدث الاسرائيليون عن ان ابومازن قد الف كتابا في السابق تحت عنوان «الجانب الآخر: العلاقة السرية بين النازية والحركة الصهيونية» وقال فيه ان عدد اليهود الذين قتلوا في المحرقة لم يكن ستة ملايين بل اقل من مليون. والاشارات الى هذا الكتاب قد اختفت مؤخرا من الموقع الالكتروني للحكومة الاسرائيلية. واتخذ محمود عباس موقفا دعائيا حين سئل عن هذا الكتاب قائلا: «حين كتبت الجانب الآخر كنا في حالة حرب مع اسرائيل، اما الآن فلن اتقدم بمثل هذه التعليقات». وربما تكون مشكلة ابومازن الاكبر هي انه لا يتمتع سوى بدعم قليل من جانب الفلسطينيين، فهذه الشخصية غير الكارزمية والرمادية التي لم تكن لها مشاركات في التجمعات السياسية او اي احاديث سياسية مع العامة ينظر اليها بتشكك في الاراضي المحتلة. والكثيرون قلقون من علاقات ابومازن الجيدة مع اسرائيل ويخشون من ان يكون قد حصل على هذا الدعم حتى يوقع على صفقة سلام تضع شروطها اسرائيل وحليفها الاميركي دون ان يحصلوا هم منها على شيء. يقول عبدالستار قاسم المحاضر في العلوم السياسية بجامعة النجاح في نابلس «الحكومة الفلسطينية الجديدة هي حكومة امنية لقمع الشعب الفلسطيني». لكن لا يزال من المنتظر معرفة ما اذا كان ابو مازن الذي قال ذات مرة ان «اسرائيل دولة تم تشكيلها لتهزم العرب كلهم في ثانية واحدة» سيكون شديد الانصياع للمطالب الاسرائيلية كما يخشى الفلسطينيون. فبخلاف عرفات الذي ولد في مصر فإن ابومازن ولد في خضم الصراع الاسرائيلي الفلسطيني ومسقط رأسه بلدة صفد الجبلية هي اليوم بلدة اسرائيلية بالكامل ومكان هاديء يقصده الفنانون، لكنها عام 1948 كانت موقع معركة دموية للسيطرة على فلسطين عقب انتهاء الانتداب البريطاني. في عام 1935 الذي ولد فيه ابومازن كانت صفد مدينة عربية فلسطينية وهناك تاريخ من الصراع بين اهلها وبين الاقلية اليهودية فيها. وفي قتال عام 1948 استولت الميليشيات اليهودية عليها، وهرب آلاف الفلسطينيين منها نتيجة الترهيب اليهودي لهم. وأولئك الذين لم يهربوا اجبروا على ذلك لاحقا. وانتهى الامر بعائلة ابومازن لاجئة في سوريا. وعلى الرغم من مظهره الحالي الذي يوحي بأنه ابن طبقة وسطى من المتعلمين، فإن سنواته الاولى التي قضاها في سوريا كانت صعبة. ففي سن 13 عاما ترك المدرسة للعمل سنتين من اجل اعالة اهله، ثم عاد الى المدرسة ومنها انتقل لدراسة الحقوق في جامعة دمشق ثم القاهرة. طريق عودته الى الاراضي المحتلة مر عبر 13 عاما من العمل في احدى الوزارات القطرية شارك خلالها في تأسيس قيادة في المنفى للفلسطينيين، وفي عام 1965 كان احد عناصر حركة فتح، وهي الفصيل الذي يقوده عرفات ولايزال يهيمن على منظمة التحرير الفلسطينية. من اكثر الملامح استدامة في حياة ابو مازن السياسية هي اصراره على عدم التخلي عن «حق العودة» للاجئين الفلسطينيين الذين اجبروا على الرحيل من فلسطين عام 1948 التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني حين اقامة اسرائيل، وربما يكون المطلب الفلسطيني الذي يقابله الاسرائيليون بأكثر قدر من المعارضة لخوفهم من ان عودة الفلسطينيين