الخميس 22 صفر 1424 هـ الموافق 24 ابريل 2003 قد تكون اليابان من النماذج الفريدة أو ربما الوحيدة على الصعيد العالمي التي استطاعت في زمن قياسي، وفي أعقاب حرب منيت بها شر هزيمة، ان تثب الى مصاف الدول المتقدمة تكنولوجياً وعلى نحو أدهش العالم أجمع. فبعد ان تكبدت خسائر هائلة بشرية أو اقتصادية، بدا للجميع ان هذه الدولة الرازحة تحت أشد آثار الهزائم تدميراً ستغيب عن الساحة الدولية عقوداً من الزمن أو ربما لن تعود أبداً. وعلى النقيض من كل التوقعات وما يفرضه المنطق العام فقد وثبت تلك الدولة بشكل مدهش، فغدت في طليعة الدول المتقدمة صناعياً في فترة قياسية جداً، ولينهض اقتصادها بشكل سريع وهائل، حتى بدا للجميع ان هزيمة الحرب العالمية الثانية ومخلفاتها ربما كانت العامل الرئيسي والمحفز الأول لمثل هذه النهضة الشاملة. والكتاب الذي نناقشه هنا يسلط الضوء على أهم مراحل التاريخ الياباني، اذ ان تلك الفترة، على الرغم من كونها قصيرة نسبيا بالمقارنة مع نطاق التحولات الكبيرة التي شهدتها تلك الدولة، تعج بالكثير من التجارب والارهاصات السياسية التي غيرت نمط وأسلوب السياسة اليابانية من طروحات مستبدة لحكم صارم ومن دولة همها الوحيد الفتوحات والتوسعات على حساب الغير الى دولة ذات توجهات اقتصادية وسياسية منفتحة ومسالمة. ويقع الكتاب في سبعة فصول، تتحدث جميعها عن تاريخ اليابان المعاصر، بدءاً من انفتاح هذه الدولة على العالم الخارجي (أوروبا وأميركا) لتدشين علاقات تجارية واقتصادية وعسكرية وسياسية في عهد الامبراطور ميجي، الذي يراه الكثير من المؤرخين مؤسس اليابان الحديثة، ومن ثم دورها على الساحة العالمية واتساع نفوذها في القارة الأسيوية والعالم ومشاركتها في الحرب العالمية الثانية التي شكلت منعطفا حاسما في تاريخها، ومن ثم تاريخ موجز لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وشكلت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تحولاً كبيراً، اذ سرعان ما عادت هذه الدولة الى حظيرة المجتمع الدولي وفرضت نفسها بقوة على الساحة الاقتصادية، وعادت بعلاقاتها مع مختلف دول العالم. السفن السوداء يقول المؤلف ان الكوماندور ماثيو بيري عندما أبحر في 8 يوليو 1853 مع أربع من سفن ضخمة سوداء محملة بالأسلحة الى مضيق ايدو لفتح الموانئ اليابانية أمام السفن الأميركية، شعر بخيبة أمل كبيرة لم يكن يتوقعها اذ ظن ان الشعب الياباني كان شعباً جاهلاً بحكم موقع بلاده الجغرافي. فهذه الدولة قد كانت منعزلة لأكثر من قرنين عن العالم الخارجي وعمد حكامها، الذين يخشون التدخل الأجنبي والتأثير الديني المسيحي، الى طرد الكثير من الأجانب والرهبان والمبشرين بالمسيحية، في حين واجه كل من يعارض هؤلاء الحكام عقوبة الموت. وفي المقابل استمرت العمليات التجارية بين اليابان وكل من كوريا والصين في حين اختزلت مثل هذه العلاقات مع الدول الغربية، ومنذ العام 1630 على علاقات محدودة مع الأِشخاص وليس الدول، كما حصل مع بعض التجار الدانماركيين، حيث كانت العلاقة التجارية التي ربطتهم مع اليابانيين من خلال جزيرة صغيرة للغاية على شواطئ مدينة ناجازاكي. كثير من اليابانيين وكذلك المؤرخين يرون في 11 فبراير 1899 تاريخا مهماً في ارساء عصر الحضارة والتنوير في العهد الياباني.ففي هذا اليوم تم وضع اللبنة الأولى للخط الملكي الياباني، فضلا عن احتلال اليابان مكانا ضمن دول العالم الكبيرة.