السبت 17 صفر 1424 هـ الموافق 19 ابريل 2003 لم تمض أيام كثيرة على خروجه إلى البحر، وبعد ان اصبح بعيداً عن متناول أرباب عمله شديدي البخل، قام الكابتن اهاب المسئول عن سفينة صيد الحيتان «بيكود» المنطلقة من جزيرة نانتوكت بدعوة مساعديه وطاقمه للاجتماع، على مؤخرة المركب للإعلان عن تغيير في الخطط. فبدلاً من ملء عنبر السفينة بالزيت والعودة بأمان إلى الوطن، فانه سيجعل الهدف المالي من الرحلة ثانوياً بالنسبة لتوجيه ضربة اولى استباقية للشر المتجسد، كما كان يزعم، في حوت معين بلون غير عادي كان قد التهم ساقه في مواجهة سابقة. ولطاقمه المطيع وان كان متحيراً، عرض اهاب عملة اسبانية ذهبية مكافأة لأول رجل يشاهد الحوت «موبي ديك»، ولكنه بخلاف ذلك لم يقل شيئاً عن العواقب الاقتصادية المترتبة على «الآخرين من جراء خطته» أو عن احتمال وقوع كارثة. ولم يحتج سوى ستارباك، المساعد الأول للكابتن، الذي قال: «جئت إلى هنا لصيد الحيتان، لا من اجل انتقام قائد». وتساءل: «كم برميلاً سيجني لك انتقامك حتى لو استطعت تحقيقه، ايها الكابتن اهاب؟». ولكن اهاب سخر منه وضرب على صدره الذي اصدر بحسب ستوب، المساعد الثاني، «رنيناً صادراً عن سطح عريض ولكنه اجوف». وصاح اهاب «الموت لموبي ديك! وليمتنا الله جميعاً اذا لم نقم بقتل موبي ديك»! بينما «شحب وجه ستارباك واربد وارتعش» عندما شعر بأن عالمه الذي اعتاد عليه ينزلق من تحته. ان رواية هرمان ميلغيل العظيمة تعتبر تنبؤية حتى وان كان التشابه بين بيكود والبيت الأبيض بزعامة جورج بوش غير كامل. ومع ان ساق اهاب المفقودة وبرجي مركز التجارة العالمي المدمرين يمكن اعتبارها خسائر قابلة للمقارنة من ناحية رمزية، كما هي الحال بالنسبة لفرصة ديك تشيني الضائعة لقتل صدام حسين في عام 1991، إلا ان العراق لن يسحق ويفرق الولايات المتحدة كما سحق الحوت واغرق السفينة «بيكود». كما ان جورج بوش ليس شخصاً اشيب مصاباً بالمس الاحادي تثير نظرته الرعب، وانما هو اداة قليلة الخبرة بيد منظري المحافظين الجدد المهووسين منذ نهاية الحرب الباردة بحماس لأمركة العالم، كما كانت تأمل الامبراطوريات في السابق بحماسة لا تقل عن ذلك بفرض الطابع الروماني والانجليكاني والنابليوني والألماني والشيوعي.وفي غضون ذلك، ينقسم الأميركيون حول هجوم استباقي لم تفسر ضرورته الملحة بشكل كاف والذي قد لايوجد له تفسير مقنع غير حماسة رعاته. وهذا الانقسام سيشتد مع تزايد الخسائر البشرية خاصة اذا ووجهت القوات الأميركية بأسلحة الدمار الشامل، التي ربما عرضتهم لها بتهور فشل دبلوماسية بوش والهوس الامبراطوري لدى جماعة البيت الأبيض وحلفائها من الصحافيين اليمينيين. وفي وقت متأخر، ستكتشف حاشية الرئيس ان «القوة العظمى الوحيدة» في العالم لا تملك القوة للهيمنة على عالم مترابط ومعاد وخطير بشكل متزايد. ومن خلال الوعيد ومن ثم تجاهل حلفاء اميركا الاساسيين، قامت ادارة بوش بتمزيق الاجماع الذي يمكن ان يكبح صناع المآسي في العالم في وقت يسرع المدعون النوويون ـ ربما الاول من بين كثيرين ـ من عملية تصنيع قنابلهم الذرية وهم ممتعون بالحصانة، وهو التحالف نفسه الذي تمكن حتى الآن من تصفية عدد من اتباع اسامة بن لادن. وبقدر ما هو مؤكد ان صدام شخص شرير، فإنه لا يجوز للولايات المتحدة، في ظل غياب عمل عدائي مباشر وصريح أو أزمة انسانية ملحة، ان تقوم من جانب واحد بالاطاحة بحاكم لدولة ذات سيادة بالقوة، وكأنه كان مجرد قائد ماركسي في اميركا اللاتينية. وعلى الرغم من كل محاولاتها لتوريط العراق في الهجوم على مركز التجارة العالمي والربط بين اسلحة الدمار الشامل المزعومة لدى صدام «واسلحة الارهاب الشامل» كما وصفها بول وولفويتز