الخميس 8 صفر 1424 هـ الموافق 10 ابريل 2003 يعد هذا الكتاب واحداً من أكثر الكتب التي تعرضت لتاريخ الفن رواجاً على مدار الخمسين عاماً الأخيرة، وهو حكم موضوعي لا يعكس أي قدر من المبالغة في تقويم الكتاب، حيث يستند الى طبعاته الست عشرة التي صدرت أولاها عام 1950 وآخرها أطلت مؤخراً، وبلغ مجموع مبيعاته أكثر من ستة ملايين نسخة بعدة لغات مختلفة. وهذا الجهد الكبير الذي قام به المؤلف أسفر عن دراسة دقيقة لتاريخ الفن، والمؤلف لا يقدم سرداً مجرداً لتاريخ الفن، لكنه يقدم حقائق ومعلومات كتبها بطريقة كلما قرأتها في أي طبعة وفي أي سنة فإنك تعتقد انها كتبت الآن، وهذه براعة بلاشك من جانب المؤلف، لابد أن نشهد له بها، والأكثر من ذلك انك تلحظ رأي الكاتب في كل موضوع تناوله في هذا الكتاب، بل ان بعض آرائه تعد مثيرة للجدل، وهو الأمر الذي جعل قراءة هذا الكتاب تجمع بين المتعة والسهولة والحصول على قدر هائل من المعلومات عن مختلف الفنون. وقد قام المؤلف بهذا الجهد من منطلق عشقه للفن، وليس من جراء حبه للتاريخ، ومع ذلك فإن كتابه يظل عملاً موسوعياً يستحق القراءة من كل انسان، حتى لو لم يكن الفن من بين اهتماماته، فعلى الأقل سيكون هذا الكتاب مسلياً، بل وطريقاً الى حب الفن ربما الى درجة العشق بعد أن يكون القاريء قد عرف عنه الكثير.والمؤلف يناقش في هذا الكتاب مختلف الفنون على مر العصور، من فن النحت الذي اشتهر به اليونانيون القدماء الى فن الرسم الذي اشتهر وساد في عصر النهضة الى الفن المعماري الحديث، ولعل أهم ما يميز هذا الكتاب ان طبعاته الست عشرة لم تكن مجرد اعادة طبع لمحتوياته، وإنما كل طبعة اشتملت على معلومات جديدة وصور حديثة وطباعة فاخرة عن سابقتها، حتى ان طبعاته المتتالية اشتملت على مطويات لبعض الرسومات لأشهر الفنانين من بينها لوحة العشاء الأخير للفنان والرسام والنحات والموسيقي والمهندس الايطالي ليوناردو دافنشي. ويضم الكتاب ايضاً سجلاً وافياً للأفكار والانجازات الرئيسية التي تميز بها كل فنان أو كل فن. وتتجلى عبقرية المؤلف في انه لم يكن يهدف الى تجميع أهم المعلومات وأدقها عن مختلف الفنانين والفنون فحسب، وإنما كان يهدف ايضاً الى ارشاد القاريء إلى كيفية قراءة الفن وقراءة اللوحة في الوقت نفسه الذي يشرح فيه أهم التطورات التاريخية والاسلوب الفني الذي تميز به كل عصر. وهذا الكتاب يستفيد منه جميع القراء على مختلف ميولهم وانجازاتهم وجنسياتهم، لكن الاكثر استفادة بلاشك هم الدارسون للفنون الذين سوف يستمتعون ـ بلاشك ـ باختيارات المؤلف واستخداماته للمعلومات والصور الواردة فيه، ويشعر كل قاريء بأن المؤلف إنما كتب هذا الكتاب خصيصاً له. وقد قسّم المؤلف هذا الكتاب الى 28 فصلاً يتناول كل منها موضوعاً محدداً، فمثلاً نراه يتناول في أحد الفصول الفن المعماري وأمثلة عن مدارسه المختلفة، وفي فصل آخر يتناول عصر النهضة في ايطاليا في القرن الخامس عشر، وفي فصل آخر يتحدث عن انتشار عصر النهضة في أوروبا الغربية. وقد خصص المؤلف فصلاً بأكمله لفنون القرن السادس عشر والفنانين العظام الذين اشتهروا خلاله، ومن بينهم مايكل انجلو وليوناردو دافنشي، وتناول في فصل آخر الأسلوب الفني التي تميزت وانفردت به البندقية. كما خصص المؤلف فصلاً كاملاً عن