ودشنت اليابان في تلك الفترة التي تلت عصر الاقطاعية أول دستور ليكون علامة لمرحلة الحضارة والتنوير، وهو الشعار العظيم لعهد الامبراطور ميجي. وكان هنالك أيضا شعار آخر،سأمة ثرية جيش قوي س، وهو لا يقل أهمية عن الشعار الأول الذي يسلط الضوء على الرؤية العميقة التي شاء الامبراطور الطامح لها ان تحصل في القادم من الزمن،سيما ان هذا الشعار يؤكد على دور الدولة والجيش في لعب دور بارز على ساحة الأحداث العالمية.ورافق اصدار الدستور الياباني الأول مراسيم رائعة تتسم، كما يصفها المؤلف، بشيزوفرينيا الثقافة الخاصة اليابانية في عهد ميجي. ثم يتحدث المؤلف عن هذا الدستور ويقول انه أجاز للانتخابات البرلمانية من دون ان تكون للأحزاب السياسية أي رأي في اختيار وزراء الحكومة،اذ لم يسمح الا لفئة قليلة من السكان الذين يشكلون الأثرياء من أصحاب الأراضي بحرية الاقتراع وهكذا كانت الديمقراطية اليابانية،كما ينعتها المؤلف، أشبه بطفل مريض منذ البداية طالما كان الدستور خليطا من الطابع المستبد التقليدي الألماني والياباني.والاهم من ذلك كله انه اتسم بالغموض اذ ان الامبراطور، وعلى الرغم من تمتعه بالسلطة المطلقة لم يكن ممارسا حقيقيا للعملية السياسية وكان قد ترك الشئون السياسية البسيطة والروتينية بيد غيره، من هنا لم يكن هذا الامبراطور في نظر التفكير الأوروبي ديكتاتورا. ويقارن الكاتب بين اليابان في عهد الامبراطور ميجي وبين الصين في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بالقول ان الاصلاحات الاقتصادية لم ترافقها اية اصلاحات على الصعيد السياسي، فالفلاحون باتوا يملكون أراضيهم، وسمح للناس بشراء العقارات وتم الغاء بعض الشركات المحتكرة لصالح الشركات او المؤسسات الحرة على الرغم من ان هذه المؤسسات كانت تخضع على الدوام لتأثير وتدخل الدولة. ومن جانب آخر يرى المؤلف ان الامبراطور ميجي كان يقصد من شعاره الثاني (بلد ثري وجيش قوي ) ان يبني بلدا قويا وليس بلدا ثريا، مما يعني دعم الحكومة لبعض الصناعات وقطاعات العمل التي يحتاجها الجيش. وهكذا شهدت اليابان أول نمو صناعي حقيقي لتأتي بعد بريطانيا والمانيا في تحقيق الثورة الصناعية. ولان القليل من الناس كانوا قادرين على المجازفة بالشروع بمشروعات حديثة، تركز الكثير من ثروة اليابان الصناعية في شركات قليلة أصبحت فيما بعد منشآت صناعية ضخمة فتحولت مثلا شركة ميتسوي من مخزن ألبسة في مدينة ايدو الى مجموعة ضخمة من الشركات التي تزاول أعمالها في البنوك والشركات التجارية ومناجم الفحم والمنشآت الكيماوية وغيرها من الصناعات الأخرى. ومن بين الشركات الأخرى التي ضربت فيما بعد مثلا بارزا على النمو الاقتصادي شركة ميتسوبيشي اليابانية التي بدأت كشركة شحن صغيرة، أصبحت في الثلاثينيات من القرن الماضي احدى اكبر الشركات في العالم، ويشير المؤلف الى ان اليابان في عهد ميجي باتت دولة حديثة اقتصادياً، مع ان الحكومة ظلت حكرا على مجموعة محدودة من أعضاء السوماري القدماء من الجنوب الغربي. في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى نظر اليابانيون الى فترة العشرينيات كأفضل الفترات اذ وفرت لهذه الدولة الكثير من الامكانيات والفرص على حساب بقية الدول الأوروبية وغيرها التي عصفت بها الحرب العالمية الأولى المدمرة. واذ أهدرت تلك الدول مواردها وقضت على الملايين من شبابها في أتون تلك المحرقة، عمدت اليابان الى بناء السفن وتصدير الملابس وانتاج المكائن الصناعية والقاطرات وزودت الدول الأوروبية بالذخائر والمعدات العسكرية، وعند نهاية الحرب انتعش الاقتصاد الياباني كثيراً، وبرزت بعض الشركات مثل ميتسوبيشي على قائمة كبرى الشركات العالمية، في حين كان هنالك عدد لا حصر له من الورش الصغيرة. وفضلا عن ذلك استطاعت اليابان الظفر ببعض غنائم الحرب، اذ أنها وسعت من