الثلاثاء 27 صفر 1424 هـ الموافق 29 ابريل 2003 الجميع يحب قناة الجزيرة، فعلى الرغم من قيام الاميركيين بقصفها (في بغداد وقبل ذلك في كابول) الا اننا نحن الاميركيين نحبها، لقد كان هناك ثلاثة مراسلين من مكتب الجزيرة الصغير الواقع بالمركز الاعلامي التابع للقيادة المركزية الاميركية بالدوحة، الاول مغربي يميل الى التأمل والتفكير بشكل عميق، والثاني سوداني دمث الخلق، والثالث لبناني متقد النشاط، وفي احد الايام بعد المؤتمر الصحافي الذي يعقد في الثالثة عصرا بتوقيت الدوحة جلس الثلاثة في مكتبهم يشربون الاسبرايت، في حين كان الصحافيون الآخرون يقفون على باب المكتب على استحياء. ولقد كانت الغرفة تبدو كالمهجع الذي يقيم به الطلبة الذين يسكنون في المدن الجامعية وجاءت الجلسة التي تشهد مناقشات ارتجالية بين رجال الصحافة في مركز القيادة، وكان الجميع يسعون للتقرب من رجال الجزيرة، الذين كانوا بدورهم جالسين بثقة يحتسون زجاجات الاسبرايت غير آبهين، كما يتضح من ردود افعالهم، بكل ما يقال عنهم من قبل البنتاغون (وبورصة نيويورك الذي قامت بشكل غريب بمنع مراسل الجزيرة من تقديم فقرته الاخبارية من مقر البورصة) حول الصدمة التي احدثتها تلك الصور التي عرضتها قناة الجزيرة للجثث وحمامات الدم والاسرى الاميركيين. وكان الرد المشترك لهؤلاء الثلاثة على ما يتم توجيهه اليهم من نقد هو: منذ متى تخضع شبكة تلفزيونية لاتفاقية جنيف الخاصة بأسرى الحرب؟ لقد كان هؤلاء الصحافيون بمثابة طلبة فلسفة واعين يعلمون ما يفعلون منسجمين مع انفسهم ويقومون بثقة بتحويل دفة المناقشة حول الصحافة الحرة لصالحهم. والاكثر من ذلك، فان الجزيرة التي تعتبر نتاجا غريبا آخر من الافرازات الغريبة لدولة قطر، كانت تتمتع بميزة انتمائها للدولة المضيفة للحدث. ولذلك فانه بينما كانت وسائل الاعلام الاميركية موجودة هنا في هذه القاعدة العسكرية الاميركية، وفي الوقت الذي كان رد الفعل الاول للجميع يتمثل في «لماذا يوجد هؤلاء هنا؟» فعلى الرغم من كل شيء فهم تقريبا من الاعداء ـ فقد اتضح بعد فترة وجيزة ان الجزيرة بشكل او بأخر هي الجهة المستضيفة للحدث وان دولتها هي الدولة التي نقوم بغزوها (فمراسلو الجزيرة كانوا مترجمين كرماء للصحافيين ورجال الاعلام غير الناطقين بالعربية). ولا يبدو رجال الجزيرة في الواقع كالعرب في مظهرهم الخارجي، او على الاقل ليسوا مثل القطريين فيما يرتدونه من ملابس فضفاضة، فرجال الجزيرة (واحيانا نساؤها) يتسمون بأناقة المظهر والجاذبية بشكل كبير للغاية فقد كان عمر العيساوي، المراسل اللبناني للجزيرة، محط انظار الجميع في مركز القيادة، حيث كان الصحافيون يرسلون تقارير كثيرة بشأن اناقة ملابسه وفخامتها ولكن، بالطبع، الامر الذي جذب حب رجال الاعلام للجزيرة كان يتمثل في كونها محطة الحرب الاكثر تميزا. فواقع الامر يشير الى انه بينما تبعت نتيجة حرب الخليج الثالثة غير