الجمعة 1 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 2 مايو 2003 قبل عشرة أعوام، اعتقد علماء الفلك انهم يعرفون كل ما هنالك من معلومات عن كوكب المريخ، ولم تكن تلك المعلومات بالشيء الكثير. فالكوكب الأحمر كان ميتا بنظرهم وليس فيه براكين نشطة ولا جيولوجيا مثيرة للاهتمام ولا مياه جارية ولا حياة. اما الآن، فان معرفتنا بالمريخ قد قبلت رأسا على عقب. فنحن نعرف ان جداول من الماء تنساب عبر السهول الحمراء. وان براكين المريخ العملاقة في وضع السبات وستثور مجددا في يوم من الايام. وتحير تعقيدات الطبقات الجيولوجية للمريخ اكثر علماء الارض تمرسا، وقد تشير الى ان الارض ليست كوكبا نموذجيا في الكون. وهناك سبب مقنع للاعتقاد بأن سكان المريخ أحياء وعلى خير ما يرام حتى وان كانوا مجرد جراثيم مجهرية. لقد انبهر الانسان على الدوام بالحياة على المريخ. فعندما اقترب من الارض في عام 1877، اعتقد الفلكي الايطالي جيوفاني شيابلريلي أنه شاهد خطوطا مستقيمة على سطح الكوكب. وقد اسماها بـ «القنوات». واعتبرها المستثمر المالي في بوسطن برسيفال لويل قنوات مصطنعة بنيت لجلب الماء من قطبي الكوكب المتجمدين الى صحاريه الجافة. وانطلقت فكرة وجود سكان أذكياء في المريخ مع صدور رواية «اتش جي ويلز» التي تحمل عنوان «حرب العوالم» وكذلك النسخ المتعددة للفيلم المأخوذ عنها والبرنامج الاذاعي الشهير في عام 1938 عندما أرعب اورسون ويليس سكان نيويورك. وفي عام 1924، وخلال اقتراب اخر من الكوكب الاحمر، اعتقد عاملو اللاسلكي انهم التقطوا اشارات ذكية مسلطة من المريخ الى الارض بشيفرة مورس! ولكن في الستينيات من القرن الماضي، كشفت اولى مسبارات الفضاء التي جرى ارسالها الى المريخ ان هذا هو عالم غير صالح للعيش، حيث ان غلافه الجوي الرقيق لا يوفر حماية كافية من الفضاء. وكان سطحه مملوءا بفوهات البراكين مما جعله يبدو مثل القمر اكثر مما يبدو مثل الارض. وكان متوسط درجة الحرارة يعادل 55 درجة مئوية تحت الصفر، وتلك درجة منخفضة جدا بحيث لا يمكن توقع وجود أي مياه سائلة أو أي شكل من اشكال الحياة التي نعرفها على الارض في ظل تلك الظروف. وفي الواقع ان المريخ بارد جدا لدرجة ان ربع هوائه الذي لا يمكن تنفسه يجمد في شتاء كل عام عند القطبين. وبوجود غلاف جوي خال من الاكسجين، فان المريخ يحتوي على ثقب اوزون باتساع الكوكب مما يعرض سطحه لاشعة الشمس فوق البنفسجية القاتلة. كشفت الرحلات المبكرة الى المريخ بعض المعلومات الجيولوجية المذهلة مثل وجود براكين اكبر من نظيراتها على الارض ونظام جروف يمكن ان يستوعب جبال الالب بداخله ومجاري انهار جافة توحي بأن المريخ ربما كان دافئا ورطبا في يوم من الأيام. ولكن جميع الآمال بالعثور على اشكال للحياة على المريخ تلاشت عندما أنزلت ناسا مسبارين من طراز فليكنغ على المريخ في عام 1976 وكانت النتائج التي حصلا عليها سلبية. بدأت الأمور تنقلب مجددا بعد 20 عاما، عندما اعلن فريق اخر في ناسا ـ وفي هوجة اعلامية ـ انهم وجدوا بكتيريا متحجرة داخل نيزك من المريخ. ولا يزال هذا الاكتشاف محل جدل، ولكنه كان نقطة الانطلاق لاهتمام دولي باحتمال وجود الحياة على المريخ. وفي هذه الاثناء، اكتشف علماء البيولوجيا ان البكتيريا على الارض يمكنها ان تتأقلم مع تنوع هائل من البيئات الصعبة. فالميكروبات يمكنها ان تعيش في ظل درجات حرارة تصل الى 113 درجة مئوية في الينابيع شديدة الحرارة، ويمكنها ان تبقى على قيد الحياة في برك ماء اكثر حموضة من بطارية السيارة او مليئة بالمواد الكيماوية السامة، ويمكن للبكتيريا ان تعيش في شقوق بقشرة الارض، ويمكن لاحد انواعها ان يعيش بسهولة في البيئة الاشعاعية لمفاعل نووي، وهذه جميعها لن تواجه مشكلة مع ثقب الاوزون في المريخ. والأمر الاكثر صلة بالمريخ هو ان بعض الباحثين اكتشفوا نوعا من البكتيريا في قارة انتاركتيكا يمكنه ان يزدهر ويتكاثر في درجات حرارة تقل كثيرا عن درجة التجمد. وبالاضافة الى ذلك، فقد بدأت الرحلات الجديدة الى المريخ تكشف عن غير المتوقع. فقد حظيت مركبة باثفايندر وعربتها سوجورنر بالكثير من الدعاية الاعلامية، ولكن المعلومات العلمية الجديدة كان مصدرها بشكل اساسي مركبة «مارس غلوبال سيرفيور» التي تدور حول الكوكب. فقد كشفت كاميراتها وجود حمم جديدة على براكين المريخ مما يوحي بأنها لا تزال نشطة. والأمر الأكثر ايهارا هو ان المركبة وجدت علامات على وجود الماء السائل على المريخ مثل الاخاديد التي جرت المياه عليها منذ فترة قريبة وقيعان بحيرات قد لا تزال رطبة في بعض الاحيان. وربما تحتوي تلك البحيرات على مادة طبيعية مضادة للتجمد بصورة مشابهة للبحيرات في انتاركتيكا التي تكون في حالة السيولة عند درجة حرارة 50 مئوية تحت الصفر. سيكون المريخ هذا الصيف وجهة لثلاثة مسبارات فضائية جديدة، فستهبط مركبتان لاستكشاف المريخ تابعتان لناسا في بداية عام 2004 لكي تقوما بفحص تركيبة الصخور وا لبحث عن المياه المتجمدة فيها. وستهبط احداهما في فوهة جوسيف، وهي عبارة عن قاع بحيرة قد يذوب أحيانا. وفي غضون ذلك، سيفوم مسبار الفضاء مارس اكسبرس التابع لوكالة الفضاء الأوروبية والذي بحمل قطع غيار من بعثة المريخ 96 الروسية ـ الأوروبية صاحبة المصير المشئوم ـ سيقوم بالدوران حول المريخ باحثا عن الماء من أعلى. وسيبحث كذلك عن الصخور الترسبية التي كونها الماء في الماضي والتي يمكن ان تكون مخزنا للمستحاثات المريخية وسيقوم ايضا بمراقبة طقس المريخ. وسيقوم مارس اكسبرس بانزال مركبة الهبوط البريطانية «بيغل 2» التي ستهبط على سطح المريخ وتبحث عن دلائل على وجود الحياة في الماضي والحاضر. ويعتقد كثير من العلماء بأنه لابد من وجود حياة على المريخ حتى وان كانت تلك الاشكال الحياتية منحدرة من ميكروبات ارضية حملت الى هناك على متن النيازك. ضرار عمير