امبراطوريتها بالفوز بالممتلكات الألمانية في الصين وجنوب الباسيفيك عندما انخرطت اليابان في صفوف الحلفاء مع نهاية الحرب. ومن ابرز الأحداث التاريخية في تلك الفترة بالنسبة لليابان هي حادث منشوريا الذي يربطه المؤلف بالكثير من الأحداث التالية مثل حادثة الصين في عام 1937 وحادثة بيرل هاربر. فقد تحكم الجيش الياباني في المنطقة الممتدة على طول خط جنوب منشوريا الحديدي الذي كان يشتمل على العديد من المدن الرئيسية مثل هاربن وموكدن في الوقت الذي كانت المدن الواقعة على مينائي داليان وبورت ارثر تحت الادارة اليابانية المباشرة. ولكن كان الجيش الياباني لا يشعر بالاستقرار ويريد الكثير في حين ان موجة التباطؤ والركود التي أصابت العالم كله قد أثرت في اليابان كثيرا فتناما شعور مناوئ للرأسمالية لدى الكثير من الضباط الشباب. وعندما حصلت الحرب فرضت اليابان نفوذها على تلك الدولة، فظلت لفترة طويلة تحت حكم اليابان. الحرب على الغرب يشير المؤلف الى ان الامبراطور الياباني وحاشيته قد شعروا بالكثير من الغبطة والبهجة عندما أجهزت الطوربيدات اليابانية والطائرات الانقضاضية على الجزء الكبير من الأسطول الأميركي المرابط في ميناء بيرل هاربر في 7 ديسمبر. فقد كان الامبراطور الياباني متشحا بزته العسكرية في لحظة الهجوم وذا مزاج رائق للغاية وهذا الشعور كان مختلفا في البداية لدى عامة الشعب الذين كانوا يرون فيها اختلافا كبيرا وتباينا شاسعا عن الحرب التي خاضوها ضد الصين، خاصة اذا ما أخذنا في الاعتبار الاختلاف الشاسع بين قوة الصين العسكرية التي يعلم اليابانيون بتفاصيلها بفضل الحروب المتكررة معها وبين قوة أميركا وبريطانيا مجتمعتين. ولكن مثل هذه المخاوف تبددت بسرعة عندما حققت اليابان سلسلة من الانتصارات المتكررة والمتتالية، وفي الحقيقة تحول هذا الخوف بدوره الى بهجة وكبرياء فضلا عن ان الشعور بالدونية الذي يراود الناس الملونين بالمجتمع المتخلف تجاه الشعوب البيضاء في العالم المتطور قد اختفى في خضم تلك الضربة. وعبر الكثير من الكتاب اليابانيين عما حدث في بيرل هاربر بأنها المرة الأولى في التاريخ التي يراود فيها اليابانيين شعور بالكبرياء كشعب كامل. ويرد المؤلف دخول اليابان في تلك الحرب الى أسباب تتعلق بتفكير كبار الساسة اليابانيين وانحراف عن الخط السياسي الذي انتهجه وأرسى لبناته الامبراطور ميجي. فطوكيو في تلك الفترة كانت ذات طابع غربي شديد ومكانا يشبه الدول الغربية الجميلة ومارس الناس لعبة البيسبول. ودأب الكثيرون على مشاهدة أفلام هوليوود والاستماع الى الموسيقى الغربية الكلاسيكية والحديثة. وبعبارة أخرى ما حصل في اليابان في الفترة ما بين 1941- 1945كان تصفية للثقافة الانغلوسكسونية التي اعجب بها اليابانيون منذ فترة النهضة التي قام بها ميجي، من هنا كان الدخول الى الحرب أشبه بمجابهة الأفكار التحررية. وهكذا حُلت الأحزاب السياسية في عام 1940 وحلت محلها مؤسسة مساعدة الحكم الامبراطوري التي تم تصميمها لجعل اكثر من مليون قلب تنبض كقلب واحد بدءا برؤساء الأركان وانتهاء بأصغر الفلاحين في المناطق النائية. وحتى في ظل وجود الانتخابات فقد كان المرشحون تقريبا من الوطنيين المتعصبين الذين تعتمد عليهم الحكومة وكانت جميع المؤسسات بدءا من المدارس الابتدائية الصغيرة تخضع لصيغة متطرفة مفروضة تتمثل بتبجيل وعبادة الامبراطور، لذلك كان مجرد ذكر الامبراطور يبعث الناس الى توجيه انتباههم والاصغاء الى ما كان يجري. وعلاوة على ذلك تحولت الروح اليابانية الى ثقافة شبه دينية وتعلم الناس بان نكران الذات والتحمل والتضحية كانت من بين الفضائل التي يتسم