الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 لحظة المواجهة بين شارون وبوش هي مسألة واقعة لا محالة حسب توقعات أتباع رئيس الوزراء. والمسألة تتعلق بتوقيت ذلك فقط. ذات يوم، قريبا، سيأتي بوش ويقول لشارون عليكم ان تسهموا بنصيبكم في الحرب وان توافقوا على ايقاف المستوطنات وان تسحبوا قواتكم بلا تأجيل حتى خطوط ما قبل الانتفاضة. لحظة الحقيقة أصبحت وشيكة حسب توقعات استراتيجيي شارون. هناك تصريحان رسميان اميركيان صدرا في مطلع الاسبوع وأشعلا ضوء تحذيريا في ديوان شارون: خطاب باول أمام مؤتمر «ايباك» السنوي حول قضية المستوطنات، وتصريح كونداليزا رايس حول خريطة الطرق. باول قال ان على اسرائيل ان توقف البناء في المناطق في اطار الجهود لحل الصراع. أما الدكتورة رايس فقد اختارت التصريح - في نفس المؤتمر الذي يشكل رمزا لقوة اللوبي الاسرائيلي - بأن خريطة الطرق ستنشر من قبل الادارة الاميركية بعد انشاء الحكومة الفلسطينية بقيادة أبو مازن. وان هذه الخريطة ليست خاضعة للنقاش بين الأطراف. بمعنى خُذها ولا تناقش. سيناريو المصادمة الاسرائيلية - الاميركية يمثل الرؤية التي ينادي بها افرايم هليفي، مستشار الامن الوطني، الذي يقول ان اسرائيل واميركا تسيران على طريق التصادم الأكيد. ليس هناك أمر شخصي، والمسألة هي تغير في خريطة المصالح الاميركية. في مواجهة هذه الرؤية يسود في اوساط شارون تصور آخر مغاير تماما وصاحبه هو دوف فايسغلاس، مدير ديوان شارون. فايسغلاس مسئول عن العلاقة مع مستشاري بوش، وهو يتحادث معهم ثلاث مرات اسبوعيا على الأقل. وهو يعرف ميولهم وأفكارهم وعلى قناعة تامة ان الادارة لن تفاجئنا في شيء. وحسب قوله لم يكن في تاريخ العلاقات بين البلدين مثل هذه الشبكة من التشاور وتبادل الآراء. هذان التوجهان المتناقضان يثيران جدلا في الجهاز السياسي. مصدر بارز يقول ان فايسغلاس مصاب بالتفاؤل المفرط، ويقول آخر انه يرتكب الخطأ الذي يحدث في انظمة معينة حيث يقوم المستشارون باسماع الرئيس ما يريد ان يسمعه.ولشارون نفسه رأي حازم وقاطع في قضية الثمن المطلوب من اسرائيل. رده على ذلك كان : «اسرائيل لا تستطيع ان تدفع أي ثمن، وهي لن تدفعه اذا كان يتعلق بأمن مواطنيها. نحن نتحمل مسئولية تاريخية. لا يوجد للشعب اليهودي مكان آخر يستطيع فيه ان يدافع عن وجوده. عم يتحدث هؤلاء - هل نحن عاجزون؟ وماذا يعني اذا كان بلير يواجه مشاكل في بيته، ولا يعقل ان تحدق اسرائيل أمنها بالخطر من اجل تحسين وضع الصديق البريطاني في التحالف». شارون بذل جهودا مضنية منذ لحظة دخوله لرئاسة الوزراء حتى يتوصل لتنسيق في المواقف مع الادارة الاميركية، وقد نجح نجاحا ملموسا حتى الآن. ويذكر انه عاش تجربة قاسية خلال حرب لبنان اذ أحدث ازمة في هذه العلاقات واعتبر شخصية غير مرغوبة لسنوات. ومع ذلك، يقدر مستشاروه المقربون انه لن يتردد في التصادم مع بوش اذا طالبه بتجميد الاستيطان أو حتى المس بالمستوطنات في الوقت الذي لا يبدي فيه الجانب الفلسطيني حزما واصرارا على منع العمليات. المستوطنات هي بؤبؤ عين وروح شارون، وهي العملة الصعبة التي يوجد لديه استعداد لدفعها ولن تستخدم الا مقابل كنوز حقيقية في مجال الأمن. وماذا اذا اعتقل أبو مازن نشطاء حماس الذين يقفون خلف العمليات؟ جواب مستشاري شارون على هذا السؤال هو: «اذا برهنت اجهزتنا الاستخبارية ان أبو مازن قد بدأ يتحرك في مجال الأمن، فان العالم سيتفاجأ من مشاهدة المدى الذي سيوغل فيه شارون. أجل، حتى في قضية المستوطنات. الارتياب منقوش في شخصية شارون: تجربة السنين علمته ان يحذر من كل شيء يتحرك. في يوم الجمعة قرأوا له عنوان صحيفة «يديعوت احرونوت» الرئيسي حول تصريح باول بأنه سيمارس ضغطا قويا على شارون بعد الحرب. شارون يكره ان يفاجئوه في شيء، لذلك طلب من فايسغلاس ان يتأكد من النبأ. وهذا الاخير توجه الى دان كيرتسر وطلب توضيحات. جواب اميركا لم يتأخر للحظة واحدة: مصدر النبأ حسب قول الاميركيين هو محادثة شخصية جرت قبل ايام بين باول وريتشارد كوهين، الكاتب الصحفي الليبرالي في «واشنطن بوست» حيث قام هذا الاخير بكتابة مقالة بعد اللقاء مع العنوان المذكور في «يديعوت». باول ادعى انه لم يقل له انه سيضغط على شارون. والمسألة لم تنته عند هذا الحد. شارون يواصل هوايته السابقة ويجمع المعلومات حول الولايات المتحدة، وهو يسمع تقارير من اميركا خصوصا اتصالاته الهاتفية في نهاية الاسبوع مع شخصيات يهودية هناك ومن بينهم مالكولم هونلاين أحد قادة مؤتمر الرؤساء اليهود في نيويورك. مصادر شارون تحدثه عن ان المسئولين الاميركيين يواصلون التفوه بتصريحات تقول ان دوره سيأتي بعد صدام. كل هذا الغمز واللمز يعود ويطرح في محادثة هاتفية بين فايسغلاس وكونداليزا رايس التي تقول له: لا تبالوا بكل ما يصلكم، فبوش هو الذي يقرر وهو سيقف الى جانبكم. وعندها يستكين شارون ويطمئن للعلاقة بين الجانبين. سلفان شالوم جرب الدلال الاميركي الذي كان يشاهده على شاشة التلفاز فقط. الادارة شخصته كرجل مركزي وحليف لها في دفع التسوية مع الفلسطينيين وعاملته بحفاوة بالغة حيث التقى مع باول وديك تشيني. وخلال لقائه مع تشيني دخل أحد مساعدي نائب الرئيس الى الغرفة وأعطاه ورقة، فسارع تشيني لانهاء اللقاء وطلب من شالوم ان ينتقل لغرفة مستشارة الامن القومي، حيث فوجيء بدخول بوش نفسه ليطرح عليه السلام في لقاء لمدة دقيقتين. بوش قال له خلال اللقاء انه ملتزم بأمن اسرائيل، الا انه ملتزم ايضا بدفع التسوية مع الفلسطينيين، وانه ينوي نشر خريطة الطرق عما قريب. وأضاف «نحن نتوقع منكم ان تساعدوا أبو مازن بعد ان يشكل حكومته. اسرائيل تستطيع ان تساعد من خلال ادخال تسهيلات على حياة الفلسطينيين». شالوم وعده بأن أبو مازن سيجد شريكا في الجانب الاسرائيلي اذا شكل قيادة فلسطينية تدعو لوقف الارهاب وتدخل الاصلاحات. الا انه أبدى تحفظا: «نحن لن نكرر أخطاء الحكومات السابقة التي كانت تتفاوض مع الفلسطينيين في الليل، وفي النهار تتلقى الضربات الارهابية منهم. هذا النهج فشل لانه بلا منطق». شالوم قدر ايضا ان حماس والجهاد ستتحديان أبو مازن في ايامه الاولى. واذا لم يسجن مخططي العمليات من الشهر الاول فانه سيفقد صلاحياته ويفقد ثقة الفلسطينيين والاسرائيليين به معا. بوش وعد شالوم باجراء لقاء مع شارون حول توقعات اسرائيل من تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة. ومن الناحية الاخرى يبدو ان نجاح أبو مازن في تشكيل حكومة لا تستمد قوتها من عرفات سيضع شارون على محك الاختبار حيث سيطالب بتطبيق وعوده حول التنازلات الاقليمية المؤلمة. أبو مازن سبق شارون في طلبه من الادارة الاميركية التريث في نشر الخريطة. «أنا بحاجة للوقت» قال للاميركيين وأضاف «من اجل اقناع حماس والجهاد بايقاف العمليات لمدة محددة ولضم شخصيات فلسطينية للحكومة». أبو مازن يخشى من عناق الدب الاميركي له خلال الحرب مع العراق، وهو يفضل نشر خريطة الطرق بعد الحرب. أما شارون فيقول بأن اسرائيل لن توافق على وضع يقوم فيه الفلسطينيون بخداعه والتحايل عليه من خلال ايقاف العمليات لمدة معينة حتى يحصلوا على دعم الادارة الاميركية لهم. «سنصر على ان توقف حكومة أبو مازن التحريض الأرعن ضدنا وان تسجن قادة المنظمات الارهابية وان تجمع السلاح غير القانوني من المنظمات المختلفة حتى تسلمه للاميركيين».في هذه الاثناء يتقدم كل من شارون وأبو مازن نحو هدفه، ولكنهما يقومان بذلك مثل القنافذ التي تتبادل الغرام فيما بينها: بحذر مفرط حتى لا تصاب لا سمح الله. «عن «هآرتس»