اكيدة، فان الامر الواضح، بجانب اسقاط نظام صدام حسين، هو ان قناة الجزيرة سيعلو شأنها بشكل كبير وكبير للغاية لدرجة تؤثر على صحافيي الجزيرة انفسهم، فالقناة حاليا تمر بفترة تحول بالطريقة نفسها التي حولت بها حرب تحرير الكويت قناة سي ان ان، غير ان مشاهدي سي ان ان بعد الحرب لم يتعدوا ملايين قليلة في حين ان الجزيرة يشاهدها حوالي 35 مليونا كل يوم. لقد قلت للمراسلين الثلاثة انه «مع انتهاء الحرب ستكونون اكبر شبكة اعلامية في المنطقة، وستكونون من ضمن اكبر الشبكات الاعلامية في العالم». ومن الواضح انهم يعلمون ذلك ولكن فيما يبدو لا يودون الافصاح عن الامر بدافع التواضع، وقلت لهم انني اعنى ان «الامر يمكن ان ينتهى بكم وانتم اصبحتم «تايم وارنر الجزيرة». فرد عمر قائلا: «الجزيرة تايم وارنر». فعلا من الصعب ان يتم بدقة وصف مستوى حمام الدم الذي يتم عرضه في كل نشرة من نشرات الجزيرة فحجم اراقة الدم الذي يظهر خلال هذه النشرات يصيب المرء بالذهول والشلل، ولا يوجد قطع لاي مشهد، فهم يستمرون على عرض المشاهد لتحقيق اقوى اثر لها فالامر بالفعل اكثر ترويعا من اي شيء تم عرضه على شاشات التلفاز من قبل. «ما هذه الاشياء التي يتم عرضها؟» هكذا جاء سؤال الضابط الانجليزي الذي كنت اشاهد بجانبه قناة الجزيرة في احد الايام، لقد كنا نحاول فك طلاسم الصور التي يجرى التعليق عليها ووصف ما بها بالعربية، فقد ظهر رجل يبكى في احدى الصور وهو يمسك بشيء ما في حجم كف اليد بني اللون مثل القوقعة وقال الضابط بجانبي: «اخشى يا سيدى ان ما يمسكه الرجل هو جمجمة ابنه!». ان هذه الصور والمشاهد المرعبة، في رأي الاسرائيليين، كانت احد اسباب التحريض الرئيسية اثناء الانتفاضة الفلسطينية الاخيرة وما حدث من اعادة احتلال للضفة الغربية ويرى الكثيرون انه ليس بالمصادفة ان تتأجح احداث الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين في اعقاب اطلاق قناة الجزيرة عام 1996. فبينما لم تكن شبكات التلفزيون الحكومية في الدول العربية أقل في تأييدها للفلسطينيين وتحاملها على الاسرائيليين، فإن الأمر في النهاية معروف ان هذه شبكات حكومية تأتي بأشخاص بيروقراطيين معروف توجهاتهم ويعلم الناس ما سيتحدثون به بشكل مسبق. ولكن الجزيرة، كونها من المقام الأول صاحبة امتياز تجاري خاص كانت قادرة على إعادة تأجيج الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي بما كانت تعرضه من مشاهد دموية من الحرب إلى الناس. ويبدو مراسلو الجزيرة مرتبكين بعض الشيء مما وصلت اليه شبكتهم من مرتبة فاقت الجميع. وهم في هذا الصدد لا يختلفون عن المراسلين الاميركيين الذين يبدون معظم الوقت في حيرة من امر شبكاتهم. يقول حسن رشيدي احد مراسلي الجزيرة السودانيين، وهو يهز كتفيه: «واجبنا ان نتحدث الى مشاهدينا». وفي الواقع فإن الطريقة التي تتحدث بها الجزيرة إلى مشاهديها بالفعل ممتازة. فالجزيرة