ستغير الواقع السكاني في اسرائيل ضدهم. وعنه يقول يوسي بيلين الذي عرفه جيداً على مدار السنوات الماضية: «أبو مازن لايزال الفلسطيني الوطني العلماني. وهو يقول في كل مكان انه لن يتخلى عن حلمه في العودة الى صفد حيث ولد، وهو يحاول تحقيق الاعتراف بما يعتبره حقاً فلسطينياً». وفي هذه النقطة يقترب الاختبار امام ابومازن فبينما كان العالم منشغلاً بالحرب على العراق، اعلن ارييل شارون ان على الفلسطينيين التخلي عن حق العودة كمطلب مسبق اذا ما ارادوا موافقة اسرائيل على خريطة الطريق. وهذا ليس المطلب الوحيد الذي ينتظره، فحكومة شارون تحدثت عن رغبتها في اجراء أكثر من 100 تغيير على خريطة الطريق، ويطالب الاسرائيليون ابو مازن بوقف العمليات الانتحارية وأعمال العنف قبل ان يقوموا بتنفيذ اي نقطة مطلوبة من جانبهم في خريطة الطريق، بما فيها انسحاب الجيش الاسرائيلي من المدن والقرى الفلسطينية التي عاد لاحتلالها. غير ان أبو مازن قد دأب على القول ان وقف العنف هو تكتيك، سيصب في الحقيقة في صالح الفلسطينيين، واذا ما عدنا الى هجومه المذكور على استخدام العنف خلال الانتفاضة لرأينا انه يدينه لاسباب تكتيكية وليس اخلاقية. وعن ذلك يقول: «العديدون حرفوا الانتفاضة عن مسارها الطبيعي ودفعوها باتجاه لا نستطيع التعامل معه، وهو اللجوء للسلاح. وما حدث خلال العامين الماضيين، كما نرى الآن، هو تدمير كل شيء بنيناه. وقال ابو مازن لقادة فتح انه يعتقد ان شارون سيفقد زعامته في غضون ثلاثة الى ستة شهور لو اتبع الفلسطينيون سياسة اللاعنف، وقد قال انه لا يعتقد ان شارون صادق في رغبته بتحقيق السلام وان التكتيك الافضل هو فضحه، واضاف: يجب ألا نسمح لشارون بأخذنا الى حيث يريد وهو مواجهة عسكرية، بل يجب ان نفرض جدول عملنا عليه ودفعه الى الموقف الذي لا يرغب به وهو المفاوضات. غير ان ابو مازن لن يضطر للتعامل مع شارون فحسب، بل ومع عدو شارون القديم وهو ياسر عرفات، وقد اصبح ابو مازن مسبقاً بالفعل على وشك الاستقالة من منصبه قبل البدء بممارسته نتيجة محاولة عرفات منعه من تعيين حكومة من اختياره وتحديداً تعيين محمد دحلان في منصب وزير الداخلية ليقوم بضبط المجاهدين. غير أن عرفات تراجع، كما اشيع، نتيجة تهديدات شديدة من الدبلوماسيين الغربيين ووافق على جعل دحلان وزيرا للداخلية. غير ان المراقبين الفلسطينيين يقولون ان هذا لن يكون أبداً نهاية المواجهة بين الرجلين. يقول البروفيسور قاسم من جامعة النجاح: «يستطيع عرفات جعل المجلس التشريعي الفلسطيني يرفض وزارة ابو مازن. ويستطيع دفع فتح للانقلاب عليه. ليس لأبي مازن أي شعبية في الشارع. وهو ليس رجلاً قوياً في المجلس التشريعي. ويستطيع عرفات معارضة كل قراراته بالتصويت على عدم الثقة». فوق كل ذلك، صحة ابو مازن ليست جيدة، وقد عولج في الخارج مؤخرا بسبب السرطان. وقد قال: «الطريقة الوحيدة للانتصار على اسرائيل هي ان نتحدث للعالم. ان نقول لهم كفاية. لقد ذبحنا. لقد دمرونا. هذه جريمة. يجب ان نتوقف. نريد السلام!». لكن مازلنا ننتظر لنرى ان كان سيستطيع وضع افكاره موضع التطبيق. عن «اندبندنت»