بها الشعب الياباني بشكل فريد دون غيره من الشعوب، مما جعل الكثير من الأفلام تتمحور حول معاناة الحروب ومشقاتها. ووفقا لما يذهب اليه المؤلف، فإن النقاء العرقي كان شطرا من الدعاية الحربية في اليابان، كما حصل في ألمانيا، على الرغم من ان هذه الدعاية لم تخلف وراءها نتائج تطهيرية في اليابان بالشكل الذي حصل في ألمانيا. وفي الحقيقة فإن ألمانيا التي دخلت الحرب الثانية بأسباب توسعية هيمنت على فكر هتلر (وليست لمجرد تطهير وتصفية اليهود، كما يقترح الكاتب )، خاضت اليابان وهمها الوحيد تلقين قوى الشر في نظرهم الانغلوسكسوني المتمثلة بشخصي تشرشل وروزفلت. وعلى الرغم من سلسلة الانتصارات الخاطفة والروح القتالية العالية التي أظهرها اليابانيون، فإن كفة التوازن قد مالت لصالح الولايات المتحدة بعد العام 1940 حيث أخذت أميركا تقترب من الأراضي اليابانية شيئا فشيئا. وحتى في ظل التوجه للمجهود الحربي واصطفاف كافة مفاصل الدولة من المؤسسات والمنشئات ومراكز الخدمات والأحزاب السياسية فإن النتيجة كانت واحدة كما بدت للجميع، ان اليابان ستخسر الحرب لا محالة ولن تتفوق على قوة الحلفاء، وخاصة أميركا. فقد كانت الولايات المتحدة قادرة على انتاج عدد اكبر من الطائرات والسفن والمعدات الأخرى بنحو أسرع واكثر كفاءة. والاهم من ذلك كله كانت اليابان بحاجة الى اعداد اضافية من الجنود، مما يعني انسحاب قطاعاتها العسكرية الموجودة في بعض الأقاليم التي كانت تحتلها، مثل الصين، اذ كان من المستحيل لليابان الدفاع عن مواضعها في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي. وبمرور الحرب بدأ كل شئ ينفد من اليابان: النفط، الطائرات المقاتلة والطعام، وكل ما تبقى لها هو الناس الذين تناقصت أعدادهم بعد قصف المدن اليابانية. وكانت الهجمات الانتحارية تضحية يتحتم على جميع اليابانيين القيام بها قبيل ان يأسرهم العدو. وتطلب هذا الأمر أيضا بحلول عام 1944 تنفيذ المدنيين مثل هذه العمليات، خاصة بعد ان أدرك القادة اليابانيون بان الانتصار لن يحصل من خلال حرب تقليدية حتى لو تطلب الأمر هلاك الشعب كله. وهكذا عندما وطأ الأميركيون جزيرة سيبان أجبرت النساء والأطفال على القفز من صخور جبلية عالية وقضاء اكثر من 170 ألف من المدنيين نحبهم في اوكيناوا. والقي بآلاف المدنيين الى خطوط القتال الأولى لتوفير غطاء بشري للمقاتلين اليابانيين. وفي الحقيقة فإن الشخص الوحيد القادر على وقف مثل هذه الحرب هو الامبراطور نفسه الذي رفض مرارا وقف اطلاق النار والاستسلام غير المشروط طالما رفضت أميركا اعطاءه أي تعهد بالمحافظة على كرسي الحكم. وهكذا ما لبث الامبراطور ان دفع ثمنا باهظا للغاية بعد ذلك عندما أطلقت القنابل النووية على بعض المدن اليابانية وقضى مئات الألوف من اليابانيين نحبهم لتخسر اليابان تلك الحرب المجنونة وتذهب معها المطامح الاستعمارية أدراج الرياح مرة والى الأبد. ما بعد الحرب يتحدث المؤلف في الفصول الأخيرة عن السياسة اليابانية في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وعن التغير الكبير في علاقاتها مع العالم خاصة مع الولايات المتحدة التي خاضت معها حربا طاحنة وما رافقها من تفاصيل وأحداث كبيرة يعرفها الجميع. فقد كان القائد الأميركي ماك ارثر يصر على ان تكون اليابان سويسرا المحيط الهادي، وان تكون القوات اليابانية مجرد قوات للدفاع الوطني من دون ان يكون لها أي دور على الساحة العالمية السياسية، خاصة لو علمنا ان أميركا قد بدأت بخطط التوسع في آسيا متمثلة بالحرب مع كوريا للحد من تأثير المد الشيوعي في تلك الفترة. وتوصل الجانبان الى اتفاقية