الاحد 18 صفر 1424 هـ الموافق 20 ابريل 2003 أثناء الاشهر القليلة الماضية، قيل وكتب الكثير عن موضوع اقامة «امبراطورية اميركية جديدة» غير ان هناك خطأ في عنوان هذا الموضوع فإذا اريد النظر الى الحرب على العراق على انها نوع من المشروعات التي تنجزها الامبراطوريات، فإن المشروع في هذه الحالة ليس بجديد ولا هو خاص بأميركا وحدها فهذا التحالف، الذي يحب ان يصفه الرئيس الأميركي جورج بوش بأنه «تحالف الراغبين» تسيطر عليه على الرغم من كل شيء لكل من اميركا وبريطانيا واستراليا وهي ثلاث دول ناطقة بالانجليزية وتشترك جميعها ليس من ثقافة واحدة ومؤسسات مشتركة فقط، وانما ايضاً تشترك في تاريخ واحد يقوم على التوسع الاقليمي واذا تم النظر الى القضية في هذا السياق، فإن الانحياز يكون هو احدث مرحلة ليس إلاّ من تطور اقوى قوة سياسية خلال القرنين الماضيين وهي الامبراطورية الانغلوفونية. انني كاتب هندي، وقد تشكل تاريخي الشخصي بفعل المؤسسات التابعة لتلك الامبراطورية البريطانية بقدر ما قد تشكل بفعل الصراع الطويل ضد هذه المؤسسات وانا الآن اقيم في نيويورك، وبالنسبة لي كانت هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتداعياتها بمثابة تجربة مليئة بالأصداء التاريخية المزعجة وغير المريحة فلقد ذكرتني، على سبيل المثال، هذه الاحداث بالانتفاضة الهندية عام 1857، وهي الانتفاضة التي يعرفها البريطانيون باسم «التمرد الهندي الكبير» فعن هذه السنة، شهدت منطقة كانبور، وهي منطقة تجارية نشطة تقع على ضفاف نهر الجانج، مذبحة راح ضحيتها عدة مئات من المدنيين البريطانيين العزل كان بينهم اطفال ونساء سفكت دماؤهم على يد مجموعة من الهنود الموالين لحاكم محلي يدعى نانا صاحب وكثير من الهنود الذين شاركوا في هذا التمرد كانوا جنوداً سابقين لهذه الامبراطورية تم استقطابهم عن طريق افكار عدمية. لقد بلغت الأساليب التي كان يتبعها هؤلاء الجنود درجة من التطرف والوحشية جعلت المعتدلين من الهنود منقسمين بين مشاعر التعاطف والبغض والخوف وقد اختار كثير من الهنود ان يبتعدوا عن هذه الانتفاضة والبعض ذهب لأكثر من ذلك وقرر التعاون مع البريطانيين خلال العامين اللذين حفلا بأحداث العنف عقب اندلاع الانتفاضة وهناك عملية مشابهة لهذه الانتفاضة جارية حالياً في الشرق الاوسط، حيث اشعلت النزعة المتشددة مشاعر بعض العرب في حين حيدت وابعدت آخرين. وقد ذكرتني كذلك عبارة «الصدمة والترويع» التي استخدمتها القيادة العسكرية الاميركية لوصف الهجمة الجوية الاولى على بغداد، بأمر آخر مرتبط بانتفاضة عام 1857 في الهند، ففي اعقاب حركة التمرد تلك، شن البريطانيون حملة لصدم وترويع القوات المتمردة من مختلف بقاع شبه القارة الهندية. وقد امتلأت الطريق الممتدة من كانبور حتى الله أباد بجثث الذين تم شنقهم من الجنود الهنود وكانت هناك مناظر علنية للمتمردين وهو يتم قصفهم بالمدافع. وقام الجنود البريطانيون بنهب المدن الواقعة شمالي الهند وتم نشر الجنود بشكل معين لمكافأة الحلفاء ومعاقبة المناطق والأهالي الذين يدعمون المتمردين