بصورة ماكرة، إلا انه لا يوجد دليل ذو مصداقية حتى الآن على ان العراق قام بتقاسم اسلحته مع الارهابيين، مع ان المرء يجب ألا يفاجأ اذا ما حدث مثل هذا التآمر رداً على الهجمات الاميركية. ان هذه التشويهات وغيرها تستدعي الى الذاكرة خدعة خليج تونكن وتعزز حالة عدم الثقة واسعة الانتشار بأميركا، بنتيجة مرعبة وهي ان صدام يبدو بالنسبة للكثيرين في العالم الضحية واميركا المعتدي في الحالة الراهنة. واشار روبرت بادنتر، وزير العدل الفرنسي السابق، على سبيل المثال بصورة قابلة للتصديق الى انه في ظل كون السعودية معرضة لخطر السقوط في ايدي المتطرفين، فإن الولايات المتحدة تتمنى ان يكون العراق قاعدة استراتيجية بديلة غنية بالنفط في الشرق الاوسط. وهذا الهدف المحتمل للسياسة الاميركية يفسر التفضيل الاميركي القوي من جانب بوش وتشيني ورامسفيلد بأن يحكم عراقيون مقبولون على نحو مفترض للولايات المتحدة، عراق ما بعد الحرب وليس ادارة من الأمم المتحدة التي يفضلها توني بلير وكولن باول. وفي غضون ذلك، فوتت الولايات المتحدة فرصة بالانضمام الى حلفائها في ايجاد حلول غير الحرب لنزع اسلحة صدام ومنها على سبيل المثال، هيئة تفتيش دائمة موسعة بشكل كبير لا تعد بالمئات فحسب وانما بالألوف، بحيث تكون عملياً جيشاً متخصصاً من المهنيين، يتم فرضه بقرار من مجلس الامن بالاجماع ويدعم بتهديد باستخدام القوة متعددة الاطراف، الامر الذي كان من شأنه ان يشل برنامج التسلح العراقي المفترض وصدام نفسه، وربما يصبح النموذج الذي يقوم من خلاله مجلس الامن بكبح دول مارقة مستقبلية، وبخاصة تلك الدول التي تملك برامج نووية مثبتة. ولكن الازدراء المتعجل الذي عامل به البيت الابيض المفتشين يوحي بأن البحث عن الاسلحة لم يكن سوى ذريعة لتغيير النظام، وبالنسبة للبيت الابيض في مزاجه الامبراطوري، فإن ترك المفتشين يواصلون عملهم سيكون كما لو ان اهاب لم يكن يريد ان يقتل موبي ديك وانما كان يريد فقط ان يهدأه ويتبرع به الى حوض مائي. «ياله من نوع حزين من الحيوانات ذلك الذي ننتمي اليه» كان هذا هو قول البرت اينشتاين الشهير عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى في عام 1914، وكأن صنع الحروب بمثابة خلل تطوري خاص بالانسانية ومكرس في جيناتنا الوراثية، وادمان موروث لفصيلة ذكية تحاول يائسة تملق الانقراض، ومرضها تتخلله فترات من الاشمئزاز والندم، وكان يفترض في حينه كما هو الحال الآن ان تكون الحرب قصيرة وسهلة. وقد رد كولونيل يدعى ويتز على تحذير والتر راتينو، وهو الصناعي الالماني الكبير، من مشكلات في الامداد، قائلاً: ولكن ما الذي يمكنك ان تفكر به عزيزي الطبيب. ففي غضون اربعة اسابيع سنكون في باريس، وبدلاً من ذلك، فإن القانون الحديدي للعواقب غير المقصودة افرز ما وصفه جورج كينان بـ «كارثة اساسية في القرن العشرين» وهي كارثة لايزال صداها يتردد الى اليوم من عمليات اعادة الترتيب المتهورة من جانب المنتصرين للشرق الاوسط. ان التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن الطبيعة البشرية لا تتغير، لقد كتب المؤرخ عاموس الون يقول ان: «عصبة من السياسيين المحافظين كانوا قد عقدوا العزم على شن الحرب.. لبسط السلطة الالمانية في اوروبا وفيما وراء البحار.. وكان المخططون المحافظون يتوقعون نصراً سريعاً كما كان الحال في عام 1870». فقد طمأن القيصر (الذي كانت لديه طموحات توسعية نابليونية لبسط السيطرة الالمانية على القارة برمتها اضافة الى افريقيا وآسيا) الجنود بأنهم سيعودون الى الوطن قبل ان تسقط الاوراق عن الاشجار» اما اينشتاين الذي كان يعيش في برلين في ذلك الوقت، فقد كان «مذعورا من الاندفاع المتهور نحو الحرب