الفنون التي اشتهرت بها ايطاليا وألمانيا وهولندا، كما أفرد فصلاً خاصاً حول الفنون التي سادت في انجلترا والولايات المتحدة وفرنسا. وخصص المؤلف فصلاً كاملاً عن الفن الجديد، تناول فيه ابداعات كل من فان جوخ وجوجان وغيرهما. ويؤكد المؤلف ان الفن يتغير ويتجدد باستمرار، وهناك 9 أسباب تؤكد ذلك مثل التقنية المتطورة والتغير الحادث في طرق ووسائل التعليم، كما ان الرسامين ليسوا في حاجة الى رسم لوحة ما عدة مرات يكفي رسمها مرة واحدة ثم اعادة نسخها وتصويرها بطريقة توحي بأنها اللوحة الأصلية. ويذكر المؤلف في كتابه الموسوعي والمهم ان أسلوب الحداثة أصبح يحظى باحترام كبير في جميع انحاء العالم، وهو الأمر الذي أوجد الحاجة الى أسلوب أو عصر ما بعد الحداثة، لأن كل جيل له أساليب تختلف عن الجيل الذي سبقه. وعلى الرغم من المتعة والمعلومات الغزيرة التي يجدها القاريء لهذا الكتاب إلا ان عملية القراءة ذاتها تستغرق وقتاً طويلاً لضخامة حجم الكتاب وعدد صفحاته البالغ 688 صفحة، لكنه في النهاية لا يستعصي على الفهم. ومن بين المزايا الكبرى لهذا الكتاب ان مؤلفه يساعد القراء على فهم الفن وتقديره. المشكلة الوحيدة التي رآها بعض النقاد في هذا الكتاب ان المؤلف جمع بين دفتيه جميع فنون أوروبا وأميركا الشمالية حيث لم يذكر الكتاب شيئاً له قيمته عن فنون آسيا أو افريقيا. اعترافات مؤلف مؤلف هذا الكتاب سير إرنست جومبريتش، يعمل استاذاً في جامعتي أوكسفورد وكامبردج ومحاضراً في المعرض الوطني للفن في واشنطن ومحاضراً في معهد الفنون الجميلة في نيويورك، وهو حاصل على العديد من الجوائز العلمية الفخرية. واشتهر المؤلف في كل أحاديثه وكتاباته بأسلوب فريد ينبع من لغة سهلة، حتى ليبدو هذا الاسلوب لدى البعض أسلوباً عادياً لكاتب غير محترف، وإذا كان الاسلوب السهل الممتنع هو أول قاعدة يلزم بها الكاتب نفسه، فإن القاعدة الثانية التي فرضها على نفسه هي ان يقتصر على الكتابة في الفن فقط، أما القاعدة الثالثة فهي ان تكون خياراته وفقاً لأهمية الأعمال ذاتها، وليست وفقاً لهوى أو ميل ذاتي. هذا الكتاب الذي يعد الأكثر انتشاراً على مدى نصف القرن الأخير وفي طبعاته الست عشرة وترجمته الى ست عشرة لغة، كل هذا الانتشار يرجع الى مؤلفه الفذ الذي وجد فيه القراء على مختلف جنسياتهم وثقافتهم معلماً حقيقياً يجمع بين وفرة المعلومات والحكمة وعشقه للفن واتباعه لأسلوب المباشرة والبساطة في الكتابة. ويعترف المؤلف في المقدمة بأن هدفه من اصدار هذا العمل الموسوعي هو مخاطبة هؤلاء الذين يشعرون بأنهم بحاجة الى توجيه أوّلي في مجال غريب وساحر، وهو يشير بذلك للقادمين الجدد الى مجال الفن من أشخاص وفنون وأعمال تاريخية من دون ان يخوض في تفاصيل قد تسبب لهم ارتباكاً أو حيرة ويعترف المؤلف أيضاً بأنه حينما كان بصدد تأليف هذا الكتاب كان يفكر أولاً وأخيراً في القراء الذين هم في سن المراهقة الذين اكتشفوا لتوهم عالم الفن بأنفسهم، في الوقت الذي يرى فيه ان الكتب بالنسبة للناشئة يجب أن تختلف عن الكتب التي يتم تأليفها للكبار. ويعترف المؤلف ايضاً بأن الأعمال المهمة التي استبعدها من هذا الكتاب كثيرة جداً وكذلك لمؤلفين لا يقلون أهمية عن أولئك الذين تحدثت عنهم في هذا الكتاب. ويرجع المؤلف السبب في ذلك