تم بموجبها السماح للجيش الياباني بامتلاك معدات ثقيلة حفاظا على الأمن القومي وبأعداد كبيرة تزيد على 350 ألفاً في مقابل السماح للولايات المتحدة اقامة قواعد عسكرية على الأراضي اليابانية لفترة طويلة. وفي ديسمبر 1951 تم ابرام اتفاقية سلام بين أميركا واليابان حيث نالت اليابان سيادتها الكاملة. وكانت نهاية الاحتلال تاريخا لتخلص اليابانيين من سلسلة من الاحباطات التي منوا بها في الحرب العالمية الثانية وما رافقها من تداعيات ظلت مؤلمة في الفكر الياباني. وفي الوقت ذاته نظر اليابانيون الى تلك الحرب، على الرغم من المآسي التي أصابت مدينتي هيروشيما وناجازاكي وسائر المدن الاخرى، فقد نظر الساسة وطبقات الشعب بشكل عام، والمحاربون بشكل خاص، على أنها خطأ تاريخي اسهم الكثيرون في صناعته : كالتأثير الشيوعي والرغبة في الاحتلال وطبيعة الحكم والولع باستعراض القوة والطاعة العمياء، حيث كتبت الكثير من المذكرات عن الحرب وتم انشاء محاكم لمساءلة الذين قاموا بارتكاب جرائم حرب او فظائع أخرى. وشهدت تلك الفترة أيضا توجها شاملا كان ثوريا بكل ما في الكلمة من معنى من كامل الشعب لاعادة الأعمار واحداث تطور سريع. من هنا حققت اليابان قفزة سريعة شملت كافة مرافق الحياة، فأعادت علاقاتها السياسية مع معظم دول العالم وأقيمت المراكز والمؤسسات الثقافية والأدبية ومرت السينما في بداية الخمسينيات بمرحلة العصر الذهبي من خلال بعض الأفلام التي كانت تحفة حقيقية، مثل معركة ياماتو ونسر الباسيفيك. وكانت الثورة العلمية هي الأبرز في تاريخ اليابان وربما في تاريخ العالم ككل، فقد حدث تطور علمي وتقني هائل نقل اليابان الجريحة بسرعة الى مصاف الدول العالمية الأولى من حيث المنتجات التقنية، الأمر الذي انعكس بشدة على ازدهار اقتصاد الدولة وانتعاش نموها الاقتصادي والتجاري. وفي الستينيات ارتفع ناتج الدخل القومي في معدل 6,10 بالمئة سنويا. ثم يتحدث المؤلف عما حصل في عام 1964 عندما شاركت اليابان في الدورة الأولمبية ويرى ان ذلك التاريخ مهم للغاية،اذ شكل نهاية لكافة مخلفات الحرب والاحتلال والقطيعة من جانب، واعترافا بظهور يابان جديدة في نظر العالم كله. وفي تلك الدورة، وتعاطفا من العالم بما حل في هيروشيما من مآس مفجعة، تم اختيار أحد الشبان اليابانيين من مدينة هيروشيما بالتحديد لاضاءة الشعلة الأولمبية في الوقت الذي حلقت فيه مجموعة من طائرات قوات الدفاع اليابانية فوق سماء طوكيو لتشكيل الحلقات الأولمبية الخمس في السماء. وفي تلك الدورة الأولمبية بالذات ادهش اليابانيون العالم كله بالتصرفات الودية والتنظيم الكفء، اذ لم يسمح الرياضيون بأي مجال للخطأ أو سوء التصرف. ولذلك فازوا بالعديد من الميداليات الذهبية التي بلغت 16 ميدالية وحققوا أو كسروا الكثير من الأرقام القياسية والعالمية، وهي الانجازات التي كانت حصرا وبشكل كبير على الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقا. والشيء الغريب حقا ان اثنين من الرياضيين اليابانيين الذين اخفقا في الحصول على الميدالية الذهبية، وهما سوبويو كوكيشي في سباق الماراثون ويودا ايكوكو في رمي الجلة، قد قاما بالانتحار فيما بعد على الرغم من انهما قد حلا في المركز الثاني والثالث على التوالي. وينتهي ايان بوروما الى القول بأن الثقة المفرطة والتعصب والشعور المفرط بالدونية وأحيانا هاجس الانشغال بالحالة القومية قد لعبت جميعا أدوارا مختلفة في تاريخ اليابان. ولكن أحد المزايا الأخرى غير المتوقعة هي التي ظهرت بقوة على السطح وألقت بظلالها على بقية المزايا: فضيلة الاستفادة بشكل تام ومؤثر من تجربة الهزيمة.