ولقد ظلت هذه السياسة عالقة بأذهان الاجيال المتعاقبة، ويمكن الشعور بها حالياً منذ رؤية تلك التباينات والفروقات الاجتماعية، على سبيل المثال، بين اقليم البنجاب الراقي والمزدهر وولاية بيهار الغارقة في الفقر. انني هنا لست بصدد تحديد مدى صحة الافعال البريطانية او عدم توفيقها في تلك الفترة ولا اريد كذلك ان ابالغ في نطاق التشابه بين تلك الفترة والظروف الحالية «فتحالف الراغبين»، كما هو واضح، لن يقوم باستخدام اساليب القرن التاسع عشر في العراق. ولكنني اريد ان اطرح سؤالاً لا يتم تسليط الضوء عليه بقدر كاف عادة، هذا السؤال هو: هل تنجح اعمال القوة في تحقيق الهدف منها؟ يعتقد الكثيرون ان اظهار القوة العسكرية واستخدامها بهذا الشكل دائماً ما يقابل بقوى مقاومة تجهضها ولكن هؤلاء الذين يعتادون ممارسة واستخدام القوة يعتقدون عكس ذلك فهم يتصورون ان القوة يمكن استخدامها من اجل اعادة توجيه قوى المقاومة. وفيما يتعلق بانتفاضة عام 1857، تشير الحقيقة الى ان رد الفعل الوحشي للقوة الحاكمة نتج عنه بعض التغييرات الكبيرة من الحياة السياسية الهندية فالنصر الساحق الذي حققه البريطانيون كان احدى الادوات التي اقنعت اغلبية من الهنود بأنه لا جدوى من مقاومة امبراطورية عن طريق كفاح مسلح، وقد ادى هذا الاجماع بالكثيرين من الجيل التالي من الهنود المعادين للمستعمرين الى التوجه بشكل اكبر نحو ايجاد حياة دستورية وحزبية، وكان هذا الاجماع نفسه خلفية ضرورية عمل من خلالها المهاتما غاندي وشكل منها تكتيكات المقاومة غير المسلحة. ويشير بعض من المتحمسين للاتجاه الليبرالي حالياً الى التجربة الديمقراطية الهندية كدليل على ان الوجود الاستثماري يمكن ان يعتبر امراً بناء يساعد على ايجاد مجتمع مدني مستقر ومن اجل دحض هذه النظرية، لا يحتاج المرء الا للنظر الى قائمة المدن التي يقال ان الهاربين من تنظيم القاعدة لجأوا إليها للاختباء بها. هذه المدن هي: عدن، بيشاور، لاهور، كراتشي، كيتا. لقد حكم البريطانيون هذه المدن لسنوات طويلة، وعلى الرغم من ذلك فإن قدر البغض والعداء الذي يكنه سكان هذه المدن الآن ضد الغرب يفوق مثيله عام 1857. وفي عالم الكائنات البشرية، حتى الهزيمة تتحول الى صفقة فإذا كان هناك اي درس يمكن تعلمه من تجربة شبه القارة الهندية مع الامبراطورية، فإن هذا الدرس هو ان الهزيمة يمكن ان يتم التفاوض عليها بأشكال مختلفة كثيرة في الهند نجحت وازدهرت الديمقراطية، في حين ان الديمقراطية في باكستان مرت بنكسة وتحولت الى نزعة استبدادية وحتى يمكن للعراق ان يصبح مثل الهند، فإن الامبراطورية الانجلوفونية، بأساليبها الحالية، عليها ان تنجح في غضون سنوات قليلة في ايجاد ما فشلت الأشكال الاقدم من هذه الامبراطوريات في ايجاده خلال عقود من الزمان. ان فرص النجاح اقرب الى الصفر وبشكل يعكس مفارقة جلية فإن اقوى دليل على شبه انعدام هذه الفرص يكمن في هذه الحالة من عدم التوازن في القوة العسكرية التي قادت الى اسقاط نظام صدام حسين فالقوة العسكرية للولايات المتحدة قد بلغت مستوى من الضخامة