الى انه لو فعل ذلك لاحتاج الى عدد صفحات يزيد على مثلين أو ثلاثة أمثال عدد صفحات هذا الكتاب. ويقول انه لو فعل ذلك لقلل من قيمة هذا الكتاب كمرشد الى الفن. ويؤكد المؤلف ايضاً انه كان يطمح من خلال تأليف هذا الكتاب أولاً من اصدار طبعاته الست عشرة على مدار نصف قرن الى تحديث الكتاب بما يتناسب مع المعلومات والصور مع كل جيل جديد، حيث من المعروف ان كل جيل يختلف في رؤيته للفن ولكل شيء عن الجيل الذي سبقه. ويسوق المؤلف مثالاً على ذلك فيقول ان المؤلف الموسيقي الشاب موزارت عندما وصل الى باريس لاحظ ـ من خلال كتاباته الى والده ـ ان جميع السيمفونيات الشهيرة، في ذلك الوقت، تنتهي نهاية سريعة، لذا قرر موزارت ان يفاجيء جمهوره بمقدمة بطيئة وحتى النهاية. وكما سبق أن ذكرنا فإن هذا الكتاب صدرت له طبعات بلغت ست عشرة وكانت كل طبعة منه تمثل اضافة جديدة وتحديثاً ضرورياً حتى يتناسب مع كل جيل جديد، وبالتالي كانت كل طبعة تتصدرها مقدمة خاصة، تلخص مضمون ما احتوته هذه الطبعة من معلومات وصور جديدة. فقال المؤلف في مقدمة الطبعة الثانية عشرة ان هذا الكتاب كان الغرض من وراء تأليفه هو ان يخبر القراء بقصة الفن بالكلمة والصورة عن طريق تمكينهم بقدر المستطاع من ان يضعوا الصور والرسومات التي يتم مناقشتها في هذا الكتاب أمام أعينهم ويتفحصوها جيداً دون ان يقلبوا الصفحة. وقال في مقدمة الطبعة الثالثة عشرة: هناك العديد من الرسومات الملونة تم اضافتها الى هذه الطبعة، لكن النص ظل كما هو دون تغيير فيما عدا ثبت المراجع. وقال في مقدمة الطبعة الرابعة عشرة: ان الكتابة تمثل حياة خاصة بها، والشاعر الروماني الذي قال ذلك لم يكن يتصور يوماً ما انه سيتم تداول تلك الكلمات على مدى قرون عديدة وستكون متاحة على أرفف مكتباتنا لأكثر من ألفي عام. ويضيف: انه بهذه المقاييس فإن هذا الكتاب يعد وليداً، ورغم ذلك فعند كتابته لم أكن أحلم بحياته المستقبلية بالقدر الذي اهتمت به الطبعات باللغة الانجليزية وان التغيرات التي طرأت على هذا الكتاب تم ذكرها في مقدمات الطبعتين الثانية عشرة والثالثة عشرة. وقال في الطبعة الخامسة عشرة: المتشائمون يقولون لنا أحياناً انه في عصر التلفزيون والفيديو فإن الناس قد فقدوا اعادة القراءة، وان الطلبة على وجه الخصوص يفتقرون الى الصبر المطلوب لقراءة الكتاب من الغلاف الى الغلاف. ويتابع: انه مثل كل المؤلفين يتمنى ان يكون المتشائمون على خطأ، وأعرب عن سعادته لأن هذه الطبعة شهدت وجود رسومات وصور ملونة جديدة الى جانب ثبت مراجع جرى تدقيقه وتحقيقه بشكل جيد وكذلك فهرس شارح واضح وخريطتين جغرافيتين. ويقول ايضاً: انني أشعر بالحاجة للتأكيد على ان هذا الكتاب كان الهدف من تأليفه أن يكون ممتعاً في قراءته. أما في الطبقة السادسة عشرة التي كتبها في ديسمبر عام 1994 فيقول المؤلف: عندما جلست لكي أكتب مقدمة هذه الطبعة الأخيرة من الكتاب شعرت بالدهشة والامتنان، الدهشة لأنني ما زلت أتذكر توقعاتي المتواضعة عندما قمت بتأليف هذا الكتاب، والامتنان للأجيال العديدة من القراء من جميع أنحاء العالم الذين وجدوا هذا الكتاب مفيداً لدرجة انهم كانوا ينصحون الآخرين بقراءته وبأعداد كبيرة. والامتنان موصول بالطبع للناشرين الذين استجابوا لهذا الطلب وهو التحديث