الخميس 15 صفر 1424 هـ الموافق 17 ابريل 2003 يهتم ألبير جاكار بكل شيء، لكن بدون ان يوصف بالعبقري خشية اثارة غضبه، فهو يفضل الحديث عن مؤهلات فكرية قادته لاتقان الرياضيات الأساسية وعلم الجينات والاقتصاد السياسي. ثمة فضول متعدد الاشكال يستجوب الانسان في مختلف ابعاده. عندما تقدم ألبير جاكار الى امتحانات البكالوريا احتار ماذا يختار، لأن كلا من الرياضيات والفلسفة تثير اهتمامه وعلى المستوى نفسه، وكان يجهل الحدود العلمية فاختار المادتين. في العشرين من العمر دخل البوليتكنيك، وهي واحدة من اشهر المدارس العليا في فرنسا، ثم حاز على شهادة معهد الاحصاء وكرس سنوات عشر من حياته لتطبيق الاحصاء على البيولوجيا، وكمهندس استدعته وزارة الصحة للعمل حيث اشتغل فيها بين عامي 1962 و1964 لكنه لا يعتز بهذه التجربة، شغفه بالعلم قاده الى مواصلة تساؤلاته حول الاشكال فكرس لها وقته حتى اصبحت طريقة عيشه. في الاربعين من العمر، اهتم بالجينات وبشكل خاص بسلالات البشر، واختص بها. وادار قسم الجينات في المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية، في حين كان يعمل خبيراً في الجينات لدى منظمة الصحة العالمية بين عامي 1973 و1985 سعد جداً بهذا العلم ونشر في الثمانينيات كتباً مبسطة «لاثارة الاهتمام بالجينات» حسب تعبيره تحت عنوان: «خمس مليارات نسمة في سفينة»، «أنا والآخرون» مترجمة اليوم الى اللغات البرتغالية واليونانية. صاحب النزعة الانسانية في العصر الحديث وعلى خطى فلاسفة عصر الانوار (القرن الثامن عشر) دافع عن التعليم كناقل للتقدم، كتب في مقالة صحافية: «تكمن غائية التربية في اثارة التحول عند الكائن لكي يخرج من ذاته ويتجاوز خوفه من الاجنبي» بعمله على اصل الانسان، اي منذ تعرفه على العالم، يستفيد المجتمع بكامله من ذلك يحب العالم ألبير جاكار التذكير بمدلول كلمة تربية المستعارة من اللاتينية والتي تعني «قاد خارج» ويعود دائماً الى الاصل لتفسير المدلول لهذا يدعو الى الانفتاح على الآخرين، الانفتاح الذي يوجه الى وجود العالم كتب في آخر مؤلفاته: «بفضل نظرة الآخر يصبح الفرد ذاته، ويحق له حينئذ طلب الاحترام علينا اقامة مجتمع ينظر فيه كل واحد للآخر، والآخر ليس كحاجز بل كمصدر» مصدر منافسة واستيحاء، مصدر طاقة وليس مبارزة، وتجاوز للذات بدل تجاوز الآخر. انها فكرة بسيطة، الفكرة التي تضع الشخص في الوسط والتي تريد سعادته، وتؤدي بالتالي الى اغناء المجتمع. اذا تصورنا انها رؤية يوتوبيا عالم مجنون ننسى ذرائعية ألبير جاكار فهو ملتزم في الدفاع عن حقوق الانسان، ونجده على جميع الجبهات، ويعرف هو نفسه «كمناضل انساني». فألبير جاكار هو صاحب مؤلفات عرفت نجاحاً كبيراً، ويود صادقاً ان يفهمه اكبر عدد من القراء كتبه التي حملت عناوين مثل: «العلوم لغير العلميين»، و«اليك انت التي لم تولد بعد» و«فلسفة صغيرة لغير الفلاسفة» هي في متناول الجميع تعرض جميعها رؤية معقدة للعالم وبدون تحلية له شعاره تفسير بدون تفسيد ولا تبليد ترجمت مؤلفاته الى اللغات الصينية والبرتغالية والكورية والاسبانية والايطالية.. وتطرح دائماً مسألة النزعة الانسانية بأشكال مختلفة. ألبير جاكار هو ايضاً استاذ جامعي، يعلم ويلقي المحاضرات في جامعات العالم يدرس خلال لقاءاته، مفاهيم التربية المختلفة، ويقارنها ويفكر كيف يمكن ان يكون عليه التعليم المثالي ويطرح افكاره عبر المقالات المختلفة يقول «يجب ان تعطى الأولوية في العالم الحالي الى التربية فهي وحدها تتيح له الخروج من تيهانه». دعته مدرسة هندسة معمارية ايطالية لحث طلابها على التفكير بالانسان في كل ابعاده فعرض هناك افكاره طيلة سنتين، وقدم دروساً في علم البيئة البشرية اضافها الى مؤلفه الاخير تحت عنوان «من القلق الى الأمل» كتاب في متناول الجميع وطبعا مهما كان المزاج.