جعل القادة الاميركيين ينسون ان المشروع الامبريالي يقوم على دعامتين، والتسلح ما هو الا الدعامة الاولى له، في حين ان الدعامة الثانية والاكثر وضوحاً هي الاقناع وعندما كانت الامبراطورية في ايدي الانجليز، كان قادتهم يولون اهتماماً بالدعامة الثانية بدرجة لا تقل عن اهتمامهم بالدعامة الاولى وكانت الجيوش البريطانية دائماً تحتوي على جهاز اقناع ضخم، كان يتضمن مؤسسات تعليمية وورشات عمل ووسائل اعلامية ومطابع.. الخ، وقد قضى المدرسون والاطباء والموظفون البريطانيون بشكل عام بمختلف تخصصاتهم اوقاتا طويلة بين ابناء الشعب الهندي في القرى والمدن، بينما كان الجنود بشكل عام يقضون اوقاتهم داخل ثكناتهم العسكرية وحسب. وهناك الكثير من الصقور في الولايات المتحدة حالياً يبجلون ويشيدون بشكل صريح بالامبراطوريات السابقة، الا انهم فيما يبدو قد استوعبوا الدروس العسكرية للامبريالية بشكل مختلف عن الذي فهمه الجميع واعتقد ان هذا هو سبب ان الكثيرين من المؤسسة السياسية البريطانية قد عارضوا الحرب ضد العراق فهم يعلمون تماماً ان الشرعية والقبول أمور حيوية عند اقامة الامبراطورية. ومن الواضح ان الشرعية وأساليب الاقناع ليست من اولويات ادارة بوش الكبيرة، ولكن العمل سيكون صعباً في اي حال من الاحوال، ففي القرن التاسع عشر، كان جهاز الاقناع فعالاً لان القوة المستعمرة استطاعت ان تسيطر على تدفق المعلومات. اما في العراق فإن اي جهد يبذل من أجل الاقناع سوف يقابل بجهد مناوئ ومضاد له يومياً عن طريق الانترنت والقنوات الفضائية، مثل قناة الجزيرة، كما ان القوة الاقناعية لامبراطوريات القرن التاسع عشر اعتمدت بشكل كبير على الدور الاقناعي للعلم، اما الآن فالتقنية قد انتشرت بشكل مذهل وعلى الرغم من ان القنابل الذكية تصيب بالرعب فإنها لا تتمتع بالعبق والسحر نفسه الذي كانت تتمتع به بندقية «غاتلنغ» في بداية ظهورها. كما ان المضامين العصرية للفظ «امبراطورية» توضح ايضاً ان سياق الامبريالية قد تغير فبالنسبة للكثيرين، لا سيما في اميركا، فإن هذا اللفظ يذكر بصورة لعبت دوراً مهماً في تشويه سمعة والحاق الخزي بالاتحاد السوفييتي السابق الذي كان يعرف باسم «امبراطورية الشر» ان الامر لا يقتصر على انزعاج بلاغي او لغوي، فالاحساس بعدم الراحة حيال الامر يذهب لأعمق من ذلك فهناك نسبة كبيرة من ابناء الشعب الاميركي لا تزال غير مقتنعة بالحاجة الى القيام بشكل جديد من مهام زرع التمدين والتحضر في الآخرين وهذا هو الامر الذي يميز اميركا عن الدول الامبريالية التي كانت موجودة في الماضي. وكما اوضح جورج اورويل وغيره من الكثيرين الذين ينتقدون الامبريالية فإن الامبراطوريات تسجن حكامها كما تسجن رعاياها، وفي اميركا اليوم، حيث هناك عدد متزايد من الناس لا يريدون ان يخاطروا خارج اراضيهم، بدأ هذا الامر في الحدوث بالفعل ولكن ربما لن يستغرق الامر وقتاً طويلاً، في ظل الايقاع السريع لهذا العصر، قبل ان يبدأ معظم الاميركيين في تمني الهرب من سجن القوة المطلقة. بقلم: أميتاف غوش _ ترجمة: حاتم حسين عن «نيويوركر»