الطاريء على كل طبعة شكلاً وموضوعاً. عن الفن والفنانين «ليس هناك أجمل ولا أفضل من الفن».. بهذه العبارة بدأ المؤلف مقدمة الكتاب. ويضيف: هناك فقط فنانون قاموا بتلوين الأرض وقاموا بعمل رسومات على حائط الكهف، واليوم فإن الكثيرين يشترون رسوماتهم ويقومون بتصميم ملصقات للوحات الإعلانية وأشياء أخرى كثيرة مثل ذلك. ولا ضرر في ان نطلق على كل هذه الأنشطة كلمة «فن» إذا ما وضعنا في الاعتبار ان هذه الكلمة قد تعني اشياء كثيرة مختلفة وفي أوقات مختلفة بل وفي أماكن مختلفة وبالقدر نفسه الذي نعرف فيه ان الفن بمعناه الشامل والمجرد والمقدس لم يعد له وجود. وبالفعل فإنني ـ كما يقول المؤلف ـ لا أعتقد ان هناك أي أسباب خاطئة في ان تحب تمثالاً أو صورة. فربما يحب أحد الأشخاص صورة لمنظر طبيعي لأنها قد تذكره ببيته أو تعجبه صورة أو رسم لوجه ما لأنه قد يذكره بصديق له. لا ضرر في ذلك على الاطلاق، فجميعنا عندما يرى لوحة ما فإن هناك أكثر من مئة سبب يجعلنا نحب هذه اللوحة أو نكرهها. وبالقدر نفسه الذي تجعلنا فيه هذه الذكريات وتساعدنا في الاستمتاع بما نرى فليس هناك مدعاة للقلق. ويقول المؤلف ان معظم الناس يحبون ان يروا في الصور ما يحبون أن يروه في الواقع. إننا جميعاً نحب الجمال في الطبيعة ونشعر بالامتنان للفنانين الذين تميزت لوحاتهم بالجمال. وعندما قام الفنان البلجيكي والرسام روبنز برسم صورة ابنه الصغير كان معجباً بالتأكيد بكل ملامحه، وارادنا أيضاً أن نبدي اعجابنا بابنه. وكذلك الرسام الألماني الكبير البريخت دورر قام برسم صورة أمه بالطريقة نفسها وبالاخلاص والحب ذاته الذي رسم به روبنز صورة ابنه. كذلك أيضاً فإن دراسته الصادقة والمخلصة لامرأة عجوز مهمومة قد تصيبنا بصدمة تجعلنا نمر أمامها مرور الكرام والفرق بين الصورتين يجعلنا نتأكد على الفور ان جمال اي لوحة لا يكمن في جمالها الشكلي، ولكن يكمن في موضوعها. وقبل ان نبدي احكامنا على أية صورة، لابد ان نتعلم اولا اسلوب الفنان في الرسم حتى نتفهم مشاعره التي عبر بها من خلال ريشته عن العمل الذي نراه. وعندما نصل الى فهم هذه اللغات المختلفة فإننا قد نفضل بعض الاعمال الفنية قد يكون التعبير عنها اقل وضوحا من غيرها، تماما مثل الاشخاص الذين يفضلون استخدام كلمات قليلة وايماءات وتلميحات دون تصريحات وتترك للسامع فرصة التخمين او التفكير ونفس الشيء ينطبق على بعض الاشخاص الذين يفضلون الرسومات واللوحات التي تترك لهم شيئا ما للتفكير او التخمين. وفي الازمنة القديمة، عندما كان الفنانون اقل مهارة في رسم الوجوه بما تحمله من تعابير وتلميحات، كانوا يجوبون اماكن عديدة لرؤية وجوه عديدة لكي يحصلوا على مخزون من هذه التعابير والتلميحات التي ستنقلها لنا ريشتهم. ويؤكد المؤلف ان هناك قادمين جددا الى الفن يواجهون صعوبات جديدة، فهم يريدون ان يعبروا عن اعجابهم بمهارات الفنان التي تجلت في رسم تلك اللوحة التي نراها، وكان افضل ما يثير اعجابهم تلك الرسومات التي تبدو وكأنها حقيقية. ويؤكد المؤلف انه لا ينكر للحظة واحدة ان ذلك اعتبار مهم، لان الصبر والمهارة اللذين وقفا وراء اللوحة الجميلة يستحقان ايضا الاعجاب. وكثير من الرسامين العظماء في الازمان القديمة كرسوا جهدا كبيرا وعملا مضنيا لرسم اعمال تحمل تفاصيل دقيقة تم رصدها ورسمها بعناية فائقة تجعل المشاهد وكأنه جزء منها او انه يعيش بداخلها. والصورة بالالوان المائية التي رسمها دورر والتي تعد دراسة للأرنب الوحشي ابلغ واصدق مثال على هذا الصبر بكل ما تحمله من تفاصيل دقيقة تجعلك تشعر وكأنك امام ارنب وحشي حقيقي لكن من يقول ان صورة الفيل التي رسمها الفنان رمبرانت بالضرورة اقل اهمية وقيمة لانها لا تحمل كثيرا من التفاصيل؟ لقد كان رمبرانت بارعا في ان يصور لنا فيلا بجلده السميك المتجعد بأقل مجهود وباستخدام الطباشير. لكن مثل هذه الرسومات التي يحلو للبعض ان يطلق عليها تعبير «سكتش» تضايق آخرين ممن يحبون ان تبدو رسوماتهم وكأنها حقيقية. ويؤكد المؤلف ان تعلم الفن لا ينتهي فهناك دائما اشياء جديدة نكتشفها في كل مرة ونحن نقف متأملين لوحة ما او صورة ما. فالأعمال الفنية العظيمة يبدو أنها مختلفة في كل مرة ننظر اليها. فأي لوحة رسمها فان كوخ او بيكاسو او غيرهما عندما تشاهدها للمرة العشرين يبدو كأنك تراها لأول مرة، وعندما تشاهدها للمرة المئة قد يبدو لك للوهلة الاولى انك لم ترها من قبل او على الأقل اكتشفت فيها اشياء لم تكن تعرفها عندما شاهدتها للمرة الاولى. وهذه الرسومات والصور العظيمة التي رسمها فنانوها بكل الصدق، مثل البشر الذين تكتشف فيهم اشياء جديدة لم تكن تعرفها من قبل بعد سنوات عديدة من معاشرتك لهم. فمن منا لم يكتشف في زميل جلس معه في حجرة واحدة، سنوات عديدة عيبا، او نقيصة ما ظلت خافية عنه كل تلك السنين؟. انه الفن عالم مثير وشائق قائم بذاته له قوانينه الغريبة ايضا وله مغامراته وادواته ايضا. ولا احد يدعي انه يعرف هذا العالم بكل قوانينه ومغامراته وادواته لم يدع احد ذلك على مر العصور. واهم شيء في هذا العالم هو انك تستمتع فقط بهذه الاعمال ليس هناك اجمل او امتع من ان تقف امام لوحة تشعر امامها بالسعادة لمجرد اختيار الفكرة او طريقة التعبير عنها ليستوي في ذلك صورة وجه امرأة او طائر او حديقة او منظر طبيعي او حتى معركة. ويقول المؤلف انه من خلال هذا الكتاب قام بمناقشة وشرح تاريخ الفن اي تاريخ المباني والرسومات والتماثيل ويؤكد ان معرفة شيء ما عن تاريخ الفن يساعدنا على فهم سبب قيام الفنانين بالعمل بطريقة خاصة، وهدفهم من وراء هذا العمل. ومعظم هذه الاعمال الفنية على اختلاف انواعها تعد طريقة مثالية لكي نفتح اعيننا لكي نستوعب جيدا ادق التفاصيل التي تحملها هذه اللوحة او الصورة وبالتالي نزيد حساسيتنا ونكتسب خبرات جديدة في المقارنة بين لوحة واخرى وبين اسلوب فنان وفنان آخر .. وهكذا. وهذه فقط هي الطريقة الوحيدة التي نتعلم من خلالها كيف نستمتع بأي لوحة تراها أعيننا. وهناك اشخاص يشاهدون اللوحات الفنية بطريقة خاصة تبدو لدى البعض غريبة. فكثير منا يرى اشخاصاً يهرعون الى المعارض الفنية يحملون في ايديهم الكاتالوجات وفي كل مرة يقفون فيها امام لوحة ما في هذا المعرض يبحثون فقط عن رقم اللوحة ثم ينتقلون الى لوحة اخرى يبحثون فيها عن رقمها وهكذا. وعندما يعودون الى بيوتهم يتفحصون الكاتالوجات بعناية فائقة. هذه هي طريقتهم في قراءة اللوحات والتعرف على اساليب الفنانين. الفن للخلود من اكثر فصول هذه الكتاب اثارة وتشويقا ذلك الفصل الذي يحمل عنوان «الفن للخلود». ويقول فيه المؤلف