اصبحت عملياً تمثل الشارع العربي. ففي احدى جولاتي في شوارع الدوحة انتهى بي الأمر إلى قهوة يتناول فيها عشرات من المواطنين العرب الشيشة وينظرون إلى شاشة التلفزيون متابعين نشرة المساء على قناة الجزيرة. والشيء الذي دوماً تسمعه هنا هو ان الأمر عبارة عن «وسيلة دعائية». ولكن الأمر بالفعل عكس ذلك، فلا احد يمكن اطعامه قسراً. فما يحدث هو ان المشاهدين يحصلون على ما يريدون. فالأمر يخضع للتقويمات. الاعلام بدلاً من الامور الايديولوجية. والمال بدلاً من الدماء. أو المال من خلال الدماء. ويأتي هذا الأمر منسجماً مع التوجهات القطرية فبينما تمر معظم بلدان الشرق الأوسط بحالة تدهور اقتصادي، تبدو قطر الغنية بالبترول وبما تحتويه من ثروات ضخمة يمتلكها مواطنوها. فشوارع الدوحة مرصعة بمبان وفنادق تم بناؤها حديثاً منشغلة في التحضير والاعداد للفترة التي سينفد فيها النفط. فتقريباً كل من تقابله في قطر يقول لك تاريخ ما يعتقد هو انه سيشهد نفاد النفط والغاز الطبيعي في البلاد في المستقبل. ويقول الناس دائماً ان هناك أمراً ما غريباً بشأن الجزيرة، فهي ليست كما تبدو وان مصدرها يحوم حوله الشك بدرجة لا تقل عن الشك الذي يحيط بمهمتها ورسالتها. ومن بين هؤلاء الذين يخالجهم هذا الشعور يأتي الاسرائيليون الذين يعتقدون ان القناة هي اكبر وسيلة اعلامية تخاطب العرب، وكذلك العرب الذين يؤكدون على اقتناعهم بأن القناة تمولها كل من السي أي إيه والموساد وشركة كارليل غروب الاميركية. وحتى الشبكات الاميركية تتساءل ما اذا كانت الجزيرة، التي حققت نجاحات ضخمة في اقتحام دهاليز الحرب وتغطيتها، تتمتع ببعض العلاقات المميزة مع الحكومة الاميركية ام لا. وقد التقيت في فندق ريتز بالدوحة جهاد علي بلوط رئيس قسم التسويق والعلاقات العامة بقناة الجزيرة. وكان في السابق يعمل مع مجموعة فيليب موريس للتبغ وبلوط يعرفه كل من يعمل في مجال الصحافة الأميركية ويُعتقد بشكل عام انه من اكثر الرجال تأنقاً في الدوحة ويعرف بملابسه المميزة المتأنقة. والآن يمكن القول انه جزء من مؤامرة دعائية كبيرة، ولكن هناك شيء ما من شخصيته مرتبط بالجشع التجاري شيء ما مرتبط مهنياً بنفسه، شيء ما يوحي بأنه هو ـ والجزيرة ـ يركزان على التلفزيون اكثر من السياسة. فخطة العمل التي صممها بلوط دقيقة للغاية وتقوم على الانتشار والسيطرة اعلامياً على المنطقة ثم، عن طريق البث باللغة الانجليزية والشركات الدولية الاخرى توسيع الانتشار في مختلف انحاء العالم. وحتى الآن كما يقول بلوط تم تأسيس القناة على أساس استثمارات وطنية بلغت 15 مليون دولار «بالطبع الكتب التي تعرضها الجزيرة ليست مجانية». وقامت الخطة على اساس ان القناة تمول نفسها خلال خمسة اعوام. يقول بلوط «نحن تقريباً نحقق هذا الهدف. فهناك حصار اقتصادي تفرضه القوى الاقليمية اقنع المعلنين الكبار بأن يستغلوا الاقل قدرة على النمو». وهذا هو قلب المسألة. فالجزيرة اذا ارادت ان تكون صناعة اعلامية مربحة، فإنها تحتاج اعلانات، الأمر الذي يمثل مشكلة في منطقة من العالم تسيطر فيها الحكومات على الاعمال والصفقات. لماذا تريد ان تُدعم قوة شخص اخر من الخارج؟ إلا ان بلوط بشير إلى اطروحة فريدة من نوعها وتمتع بقدر كبير من الجاذبية. يقول: «ان حاملي الاسهم من شركات المنطقة بدأوا يدركون انهم يفقدون الفرص. فأنت عليك ان تذهب حيثما وُجد العميل. «بصرف النظر عن قدر الدموية التي يحتوي عليها العرض». وليس من الصعب ان يخلص المرء هنا إلى ان العراق الجديد، بما سيحويه من برامج تنموية ورؤوس اموال ضخمة لاعادة التعمير ومشروعات غربية حرة، سوف يفيد كل من قضية التعبير الحر وحظوظ الجزيرة. وبينما يبدو صحافيو الجزيرة في اعين الصحافيين الاميركيين ابطالاً، فإن الأمر في النهاية يمكن حسمه بالقول بأن فظائع الحرب لا يتم اخفاؤها ـ فأنت ليس عليك ان تنظر بقرب شديد لتجد ان القناة تسكن الجانب البعيد من القمر وتكون مسئولة بالدرجة نفسها التي يكون أي فرد آخر مسئول بها عن ابتعاد المنطقة عن الواقع. ففي أواخر الخريف الماضي، على سبيل المثال، ظهر الدكتور دافيد ديوك من مجموعة كوكلوكس كلان في برنامج «بلا حدود» على قناة الجزيرة وهو يقول ويعضد اقواله بالوثائق ان الموساد كان على علم بخطط تدمير مركز التجارة العالمي وحذر الاسرائيليين وأمرهم بالابتعاد عن موقع الحدث قبل ان تصطدم الطائرات بالمبنى. ولقد اخبرني بهذا الأمر احد كبار المسئولين في منظمة يهودية اميركية كان مهتماً بشكل أو بآخر بالهجوم الكبير الذي شنته وسائل الإعلام الأميركية على قناة الجزيرة. واراد مني ان اجد «دليلاً آخر عن الطبيعة الماكرة التي تقوم عليها قناة الجزيرة» على حد تعبيره. وهو على صواب، بالطبع، في تفكيره. فكلما ابدعت الجزيرة في عملها، كلما استشاط العرب غضباً. وكلما ازدادت حرية الجزيرة، كلما زاد حجم الدم الذي تعرضه. وكلما زاد استعداؤها للولايات المتحدة وإسرائيل، كلما زاد التقدير الذي تحظى به. ولكن هل الأمر يتعلق بطبيعة قائمة على المكر والغدر أم ان هذا هو عمل التلفاز؟ فديوك على الرغم من كل شيء، كما قلت للمسئول اليهودي الذي اغضبه قولي، يعد نتاجاً من نتاجات التلفزيون الأميركي. فالتلفزيون دائماً يركز على العنف. ففعلاً لا تعد الجزيرة جهازا اعلاميا تلفزيونيا بالطريقة الأميركية. ولكن أهم وظيفة يمكن ان تقوم بها كي تستمر وتزدهر هي ان تعمل على جعل العرب الغاضبين مستهلكين متحمسين لمتابعتها بما تعرضه من اخبار تناسب توجه هؤلاء. فالأمر معروف وكان متوقعاً بشكل مسبق. فواقع الأمر يشير إلى ان الجزيرة مثل الكثير من الاشياء في المنطقة، آخذة في ان تصبح جزءاً من آلة الأمركة. واذا لم تصبح كذلك، فإنه لن تكون هي المرة الأولى التي نغالي فيها من تقدير قوة الفكرة الأميركية ونقابل وحشاً لا يمكن ترويضه. ترجمة: حاتم حسين _ عن «جارديان»