والاستعداد واسع النطاق لدى المثقفين البارزين للترحيب بها مع توجه الجيوش التي تعميها الشعارات والاكاذيب بطيب خاطر الى الخنادق. ويكتب الون قائلا: «ان اليهود كان من الاجدر بهم ان لايثقوا بالقادة الالمان الذين لم يقوموا سوى مؤخرا وبصورة تنم عن المنة بمنحهم المواطنة الكاملة تقريبا، ولكن في سلسلة من المذكرات المرفوعة للقيادة الالمانية العليا، اعلن الزعيم الصهيوني العتيد ماكس بودنهايمر ان اهداف المانيا الامبراطورية تتوافق مع المصالح اليهودية وكان المثقفون اليهود لوهلة ممتثلين كغيرهم. وربما كانت تلك اسوأ ساعة لهم منذ توحيد ألمانيا في عام 1870. فبالنسبة لمارتن بوبر، كانت الحرب «ينبوعا مقدسا» سيعمل في النهاية على توحيد الألمان واليهود في «مهمة تاريخية عالمية» مشتركة لتمدين الشرق الادنى. ومضى فيكتور كلمبيرر الكاتب المعروف الذي انقذ من غرف الغاز بعد ذلك بثمانية وعشرين عاما لسبب واحد هو زواجه من امرأة من الجنس الآري ـ مضى الى ما هو ابعد من ذلك بقوله: «اننا نحن الألمان افضل من الامم الاخرى. فنحن اكثر تحررا في فكرنا وأنقى في مشاعرنا وأكثر استقامة في عملنا ونحن الالمان شعب مختار بحق». وقد اصيب فرويد، الذي كان قد رحب بالحرب في البداية، كما فعل توماس مان وماكس ويبر من بين آخرين، ولكنهم سرعان ما يئسوا منها بغضب، اصيب بالغثيان من هذا الحديث وقال: «لابد من وجود قوة اساسية وراء ما يحدث.. كره للحياة او غياب المقدرة على الحياة. ولم يسبق لأي حدث ان دمر هذا القدر الكبير من الشيء النفيس في الملكية العامة للبشرية وأربك الكثير من العقول السليمة وحط من قدر ذوي المقام الرفيع». وكتب كارل كراوس، رفيق فرويد يقول ان الحرب هزيمة كارثية للخيال ورفض شبه متعمد لتصور العواقب الحتمية للأقوال والافعال التي تصبح ممكنة قبل كل شيء بفعل الفساد في لغة السياسة وعلى يد بعض الصحف الرئيسية. ولكن بشكل عام، فإن الحرب كان مرحباً بها كما هو حال الحروب عادة بسبب الادرينالين الذي تطلقه والوضوح الشكلي للهدف الذي به يكظمون مصاعب الحياة اليومية. وكان ونستون تشرشل قد كتب لزوجته في 28 يوليو 1914 يقول: «زوجتي العزيزة والجميلة كل شيء يميل نحو الكارثة والانهيار. وأنا مهتم ومتحمس وسعيد». وكتب ادولف هتلر فيما بعد يقول: «غرقت الى ركبتي وشكرت الله من قلب يفيض محبة لانه منحني الحظ الطيب بأن أكون حيا في مثل هذا الوقت».وكتب بول كروغمان في صحيفة نيويورك تايمز يقول: «انها مسألة تتعلق بالسجل العام ان تكون هذه الحرب مع العراق بشكل أساسي من بنات افكار مجموعة من مفكري المحافظين الجدد، الذين ينظرون اليها باعتبارها مشروعا رائدا». وفي اغسطس ابلغ مسئول بريطاني مقرب من ادارة بوش مجلة «نيوزويك» بأن: «الجميع يريد الذهاب الى بغداد. وهناك رجال حقيقيون يريدون الذهاب الى طهران». وفي فبراير 2003، وبحسب صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية، فإن مساعد وزير الخارجية الاميركي جون بولتون ابلغ المسئولين الاسرائيليين ان الولايات المتحدة «ستتعامل» مع ايران وسوريا وكوريا الشمالية بعد هزيمة العراق. ولكن الشر مستوطن في عقيدة بوش ولن يتم تطهيره في هذا الجانب من الحرب الفاصلة. وفي صيف عام 1914، لم يكن حتى اشد المنتقدين للحرب قادرين على التنبؤ بمدى الكارثة المقبلة. واليوم، فإنه في عالم عفيف وأكثر حكمة، يمكن ان يكون هذا العمى امراً لا يغتفر، وهذا ما تطرق بصورة اكبر المعارضة العالمية تقريبا لحرب بوش في الخارج. واذا ما اصرت الولايات المتحدة مع ذلك على حملتها التي تنذر بها ملاحظات بولتون، فإن العواقب غير المتوقعة سيكون بالامكان تخيلها بالرعب فقط! ترجمة: ضرار عمير عن «نيويورك ريفيو أوف بوكس»