الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 لم ينجح المحررون حتى الآن إلا في تحرير أرواح العراقيين من اجسادهم. فقوات صدام حسين اثبتت انها اقل ميلاً للاستسلام، مما توقعوا، والمدنيون اقل استعداداً للتمرد. ولكن وفي حين لا يستطيع احد ان يتجاهل الآن المشكلات المباشرة التي واجهتها هذه الحرب غير المشروعة، فإننا بدأنا ايضا بادراك ما كان ينبغي ان يكون واضحاً طوال الوقت وهو انه مهما كانت طريقة حل هذا الصراع، فإن النتيجة ستكون كارثة. ويبدو لي ان هناك ثلاث نتائج محتملة للحرب مع العراق. الاولى والتي بدأت الآن تبدو مستبعدة، هي ان تتم تصفية صدام حسين بسرعة، وان يقوم جنرالاته ووزراؤه بالتخلي عن مناصبهم، وان ينتفض الشعب المروّع من قبل ميليشياته وشرطته السرية ويستقبل الغزاة بالورود والارز، وبعدها يتم الترحيب بالقوات في بغداد، ويبدأ الاستعداد لما تزعم الادارة الاميركية بأنه سيكون نقلاً للسلطة الى حكومة ديمقراطية. ولبضعة اسابيع، سيبدو هذا كانتصار. ثم يتوقع ان تحدث اشياء عديدة، وأول هذه الاشياء هو ان الحكومة الاميركية، المبتهجة من استقبالها في بغداد، ستقرر كما المح دونالد رامسفيلد مجدداً الاسبوع الماضي، ان تنقل حربها الدائمة الى دولة اخرى، مثل سوريا أو ايران أو اليمن أو الصومال أو كوريا الشمالية، أو أي مكان آخر يمكن حساب غزوه كوسيلة لتعزيز مكانة الرئيس ونطاق امبراطوريته. والامر يبدو وكأن بوش ومستشاريه مصممون على مواجهة اللعنة التي تستدعيها ثقتهم بالنفس المبالغ بها. واكتشافنا الثاني من المرجح ان يكون كما اشار جون غراي قبل بضعة اشهر، تلك الحقيقة القائلة ان الخيار بين الانظمة في الشرق الاوسط لن يكون خياراً بين الديكتاتورية العلمانية والديمقراطية العلمانية، وانما بين الدكتاتورية العلمانية والديمقراطية الاسلامية، ويبدو ان ما تريده شعوب الشرق الاوسط وما تقول الحكومة الاميركية انها تريده هما شيئان مختلفان تماماً، والتوتر بين الهدفين سيكون مصدراً لعدم الاستقرار والصراع، حتى تسمح الحكومات الغربية لتلك الشعوب بأن تختار طريقها بدون مضايقة. وهذا الأمر من المستبعد ان يحدث حتى ينفد النفط. وقد يحتفل العراقيون باستقلالهم من خلال احتضان نزعة التشدد وقد ترد الولايات المتحدة بالسعي الى سحقها. وقد يكتشف التحالف قريباَ ايضاً السبب الذي جعل صدام حسين يصبح دكتاتوراً فالعراق هو كيان شكله الاستعمار البريطاني بجمع اجزاء بالقوة من ثلاث ولايات عثمانية، يمتاز سكانها بولاءات مختلفة. ويمكن القول ان هذه التركيبة لا يمكن الحفاظ عليها إلا من خلال استخدام القوة. ويمكن لادارة مدعومة من الولايات المتحدة ان تواجه اثناء سعيها للحفاظ على وحدة هذه الامة من الفصائل المتحاربة، المشكلة التي واجهها صدام، وفي خضم هذه المواجهة تعيد اكتشاف حله. وربما علينا ألا نتفاجأ لمعرفة ان حكومة جورج بوش كانت تخطط، وحتى وقت قريب، لأن تكتفي باستبدال اكبر مسئولين في كل وزارة من وزارات صدام تاركة بقية المسئولين في حكومته على حالهم. والبديل عن ذلك هو السماح للعراق بالتفكك وبينما قد يكون التفكك على المدى الطويل، هو المستقبل الوحيد الملائم لشعبه، فإنه من المستحيل رؤية كيف يمكن لهذا ان يحدث، على المدى القصير، بدون سفك للدماء، مع محاولة كل فصيل لان ينال حصته من النفوذ. وسواء ستحاول الولايات المتحدة ان تشرف على هذا الانقسام أم ستهرب من البلاد كما فعل البريطانيون بالهند، فإن نصرها في هذه الظروف سيتبخر على الأرجح سريعاً جداً. النتيجة المحتملة الثانية لهذه الحرب هي ان تقوم الولايات