كلنا يعرف ان مصر هي ارض الاهرامات، تلك الجبال من الحجارة التي تقف شامخة وعلامة بارزة في التاريخ، وعلى الرغم من الغموض الذي يحيط بطريقة البناء والبعد الزمني الذي يفصلنا عن زمن بنائها الا انها تحكي الكثير عن قصتها وقصة من قاموا ببنائها واسباب بنائها .. واسرار اخرى عديدة. لقد حكت لنا الاهرامات طبيعة الارض وسر الارض التي تحملت هذا الكم الهائل من الاحجار طوال الاف السنين دون ان تهبط بها. وحكت لنا الاهرامات ايضا عن سر القوة والثروة التي تمتع بها هؤلاء الملوك الذين استطاعوا ان يجبروا الآلاف من العمال لكي يكملوا هذا البناء التاريخي العظيم، باستخدام وسائل غاية في البدائية. وكلنا يعرف ايضا الاهمية الخاصة التي حظيت بها تلك الاهرامات في عيون ملوك قدماء المصريين. ويقول ان قدماء المصريين كانوا يعتقدون بأن الروح ستعود يوما ما الى الجسد، لذا لابد من تحنيطه والحفاظ عليه حتى عندما تعود الروح تجد الجسد كما كان عليه قبل ان تخرج منه الروح. ويؤكد المؤلف ان الفن المصري القديم لم يكن يعتمد على ما يراه الفنان للحظة ثم يقوم برسم وتصوير ما رآه، لكنه فن يعتمد على ما يعرفه عن شخص ما او مشهد ما. ويقول اننا في هذه الايام نقول عن المسئول او المدير «الشخصي البارز»، اما قدماء المصريين فقد كانوا يرسمون الملوك بصورة اكبر من رعاياهم، بل حتى اكبر من زوجاتهم. ومتى فهمنا هذه المفاتيح وهذه اللغة التي تميز بها قدماء المصريين، سوف نفهم على الفور رسوماتهم التي تزين المعابد والمتاحف داخل مصر وخارجها. ويقول المؤلف ان الفنان المصري القديم كان يبدأ عمله او لوحته برسم شبكة من الخطوط المستقيمة على الحائط ثم يبدأ في توزيع الاشخاص او الطيور على تلك الخطوط وان هذا التحديد لا يمنعه من رسم بعض التفاصيل حول الطبيعة بدقة مدهشة. فكل طائر او سمكة يرسمها الفنان المصري لا يزال علماء الحيوان يتعلمون منها ويتعرفون من خلالها على السلالات المختلفة لهذه الحيوانات والاسماك. ويؤكد المؤلف ان اعظم ما يتميز به الفن المصري القديم ان جميع التماثيل والرسومات والفنون المعمارية المختلفة يبدو انها تسير وفق قانون واحد رغم اختلاف تلك الفنون وسوف نطلق على هذا القانون الذي يتبعه جميع البشر «الاسلوب». وهذا الاسلوب من الصعب ان نفسره بالكلمات لكن من السهل ان نتعرف عليه عند رؤيتنا لهذه الاعمال الخالدة. والاسلوب المصري يتكون من عدة قوانين صارمة يتعين على كل فنان ان يتعلمها في بداية حياته فمثلا التماثيل الجالسة لابد ان تكون اليدين فيها موضوعة على الركبتين وان الرجال لابد ان تكن بشرتهم اكثر سوادا من النساء وان حاشية كل ملك مصري يجب ان يكونوا جالسين. وعلى سبل المثال فان حورس، اله السماء لدى الفراعنة، لابد ان يبدو في صورة صقر او على الاقل يحمل وجه الصقر وعلى كل فنان ايضا ان يتعلم فن الكتابة او المخطوطات وهكذا. ان هذا الكتاب بصدق يعد من اهم الكتب التي صدرت في القرن العشرين، وفهو ليس مجرد كتاب يحكي لنا او يسرد معلومات عن الفن عبر العصور المختلفة، وانما هو قبل اي شيء عالم بأسره يطل بنا على ما يعنيه ويجعلنا نحبه ويعلمنا كيف نتعرف عليه .. وكيف يفرق بين المدارس الفنية المختلفة. باختصار فان هذا الكتاب يمكن ان يجعل من القاريء الجاد والمهتم مشروع فنان جديد.