المتحدة بقتل صدام وتدمير الجزء الاكبر من جيشه، ولكنها ستضطر الى حكم العراق كقوة احتلال معادية. اما صدام حسين، الذي تبدو حربه النفسية اكثر تطوراً من الحرب النفسية الاميركية، ربما ضمن ان هذه هي الآن النتيجة الاكثر احتمالاً. ان قوات التحالف لا يمكنها الفوز بدون احتلال بغداد، وصدام يسعى الى ضمان ألا يحدث ذلك بدون ان يقوموا بقتل ألوف المدنيين، وسيتخذ جنوده المنازل والمدارس والمستشفيات ملاذاً لهم. وفي محاولتهم لتدميرهم، فإن الجنود الاميركيين والبريطانيين قد ينسفون الفرصة الاخيرة لكسب قلوب وعقول المواطنين العراقيين. وقد اجبر قيام صدام حسين بنشر الانتحاريين قوات التحالف على التعامل بوحشية مع المدنيين الأبرياء. والمقارنات مع ما يجري في فلسطين لن تفوت الجانب العراقي أو أي شخص في الشرق الاوسط. وستكتشف الولايات المتحدة، شأن اسرائيل، ان الاحتلال دموي، ولا يمكن الحفاظ عليه في النهاية. وستواجه قواتها المضايقة من قبل القناصة والانتحاريين وردها على هذه العمليات سيثير عداء حتى اولئك الاشخاص الذين كانوا ممتنين للاطاحة بصدام. ويمكننا ان نتوقع في هذه الظروف ان تسارع الولايات المتحدة الى اعلان انتصارها وتقوم بتنصيب حكومة عراقية هزيلة وهالكة، وتنسحب من البلاد قبل ان ينهار المكان من حولها. وما سيحدث بعد ذلك للعراق وبقية الشرق الأوسط هو أمر لا يمكن تخمينه، ولكنني اعتقد ان بامكاننا ان نتوقع انه لن يكون بالوضع الذي يبعث على السرور. الاحتمال الثالث هو ان تفشل قوات التحالف في قتل او اسر صدام حسين بسرعة أو في تحقيق نصر ساحق في العراق. وبينما لا يزال هذا الاحتمال مستبعداً، فانه الآن يعتبر نتيجة لا يمكن اغفالها كلياً. وقد يكون صدام ذكياً جداً بحيث لا ينتظر في ملجئه إلى ان تصله قنبلة كبيرة، وانما قد يتسلل، كما فعل الملك الفريد، إلى السكان المدنيين، وينزع قناع التخفي بين الفينة والاخرى ليظهر بين جنوده ويبقى شعلة التحرير مشتعلة. واذا ما حدث ذلك؛، فان الولايات المتحدة تكون قد حولته من الطاغية المكروه إلى بطل المقاومة العربية والإسلامية الرومانسي والاسطوري تقريباً صلاح الدين الذي يحلم به. وسينظر اليه باعتباره الرجل الذي يمكنه ان يفعل بالولايات المتحدة ما فعله المجاهدون الافغان بالاتحاد السوفييتي. جرها حتى الآن إلى حرب لا يمكن كسبها بحيث ينهار اقتصادها والدعم الشعبي الذي تحظى به. وكلما طال بقاؤه على قيد الحياة، كلما توجه إليه المزيد من السكان ليس فقط في العراق وانما من كل الدول الإسلامية، وكلما اصبح النصر الغربي اقل احتمالاً.وستكون الولايات المتحدة آنئذ قد حققت بالتأكيد الحلم المستبعد الذي تزعم انها تلاحقه، وهو زواج الوحشية العلمانية جيدة التسليح لصدام مع التنظيم العالمي المسلح للقاعدة. وحتى ولو تم العثور على صدام حسين وقتله، بعد صمود لعدة اسابيع أو شهور، فان روحه ستستمر في الهام الثورة في العالم الإسلامي ضد الأميركيين والبريطانيين وضد اسرائيل، بالطبع وسيجد الرئيس الباكستاني برويز مشرف نفسه في ورطة خطيرة. واذا تمت الاطاحة به، كما يبدو محتملاً في هذه الظروف، فان نظاماً متشدداً معادياً بقوة للغرب سيمتلك اسلحة نووية حقيقية معدة وجاهزة للاطلاق. آمل ألا اكون قد اسقطت شيئاً هنا، وان تثبت الايام انني كنت مخطئاً، ولكن يبدو لي ان الحكومتين الأميركية والبريطانية قد جرتانا إلى ورطة قد لا نخرج منها لسنوات عديدة. لقد اطلقتا روح الحرب من قمقمها، وقد لا تبدي استعداداً للعودة إلى ذلك القمقم حتى تكون قد جابت العالم بأسره. ترجمة: ضرار عمير عن «جارديان»